بقلم: علاء بيومي*

- مستوى الحقوق المدنية
- المستوى السياسي
- المستوى الإعلامي
- حقائق هامة أبرزتها الأزمة

خبرة المسلمين والعرب بأميركا في الشهور الستة الماضية -وتحديدا منذ الحادي عشر من سبتمبر/أيلول- أكدت أهمية تجمع المسلمين والعرب في أميركا وتوحدهم في مؤسسات فعالة على الأصعدة السياسية والإعلامية والقانونية بالأساس، كما أثبتت أن العمل الفردي أو الجماعي غير المنظم والقاصر فقط على الاهتمام بالنواحي الاجتماعية والثقافية من حياة المسلمين والعرب في أميركا لن يستطيع وحده حماية المسلمين والعرب في أميركا أو تقديم مصالحهم في الوقت الحالي أو في المستقبل.

فدراسة آثار الأزمة على المستويات القانونية والسياسية والإعلامية توضح أن ضحايا الأزمة -بين المسلمين والعرب المقيمين في أميركا- هم بالأساس الفئات الأقل تنظيما والأقل وعيا وقدرة على استخدام أدوات العمل السياسي والقانوني والإعلامي المتوافرة في الحياة العامة الأميركية لحماية وتقديم مصالحها داخل المجتمع الأميركي، ويأتي على رأس هذه الفئات المظلومة المهاجرون المقيمون بصفة غير قانونية في الولايات المتحدة، والمهاجرون الجدد غير المنظمين في مؤسسات سياسية وقانونية تحميهم، والمنظمات الأهلية والإنسانية غير المعدة للعمل السياسي والإعلامي، في حين استطاعت الفئات المسلمة والعربية الأكثر تنظيما واهتماما بالعمل السياسي والإعلامي -حتى لو افتقرت نسبيا إلى الموارد- تحويل بعض مظاهر الأزمة السلبية إلى فرص ومكاسب استخدمتها في حماية حقوق ومصالح المسلمين والعرب في أميركا.

وسوف نستعرض فيما يلي بعض آثار الأزمة على أوضاع المسلمين والعرب في أميركا في الشهور الست الماضية على المستويات الأساسية التالية:

  • مستوى الحقوق المدنية
  • المستوى السياسي
  • المستوى الإعلامي
  • حقائق هامة أبرزتها الأزمة

مستوى الحقوق المدنية

أضرت الأزمة أساسا بحقوق المسلمين والعرب المقيمين في الولايات المتحدة بصورة غير قانونية إذ أعلنت سلطات الهجرة الأميركية -في أوائل شهر يناير/كانون الثاني الماضي- نيتها البدء بترحيل ستة آلاف مسلم وعربي مقيمين في الولايات المتحدة بصفة غير قانونية بعد أن صدرت أوامر بترحيلهم في الماضي، وذلك من بين 314 ألف شخص ينتمون إلى جنسيات مختلفة مقيمين في الولايات المتحدة صدرت أوامر بترحيلهم.

بوش يوجه انتقادات لإيران والعراق وحركة حماس
بعد ذلك أضرت الأزمة بحقوق وحريات حوالي خمسة آلاف مسلم وعربي دخلوا الولايات المتحدة بصورة قانونية في الفترة الأخيرة والذين استجوبتهم وزارة العدل ضمن تحقيقاتها المتعلقة بالتفجيرات.

كما اعتقلت السلطات الأميركية ما لا يقل عن 1100 شخص على ذمة التحقيقات منذ سبتمبر/ أيلول الماضي، ولاتزال تعتقل منهم حتى الآن حوالي 326 شخصا وفقا لتقرير أصدرته وكالة أسوشيتد برس الأميركية في التاسع من مارس/ آذار الحالي، وغالبية المعتقلين هم من المهاجرين الجديد غير الواعين بحقوقهم القانونية والدستورية وغير القادرين على تحمل تكاليف القضاء والمحاماة الباهظة التكاليف في الولايات المتحدة.

أضف إلى ذلك تعرض ما لا يقل عن 2500 شخص من أصول مسلمة وعربية لاعتداءات مختلفة ضمن موجة العداء والعنف الموجهة ضد المسلمين والعرب والتي اجتاحت الولايات المتحدة بعد الانفجارات، وذلك وفقا لإحصاءات كل من مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (CAIR) واللجنة العربية لمكافحة التمييز (ADC). ومعظم هؤلاء بالطبع من النساء والمهاجرين الجدد والفئات الفقيرة والموظفين البسطاء الذين مثلوا أهدافا وضحايا سهلة لبعض العنصريين من ذوي النفوس الحاقدة والضعيفة داخل المجتمع الأميركي.


تمتع المسلمون والعرب المنظمون سياسيا وقانونيا بقدر من الحصانة والنجاح في حماية حقوقهم والدفاع عنها
ينطبق التحليل نفسه تقريبا على القوانين والقرارات التي أصدرتها السلطات الأميركية المختلفة بغرض مكافحة الإرهاب بعد أحداث سبتمبر/أيلول وعلى رأسها قانون مكافحة الإرهاب الجديد المعروف باسم "بتريوت آكت" (Patriot Act) وقرار إنشاء محاكم عسكرية لمحاكمة أعضاء طالبان والقاعدة، إذ تم تأييد وتمرير هذه القوانين والقرارات على أنها ستطبق أساسا على الأجانب المقيمين في الولايات المتحدة أو المقيمين في دول أخرى مثل أسرى الحرب في أفغانستان وليست موجهة للأميركيين وخاصة أولئك من أصحاب الأصول غير المسلمة أو العربية.

على الجانب الآخر تمتع المسلمون والعرب المنظمون سياسيا وقانونيا بقدر من الحصانة والنجاح في حماية حقوقهم والدفاع عنها، فعلى سبيل المثال استطاعت بعض المسلمات الأميركيات ومن خلفهن منظمات الحقوق المدنية المسلمة والعربية إثارة قضية التمييز ضد المسلمات في المطارات والأماكن العامة. فعلى سبيل المثال نجحت فتاة مسلمة تبلغ من العمر 17 عاما تعرضت للتمييز في أحد المطارات في إثارة قضيتها إعلاميا -في أوائل شهر يناير/ كانون الثاني الماضي- بعد أن ساندها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير)، وذلك إلى الحد الذي دفع رئيس شركة طيران دلتا إيرلاينز إلى الاتصال هاتفيا بالفتاة للاعتذار لها بعد أن وصلت قصتها وصورتها بالحجاب إلى أكبر وسائل الإعلام الأميركية وعلى رأسها محطة سي إن إن وجريدة واشنطن بوست وجريدة شيكاغو تربيون.

كما يعود جزء من النجاح الذي حققته هذه الفتاة المسلمة وغيرها من الفتيات والسيدات المسلمات الأميركيات في إثارة ما يتعرضن إليه من تمييز في الدوائر الإعلامية والسياسية الأميركية إلى شجاعة ضابط مسلم أميركي -يعمل بطاقم حراسة الرئيس الأميركي- تعرض للتمييز أثناء سفره على إحدى طائرات شركة أميركان إيرلاينز في أواخر شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي. وقد كانت لشجاعة هذا الضابط المسلم -ورفضه للتمييز ضده ورغبته بإثارة قضية التمييز ضد المسلمين والعرب في الإعلام مستخدما في ذلك منصبه الكبير والحساس- أكبر الأثر في تسليط الضوء الإعلامي والسياسي على معاناة المسلمين والعرب في أميركا بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول.

وقد استغلت المنظمات المسلمة والعربية الأميركية قضية التمييز ضد الضابط المسلم أفضل استغلال لإثارة ما يتعرض له المسلمون والعرب في أميركا من تمييز في المطارات وفي غيرها من الأماكن العامة بأميركا بغض النظر عن خلفياتهم الأمنية، وقد مثلت هذه القضية نقطة تحول المنظمات المسلمة والعربية من أسلوب الدفاع إلى أسلوب الهجوم فيما يتعلق بالمطالبة بحماية حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا بعد أحداث سبتمبر/أيلول.

كما نجحت تلك المنظمات بشكل غير مسبوق في تسجيل أكبر عدد من حالات انتهاك حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا خلال الأزمة الماضية مقارنة بأزمات سابقة، وهو ما يشير أيضا إلى زيادة وعي المسلمين والعرب بحقوقهم القانونية وبضرورة عدم الصمت على أية انتهاكات قد تتعرض لها حقوقهم. كما نجحت المنظمات المسلمة والعربية أيضا في إثارة تقاريرها عن هذه الانتهاكات إعلاميا وسياسيا داخل وخارج أميركا.

وإضافة إلى ذلك نشطت المنظمات المسلمة والعربية الأميركية على صعيد التحالف مع جماعات الحقوق والحريات المدنية الأميركية التي رفضت مبدأ التضحية بالحريات المدنية في سبيل تحقيق الأمن والذي ساد العديد من الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية بعد الأزمة، وقد عقدت هذه المنظمات مؤتمرا في التاسع عشر من يناير/كانون الثاني اعتبره المراقبون ميلادا لتحالف جديد لجمعيات الحقوق والحريات المدنية في فترة ما بعد أحداث سبتمبر/أيلول.

وقد توجت هذه الجهود بجلسة استماع عقدت بالكونغرس في الرابع والعشرين من يناير/كانون الثاني للنظر في آثار الأزمة في الحقوق والحريات المدنية بأميركا، وقد عقدت الجلسة برعاية النائب الأميركي جون كونيورز ذي المكانة المرموقة باللجنة القضائية بمجلس النواب الأميركي، وقد كانت الجلسة بمثابة إعلان غير رسمي عن دخول موجة العداء الشعبي ضد المسلمين والعرب في أميركا مرحلة الانحسار، وعن دخول حركة الحقوق والحريات المدنية الأميركية مرحلة تاريخية جديدة تضع فيها قضية حماية حقوق وحريات المسلمين والعرب في أميركا والدفاع عنها في محور اهتماماتها وفي قلب حركتها. كما شهدت الجلسة ما يشبه مظاهرة تأييد تلقائية قادتها أكبر جمعيات الحقوق والحريات الأميركية -وخاصة تلك التي تمثل أقليات أخرى ذاقت طعم التمييز والعنصرية في أميركا مثل الأفارقة الأميركيين واليابانيين الأميركيين والأميركيين من أصل لاتيني- لمساندة المسلمين والعرب الأميركيين في نضالهم لنيل حقوقهم وحرياتهم بأميركا.

كما أجمعت هذه المنظمات في كلماتها في الجلسة -والتي وجهت أساسا لممثلي المنظمات المسلمة والعربية الموجودة في الجلسة- على نصيحة واحدة وهي أنه لا مكان في المجتمع الأميركي للفئات الضعيفة غير المنظمة سياسيا وقانونيا وإعلاميا، وأن المسلمين والعرب في أميركا أمامهم طريق كفاح طويل وقاس عليهم أن يسيروا فيه -مع غيرهم من أبناء الأقليات الأميركية الأخرى- من أجل الحصول على حرياتهم وحقوقهم كاملة في المجتمع الأميركي، وذلك لأن الحقوق والحريات تكتسب بالكفاح والنضال ولا تمنح.

على الصعيد السياسي

ألحقت الأزمة أضرارا بالغة بالمنظمات المسلمة والعربية الأميركية الأقل نشاطا على الصعيد السياسي حتى لو كانت أكثر ثراء من حيث مواردها المادية، وعلى رأس المنظمات التي أضرت بها الأزمة منظمات الإغاثة الإسلامية إذ أغلقت الحكومة الأميركية ثلاثا من أكبر منظمات الإغاثة المسلمة الأميركية بتهمة مساعدة الإرهاب.


ألحقت الأزمة أضرارا بالغة بالمنظمات المسلمة والعربية الأميركية الأقل نشاطا على الصعيد السياسي حتى لو كانت أكثر ثراء من حيث مواردها المادية، وعلى رأس المنظمات التي أضرت بها الأزمة منظمات الإغاثة الإسلامية
والواضح أن الحملة على هذه المنظمات لم تكن جديدة فقد أثيرت خلال معظم عقد التسعينيات واشتعلت على فترات متقطعة وخاصة في فترات تأزم الصراع بالشرق الأوسط، إذ اتهمت المنظمات الموالية لإسرائيل هذه المنظمات تكرارا بتمويل جماعات فلسطينية مسلحة.

وقد رأى بعض المراقبين لحركة المسلمين والعرب السياسية في الولايات المتحدة أن ما تعرضت له منظمات الإغاثة المسلمة في الفترة الأخيرة يعود جزئيا إلى ضعف تمثيلها السياسي والإعلامي في واشنطن. ولذا اهتمت المنظمات المسلمة والعربية الأميركية ذات الوجود السياسي والإعلامي في واشنطن بدعم وتفعيل وجودها هذا في الشهور الستة الماضية في محاولة منها لحماية هذا الوجود والذي يمثل بدوره ضرورة لحماية وجود وحقوق المسلمين والعرب في أميركا. وقد بذلت هذه المنظمات جهودا مضنية في الشهور الستة الماضية لدعم علاقاتها بمختلف السلطات الأميركية سواء على مستوى البيت الأبيض أو على مستوى أعضاء الكونغرس الأميركي أو على مستوى الإدارات والسلطات الأميركية المختلفة.

أكثر من ذلك خرج المسلمون والعرب الأميركيون من الأزمة بشهية مفتوحة وإصرار متزايد على العمل السياسي إذ أوضحت أحدث دراسة أجريت عن توجهات المسلمين في أميركا -والتي أصدرتها جامعة جورج تاون الأميركية في شهر ديسمبر/كانون الأول الماضي- أن 93% من المسلمين في أميركا يؤيدون زيادة مشاركتهم في الحياة السياسية الأميركية.

كما بدأت المنظمات المسلمة الأميركية حملة مبكرة للاستعداد لانتخابات نوفمبر/تشرين الثاني 2002، وذلك عبر تسجيل أكبر عدد من الناخبين المسلمين في القوائم الانتخابية، وتشجيع التجمعات المسلمة والعربية الأميركية على الاتصال بالمرشحين السياسيين في المحليات وعرض قضاياهم عليهم، ودعم أعضاء الكونغرس والمرشحين السياسيين المساندين لقضايا المسلمين والعرب في أميركا.

كما يمكن القول إن بعض القيادات والمنظمات السياسية المسلمة والعربية لم تتأثر بالأزمة، وإن بعضها استفاد منها، فعلى سبيل المثال لم تؤثر الأزمة في المسلمين الأميركيين الذي يعملون في وظائف مختلفة بالكونغرس والوزارات الأميركية، إذ أجمعوا في غالبيتهم -ومنهم مسلمات يرتدين الحجاب- على أن الأزمة لم تأثر في مواقعهم والوظائف التي يحتلونها أو في علاقتهم مع زملائهم بالعمل لأنهم احتلوا وظائفهم هذه بناء على كفاءتهم التي يصعب الاستغناء عنها أو استبدالها، فقد استطاعوا -خلال فترة عملهم بتلك الإدارات الهامة- بناء العديد من العلاقات القوية والحميمة مع مرؤوسيهم وزملائهم على حد سواء.

كما حققت بعض المنظمات المسلمة والعربية السياسية بعض النجاحات على سبيل تقوية علاقتها بالإدارة الأميركية، إذ التقت المنظمات المسلمة والعربية السياسية الكبرى بالرئيس الأميركي مرتين في الأسابيع القليلة التالية لأحداث سبتمبر/أيلول، كما تعددت لقاءاتها مع مسؤولي وزارة الخارجية والعدل ومكتب التحقيقات الفدرالي (FBI) ورجال الكونغرس مما قوى من وجود هذه المنظمات بأهم الدوائر السياسية الأميركية.

وقد أثار نجاح المنظمات المسلمة والعربية السياسي في بداية الأزمة حفيظة جماعات الضغط المعارضة لهذا النجاح وعلى رأسها منظمات اللوبي الإسرائيلي، الأمر الذي دفعها إلى بذل ضغوط شديدة على الإدارة الأميركية لثنيها عن دعوة المنظمات المسلمة والعربية أو اللقاء معها، ويبدو أن الرئيس الأميركي -تحت هذه الضغوط- لجأ إلى الحد من ظهوره مع ممثلي المنظمات المسلمة والعربية في الفترة الحالية، ولكن ذلك لم يقطع علاقة المنظمات المسلمة والعربية بالإدارة الأميركية إذ ظلت الاتصالات مستمرة دون انقطاع ولكن على مستويات مختلفة.

كما أبرزت الأزمة بعض المعادن الثمينة والنادرة لبعض كبار أعضاء الكونغرس الذين ساندوا المسلمين والعرب في أميركا إبان الأزمة ورفضوا الرضوخ لعاصفة النقد والتشويه التي حاولت النيل منهم بكل أسلوب وبأي ثمن بسبب مساندتهم للمسلمين والعرب في هذا الوقت الصعب.

وعلى رأس هؤلاء السيدة سنثيا ماكيني نائبة الحزب الديمقراطي عن ولاية جورجيا، وثلاثة نواب ديمقراطيين عظام عن ولاية متشيغان وهم النائب جون كونيورز والنائب ديفد بونيور والنائب جون دينغل، هذا بالإضافة إلى بعض النواب الأميركيين العرب وعلى رأسهم النائب جون سانونو (عن ولاية نيو هامشير) والنائب داريل عيسى (عن ولاية كاليفورنيا).

وإن كان هذا لا يقلل من الآثار السلبية التي تركتها الأزمة على نشاط المسلمين والعرب السياسي في أميركا، فدون شك ضاعفت الأزمة من حجم الضغوط السياسية وحملات التشويه التي تتعرض لها المنظمات المسلمة والعربية الأميركية، كما أنهكت الأزمة موارد المنظمات المسلمة والعربية السياسية في الدفاع عن تلال من قضايا الحقوق المدنية مما أرهق موارد هذه المنظمات وقدرتها على تفاعل مع مختلف القضايا السياسية التي طرحتها الأزمة.

على المستوى الإعلامي

من المعروف للجميع أن الإسلام والمسلمين والعرب تعرضوا لحملة تشويه إعلامي شرسة في الإعلام الأميركي بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول، إذ أعطت الأزمة فرصة للكتاب المعادين لتزايد الوجود الإسلامي في الغرب عموما وفي الولايات المتحدة خصوصا على إخراج ما في جعبتهم من اتهامات باطلة بحق الإسلام والمسلمين، ويأتي على رأس هؤلاء الكتاب المغرضين الكاتبان الأميركيان دانيال بيبس وستيفن إمرسون واللذان يعدان مصدران أساسيان لغالبية حملات تشويه صورة الإسلام والمسلمين في الدوائر الإعلامية والسياسية الأميركية.


استهدفت الحملة الإعلامية الأميركية ضد المسلمين هناك مختلف المفاهيم والرموز الإسلامية وعلى رأسها مفهوم الجهاد، والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في القرآن، والتعليم الديني في المدارس الإسلامية، ووجود المسلمين والعرب في أميركا
وقد استهدفت الحملة مختلف المفاهيم والرموز الإسلامية وعلى رأسها مفهوم الجهاد، والعلاقة بين المسلمين وغير المسلمين في القرآن، والتعليم الديني في المدارس الإسلامية، ووجود المسلمين والعرب في أميركا، إلى الحد الذي دفع بعض الكتاب إلى اتهام المسلمين والعرب في أميركا بالضلوع في مؤامرة كبرى ضد الولايات المتحدة والحضارة الأميركية تنادي بأن يستخدم المسلمين والعرب الديمقراطية الغربية في الوصول إلى مقاليد الحكم بأميركا والغرب ثم السيطرة على تلك الدول وتحويلها إلى دول إسلامية، وبذلك أصبحت رغبة المسلمين والعرب في الممارسة السياسية الديمقراطية -من وجهة نظر أصحاب هذه النظرية السياسية- جريمة ومؤامرة.

وفي اعتقادي أن المسلمين والعرب في أميركا نجحوا نجاحا ملحوظا في التعامل مع الإعلام الأميركي في الشهور الستة الماضية، ومن مظاهر هذا النجاح الظهور المستمر للمسلمين والعرب الأميركيين في الإعلام الأميركي للحديث عن ردود أفعالهم إبان الأزمة، إضافة إلى العديد من البرامج الإيجابية التي أنتجتها وسائل الإعلام عن الإسلام والمسلمين، واهتمام الإعلام الأميركي بتغطية ردود فعل الرأي العام العربي والإسلامي تجاه الولايات المتحدة أثناء الأزمة.

ومن أبرز أمثلة النجاح دور بعض أكبر الجرائد الأميركية مثل جريدة لوس أنجلوس تايمز في كشف خيوط الحملة الإعلامية والسياسية الشرسة التي تعرضت لها المنظمات المسلمة والعربية في أوائل الأزمة، إذ نشرت الجريدة مقالة في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني الماضي تتحدث عن حرب الدعاية السلبية التي شنتها بعض أكبر منظمات اللوبي الإسرائيلي والكتاب الموالين لها بهدف تشويه صورة المنظمات المسلمة والعربية الأميركية بعد اجتماعها المتكرر بالرئيس الأميركي، كما أنتجت الجريدة نفسها عدة مقالات إيجابية عن المسلمين الأميركيين وعن دور المنظمات المسلمة الإيجابي في حشد طاقاتهم السياسية.

كما استفادت بعض المنظمات المسلمة والعربية من الأزمة -واهتمام الإعلام الأميركي الكبير بمعرفة مواقف المسلمين والعرب في أميركا- في تقوية وجودها في وسائل الإعلام الأميركية بما عاد عليها وعلى المسلمين والعرب في أميركا بالفائدة، لأن وجودها الإعلامي القوي أثناء الأزمة زاد من قدرتها على الوصول إلى الرأي العام الأميركي وتقديم مصالح المسلمين والعرب في أكبر الدوائر السياسية والإعلامية. وتعود هذه النماذج الناجحة من وجهة نظري إلى ثلاثة أسباب رئيسية وهي:


  • كشفت الأزمة عن وجود تجمعات مسلمة كبيرة وفعالة في أكثر من ولاية أميركية سيكون لها شأن كبير في المستقبل القريب في تقوية التأثير السياسي والإعلامي للمسلمين والعرب في أميركا
    أولا:
    أن المنظمات المسلمة والعربية الأميركية أنفقت جزءا كبيرا من مواردها خلال عقد التسعينيات في توعية المسلمين والعرب في أمريكا بأساليب العمل مع الإعلام الأميركي، وإذا نظرنا اليوم إلى المساجد في أميركا وجدنا أن 70% من المساجد الأميركية على الأقل تتصل بصفة مستمرة بوسائل الإعلام المحلية، وذلك وفقا لدراسة أصدرها مجلس العلاقات الإسلامية الأميركية (كير) في عام 2000 عن المساجد في أميركا.
  • ثانيا: منذ فترة والمنظمات المسلمة والعربية الأميركية تحاول تطوير خطاب إسلامي وعربي أميركي يجمع مصالح المسلمين والعرب والولايات المتحدة في خطاب واحد منطقي متكامل، وعندما وقعت الأزمة لم تجد هذه المنظمات أية مشكلة في الحديث إلى الرأي العام الأميركي بخطاب أميركي إسلامي متوازن. بل إن الحكومة الأميركية نفسها حاولت الاستفادة من وجود وخطاب المسلمين والعرب الأميركيين في مخاطبة الشعوب المسلمة والعربية كما يظهر بوضوح في بعض عناصر مبادرة دبلوماسية الشعوب التي أطلقتها الولايات المتحدة بهدف تحسين صورتها لدى الشعوب المسلمة والعربية بعد الحادي عشر من سبتمبر/أيلول.
  • ثالثا: كشفت الأزمة عن وجود تجمعات مسلمة كبيرة وفعالة في أكثر من ولاية أميركية سيكون لها شأن كبير في المستقبل القريب في تقوية التأثير السياسي والإعلامي للمسلمين والعرب في أميركا، وعلى رأس هذه التجمعات مسلمو كاليفورنيا ومسلمو متشيغان ومسلمو شيكاغو بالإضافة إلى مسلمي العاصمة الأميركية واشنطن ومنطقة شمال فيرجينيا حيث تتركز المنظمات المسلمة والعربية الأميركية السياسية الكبرى.

والواضح أن المسلمين بتمركزهم ونشاطهم في هذه المدن الكبيرة استطاعوا التأثير في وسائل الإعلام المحلية الموجودة في مناطقهم، كما يتضح في نموذج جريدة لوس أنجلوس تايمز والتي تعد واحدة من أكبر الجرائد الأميركية على الإطلاق والتي تأثرت بوضوح بتجمعات المسلمين في كاليفورنيا والذين يزيد عددهم في بعض التقديرات عن نصف مليون نسمة.

وهذا لا يعني أن التجمعات المسلمة الأميركية القليلة العدد عجزت عن التأثير السياسي والإعلامي، فقد أثبتت الأزمة أن التجمعات المسلمة الصغيرة قادرة على تحقيق نجاحات عديدة مادامت منظمة وراغبة في تطوير قدراتها السياسية والإعلامية، ومن أمثلة التجمعات الصغيرة الناجحة تجمع المسلمين في مدينة بتسبيرغ بولاية بنسلفانيا الأميركية والذي استطاع تحقيق نجاحات عديدة على المستويات السياسية والقانونية والإعلامية رغم أن تعداد المسلمين والعرب هناك لا يتعدى العشرة آلاف شخص.

وقد انعكس كل هذا على توجه الرأي العام الأميركي تجاه المسلمين والعرب في أميركا بعد الأزمة إذ تشير العديد من المؤشرات إلى أن الأزمة زادت من شعور العديد من الأميركيين بجهلهم بالإسلام والثقافة الإسلامية وبرغبتهم في معرفة المزيد عن الإسلام والمسلمين. فعلى سبيل المثال أجرى مركز الأبحاث الأميركية الشهير "بيو" استطلاعا لآراء الأميركيين تجاه المسلمين الأميركيين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الماضي وتوصل إلى أن نسبة الأميركيين الذين ينظرون إلى المسلمين الأميركيين نظرة إيجابية زادت بعد أحداث سبتمبر/أيلول إلى 59 % مقارنة بـ 45% فقط في شهر مارس/آذار من عام 2001.

حقائق هامة أبرزتها الأزمة

في النهاية نحب أن نؤكد عدة حقائق أساسية أبرزتها الأزمة فيما يتعلق بوجود المسلمين والعرب في الولايات المتحدة. فقد ذكرت الأزمة المسلمين والعرب في أميركا بأن أمامهم طريق كفاح طويل وشاق لابد أن يسيروا فيه كي يحصلوا على حقوقهم وحرياتهم كاملة في الولايات المتحدة. والتاريخ الأميركي مليء بنماذج وتجارب لجماعات دينية وعرقية عديدة عانت التمييز والعنصرية في بداية عهدها على الأرض الأميركية، ولكنها كافحت وناضلت من أجل حقوقها، وعلى رأس هذه الجماعات اليهود والكاثوليك والأفارقة الأميركيون واليابانيون الأميركيون والأميركيون من لأصل لاتيني.


أبرزت الأزمة أن المسلمين والعرب في أمريكا أقلية متنامية وفي تطور مستمر وذات خصائص مميزة لها ولدتها عقود طويلة من الوجود العربي والإسلامي في أمريكا، وأن هذه الخصائص لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها بفعل أية أزمة مهما كان حجمها
بمعنى آخر تؤكد الخبرة التاريخية الأميركية أن الحقوق والحريات تكتسب وتنتزع بالكفاح والنضال ولا تمنح مجانا أو تطوعا. ولكي يكتسب أبناء جماعة أميركية ما حقوقهم يتحتم عليهم ألا يكتفوا بالعمل الفردي أو بالعمل في مؤسساتهم الدينية والثقافية والاجتماعية، وإنما ينبغي عليهم اكتساب قدرات العمل المؤسسي السياسي والإعلامي والقانوني والذي أصبح ضرورة على كل مسلم وعربي مقيم في الولايات المتحدة. كما أصبحت المشاركة السياسية من أجل التأثير في صانع القرار السياسي والإعلامي الأميركي أهم أولويات الوجود الإسلامي والعربي في الولايات المتحدة في المستقبل المنظور.

وبصفة أساسية أبرزت الأزمة أن المسلمين والعرب في أميركا أقلية متنامية وفي تطور مستمر وذات خصائص مميزة لها ولدتها عقود طويلة من الوجود العربي والإسلامي في أميركا، وأن هذه الخصائص لا يمكن أن تتغير بين عشية وضحاها بفعل أية أزمة مهما كان حجمها، وأن هذه الخصائص المميزة في حاجة إلى اهتمام أكبر وفهم أعمق للكشف عن أبعادها وقوانين تشكيلها وعملها بهدف التأثير فيها بما فيه صالح المسلمين والعرب في أميركا وخارجها.
______________
* كاتب ومحلل سياسي – واشنطن

المصدر : غير معروف