إبراهيم غرايبة*

- إعلام الغزو الأميركي للعراق
- فضائيات وإنترنت وموبايلات
- لماذا تسقط الولايات المتحدة وبريطانيا في مأزق الكذب والتزوير؟
- الإعلام والحرب أو قصف العقول
- الوعي إذ يقدم جاهزا ومعلبا

لم تكن الحروب تقوم بمعزل عن الإعلام والدعاية والحرب النفسية، لحشد الرأي العام ورفع معنويات الجيوش، ومواجهة العدو وتحطيمه، وقد بقيت فنون الاتصال والإعلام على علاقة وثيقة بالحرب، ولكنها في هذا العصر الذي يتميز أساسا بالاتصالات والمعلوماتية تكاد تتحول برمتها إلى الإعلام والدعاية، والحرب في جوهرها تبادل منظم للعنف، والدعاية في جوهرها عملية إقناع منظمة، فإذا أمكن إقناع الخصم فلا حاجة للحرب العسكرية ابتداء.

إعلام الغزو الأميركي للعراق

إن العمل الإعلامي المرافق للغزو الأميركي للعراق من أهم الحالات الدراسية في كليات الإعلام في جامعات العالم وفي المؤسسات الإعلامية المحلية والعالمية، فهي المرة الأولى التي تدخل فيها الفضائيات والإنترنت إلى جانب الصحافة ووكالات الأنباء والإذاعة والتلفزيون المحلية في حرب كبيرة أقرب إلى العالمية وتشغل جميع الناس تقريبا، وربما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية تجربة عملية في هذا المجال وإن كانت أقل اتساعا واهتماما من الغزو الأميركي للعراق.


العرب والمسلمون، أكثر تأييدا وتعاطفا مع العراق في هذه الحرب ذلك أن الموقف العراقي هذه المرة لا تشوبه شبهة احتلال الكويت والموقف الأمريكي لا يملك أي غطاء دولي أو أخلاقي

ويتذكر المتابعون لحرب الخليج الثانية الأداء الإعلامي المرافق لها، ولا بد أنهم يلاحظون الفرق الكبير بين الحربين في هذا المجال، فقد اختفى الخطباء عن المسرح، ولم يعد يعرفهم أحد، واستبدل بهم الناس بدائل كثيرة جدا من الفضائيات ومواقع الإنترنت من كل البلاد والاتجاهات واللغات والمواقف، وأصبح المواطن العادي يملك المعلومات من جميع المصادر وبسهولة فائقة، ولم يعد يتميز عليه المحللون العظام والخطباء العباقرة والمسؤولون الرسميون والصحافيون المدعون بشيء يذكر.

وربما يفسر هذا اختلاف المشاعر وردود الأفعال والاستجابات للأحداث، فالعرب والمسلمون، وإن كانوا أكثر تأييدا وتعاطفا مع العراق في هذه الحرب ذلك أن الموقف العراقي هذه المرة لا تشوبه شبهة احتلال الكويت والموقف الأمريكي لا يملك أي غطاء دولي أو أخلاقي فإنهم يبدون أكثر هدوءا وأقل هياجا، وعلى قدر كبير من التوازن ومعرفة الأحداث والمعلومات والإحاطة بالمصادر المختلفة ومقارنتها ومناقشتها، ولا يكاد يوجد فرق كبير في التحليل والتقدير بين المحللين الذين تستضيفهم الفضائيات وبين المواطنين العاديين الذين يتابعون الأحداث والأنباء بنفس المستوى والشمول الذي يتابعه هؤلاء الخبراء.


وبالطبع فإن هذا الحال سيكسب الناس العاديين مزيدا من النضج والتروي والقدرة على التحليل، ويضع الإعلاميين في مواجهة تحد جديد لعلهم لم ينتبهوا إليه جيدا، فماذا يمكن تقديمه لهؤلاء الناس الذين صاروا يملكون مستوى عاليا من المعلومات والإحاطة الجارية والمستمرة؟


أعتقد أن وضع الكتاب والمحللين والمعلقين صار محزنا جدا، وقد يتحول الكثير منهم إلى ديناصورات أو جزء من الماضي


وأعتقد أن وضع الكتاب والمحللين والمعلقين صار محزنا جدا، وقد يتحول الكثير منهم إلى ديناصورات أو جزء من الماضي، مثل أولئك الخطباء الذين استولوا على آفاق الدنيا عام 1990 و 1991 لأن الناس سيتجاوزونهم ويتفوقون عليهم أيضا.. لقد دخل الإعلام فعلا في مرحلة جديدة لكن الإعلاميين أكثرهم لم يدركوا بعد هذه التحولات، وما زالوا يعتقدون أنهم يمكنهم الاستمرار في العمل بنفس الوتيرة التي تعودوا عليها من الكسل والاسترخاء والغيبوبة والاكتفاء بالنصائح والادعاء والاستعراض والظهور بمظهر العارف ببواطن الأمور.


وهذه التقديرات قد تحتاج إلى وقت حتى يمكن التأكد من صحتها، ولكني أتوقع في السنوات العشر القادمة أن تختفي أسماء كثيرة تتصدر اليوم الصحف والفضائيات وتظهر خبرات وأنواع جديدة من المعالجة والتفكير والتحليل، ولا أتمنى بالطبع حربا أخرى ليثبت ذلك ولكن الزمن وتحولاته العادية والعفوية ستفرض مراجعة شبيهة بما جرى بعد عام 1991.


ولكن التحولات التي جرت في المسرح الإعلامي ليست كلها إيجابية ومفيدة، بل إنها تشكل تحديا كبيرا للمجتمعات والمؤسسات، وتكشف أيضا عن الفجوة المعلوماتية الكبيرة بيننا وبين الآخرين يمكن ملاحظتها بسهولة لدى تصفح الإنترنت ومقارنة المواقع العربية بتلك الأجنبية، وتبدي عجز الخطاب العربي عن الوصول إلى الناس حتى العرب منهم.

فضائيات وإنترنت وموبايلات

أظهرت الفضائيات العربية لأول مرة وبخاصة الجزيرة قدرة غير متوقعة لمنافسة الإعلام الغربي الذي كان في العادة يجول في الميدان وحده ويحتك المعلومة والصورة، وبالطبع لا تستطيع الجزيرة والقنوات العربية تعويض الفجوة الكبيرة في تدفق المعلومات والصور التي تقدمها الوكالات الغربية فهي تصاحب الجيوش الغازية وتستخدم إمكاناتها، ولكن القنوات العربية تتحرك وحدها في الساحة العراقية، وإن كان بعضها أيضا يرافق القوات الأمريكية والبريطانية.

لقد استطاعت الجزيرة والمحطات العربية أن تكشف كثيرا من التناقضات فيما تبثه الوكالات والمحطات الغربية وتجبرها على التراجع، والأمثلة كثيرة جدا، منها على سبيل المثال: الادعاء بعدم وجود قتلى وأسرى أو سقوط طائرات في الأيام الأولى للحرب حتى نشرت الصور في الجزيرة، وأجبرت الناطقين الأمريكان والبريطانيين على الاعتراف، ثم تحولت المعركة الإعلامية إلى الانتهاكات العراقية لاتفاقية جنيف لأسرى الحرب بعد أن كانت إنكارا لوجودهم ابتداء، وانتقد كل من بوش وبلير والقادة العسكريون قناة الجزيرة بالاسم لنشرها صور الأسرى.

وتتراجع الولايات المتحدة وبريطانيا –اللتان تلهثان وراء أي أخبار سارة من ميدان المعركة- بشكل يومي تقريبا عن مزاعم بتحقيق انتصارات في العراق بعد التسرع بإعلان هذه المزاعم ضمن حرب الدعاية.

فتراجعت القوات البريطانية عما زعمته الأحد عن أسر ضابط كبير في الجيش العراقي برتبة لواء في اشتباكات مع رجال المقاومة بجنوب العراق. وقالت إنها لم تتمكن من تحديد هوية هذا الضابط. وجاء التراجع البريطاني بعد إجراء قناة الجزيرة مقابلة مع الجنرال الذي زعمت القوات البريطانية أسره.

وفي مؤتمر صحفي مع الرئيس الأميركي جورج بوش زعم بلير أن العراق أعدم جنديين عرضت قناة الجزيرة صور جثتيهما. وتراجعت الحكومة البريطانية في وقت لاحق عن هذا الاتهام بعد أن قالت قريبة أحد الجنديين لصحيفة بريطانية إن الجيش أبلغها أن الجندي قتل في العمليات العسكرية.

لماذا تسقط الولايات المتحدة وبريطانيا في مأزق الكذب والتزوير؟ إن جزءا من المشكلة يعود إلى أن بريطانيا والولايات المتحدة تتعرضان لضغط سياسي يدفعهما إلى تصوير هذه الحرب على أنها تحقق نجاحا مضطردا، وهذا الأمر يأتي على خلفية حاجة ماسة لمواكبة اللهاث المحموم لوسائل الإعلام التي تغطي تطورات الحرب دقيقة بدقيقة على مدار الساعة على شاشات التلفزيون مباشرة.

ويقول جيمي كولينغ الباحث في معهد أبحاث السياسة العامة في لندن "هناك حاجة ماسة كي تبقى مبتهجا ومتفائلا باستمرار" ويقول روجر مورتيمور المحلل السياسي في مؤسسة موري بلندن إن المسؤولين البريطانيين والأمريكيين يتعرضون لضغط لإصدار بيانات وهم غالبا ما يفعلون ذلك دون أدلة كافية.

وكانت الأنباء في حرب جزر الفوكلاند على سبيل المثال تحتاج إلى يومين حتى تصل إلى وسائل الإعلام ولكنها في هذه الحرب يمكن بثها بالصورة والنص والصوت في لحظات قليلة، وهذا يجعل القادة العسكريين تحت ضغط تقديم الانتصارات المتتالية، من قتل وأسر واكتشاف لمصانع الأسلحة الكيماوية والتعذيب، ولا بأس من التراجع عنها بعد ساعات أو أيام.

"إنهم غدوا مثلنا" جملة رُددت بفخر واعتزاز في معظم الصحف والمحطات الإذاعية والتلفزيونية العربية، فهم أي الإعلام الغربي وبخاصة الأمريكي يكذبون ويلفّقون ويبالغون مثل الإعلام العربي، وبرغم طرافة التعليق فإنه يوضح أن المتلقي العربي مازال غير مكترث أساسا بالاحتراف والنوعية والتنافس وكسر الاحتكار.


هل هذه الحرب ستعيد الحضارة عقوداً إلى الوراء؟ أم أن التغطية الإعلامية لها، وعدم أحادية هذه التغطية، سيمنعان في نهاية الأمر تكريس الأفكار والمعتقدات الأكثر تخلفاً؟

ولكنه لا يختلف عن الأسلوب الغربي أيضا في الخطاب الأمريكي والغربي، أنظر مثلا الاقتراح الذي صوت عليه الكونغرس الأمريكي بغالبية ساحقة (90%) أي بجمهورييه وديموقراطييه ليوم صيام وصلاة في الولايات المتحدة لنصرة الجندي الأميركي!

ويتساءل إعلامي عربي (مارك صايغ) معلقا على المشهد: هل هذه الحرب ستعيد الحضارة عقوداً إلى الوراء؟ أم أن التغطية الإعلامية لها، وعدم أحادية هذه التغطية، سيمنعان في نهاية الأمر تكريس الأفكار والمعتقدات الأكثر تخلفاً؟

بالطبع فإن وجود "الجزيرة" والمحطات التلفزيونية العربية الأخرى يمنع تعميم الكذب والتلاعب بالأخبار كما كان قد جرى خلال حرب الخليج السابقة، حيث احتكرت محطة "سي ان ان" المشهد الإعلامي، وقد انتظرنا سنوات لمعرفة بعض الحقائق، وفضح بعض الأكاذيب التي لفقتها الـ"سي ان ان" ووكالاتها الإعلامية، أما اليوم فالأخبار الكاذبة حول موت زعماء عراقيين أو وجود مصنع لأسلحة الدمار الشامل، أو إطلاق صواريخ "سكود" عراقية، أو سقوط مدن، أو اعتقال مسؤول عسكري… فقلما تعيش أكثر من ساعات قليلة، ومن ثم تضطر وسائل الإعلام التي لفّقتها إلى تكذيب الخبر والاعتذار للمواطن العالمي.

الإعلام والحرب أو قصف العقول

تقدم الأحداث مناسبة لاستذكار كتب ودراسات سابقة تساعد على الفهم والتحليل وتذكر الناس بمقولات وآراء عما يجري لم تجد فيها مفاجأة، وبرغم أن منهجية البحث عن أدلة وشواهد لفكرة جاهزة ومعدة يضلل الفهم ويستدرج الناس إلى غير الحقيقة وبخاصة عندما تحشد إمكانات معرفية كبيرة ومتقدمة لحشر هذه الفكرة في أذهان الناس وتأكيدها في عقولهم، فإن بعضا من هذه التقاليد تساعد على الفهم وتنبه على "التلاعب بالعقول" الذي يمارس بدهاء وتحت غطاء من الديمقراطية والحياد والموضوعية والحرية الإعلامية والسياسية.

وربما يساعد على فهم فلسفة الإعلام والحرب استحضار كتابين في الموضوع هما "قصف العقول"، تأليف فيليب تايلور، وقد صدر الكتاب مترجما في سلسلة عالم المعرفة الكويتية في شهر نيسان من العام الماضي، وكتاب "المتلاعبون بالعقول" من تأليف هربرت شيللر أستاذ الإعلام والاتصال بجامعة كاليفورنيا والذي نشره أيضا المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت الذي يبدو اليوم أكثر أهمية برغم التطور الإعلامي الكبير، ولكنها تطورات تؤكد مقولة الكتاب وفكرته عن التلاعب بالعقول الذي تمارسه وسائل الإعلام الأمريكية.

وقد يساعد هذا العرض على فهم كثير مما يجري الآن من أداء صحفي واستراتيجيات إعلامية، مع الأخذ بالاعتبار أن الصحافة مصطلح يستخدم كثيرا ويقصد به كل وسائل الإعلام وبخاصة الأخبار والتحليلات.

والإعلام في الحرب يهدف إلى إقناع الناس بالقتال أو تأييده أو إقناع الخصوم بترك القتال والاستسلام فهو في جوهره عملية حربية، وقد كان التحرك العسكري الواسع في آسيا حلما يراود كثيرا من العسكريين الأمريكيين وشركات التصنيع العسكرية في الولايات المتحدة، ولكنه لم يكن يحظى بتأييد شعبي بسبب الاتجاه الغالب في الولايات المتحدة إلى العزلة وتخفيف التدخل في العالم وتقليل النشاط العسكري الخارجي والانشغال بالرفاه والاقتصاد عن السياسة العالمية.

وكانت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول فرصة لتيار التفرد بالهيمنة العالمية وشركات التصنيع لحشد الرأي العام والتأييد الشعبي للمساعي الأمريكية نحو الهيمنة وعدم السماح حتى للقوى الصديقة والمؤيدة مثل أوروبا بالمنافسة أو المشاركة في القيادة العالمية، ومررت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) صفقة قيمتها مائتا بليون دولار مع شركة لوكهيد لتصنيع ثلاثة آلاف طائرة مقاتلة من طراز إكس 35.

وتبدو مقولة إنه ينبغي السماح للرأي بأن يتطور بشكل طبيعي دون أي تدخل خارجي وهما في الدول الديمقراطية كما في الدكتاتورية فالرأي العام ظل دائما توجهه وتتدخل فيه آلة الحرب والعسكريون وما نعرفه عن الدول في كثير من الأحيان سواء ما تبثه وسائل الإعلام أو الدراسات أو المناهج المدرسية هو تعبير عن التوجهات الدفاعية.

وفي كثير من الأحيان كانت الحرب الإعلامية بديلا للحرب العسكرية وهذا ما حدث تماما في الحرب الباردة بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي، فقد انتصرت الولايات المتحدة بالضربة القاضية وانهار الاتحاد السوفييتي بدون حرب عسكرية ولكن بفعل الدعاية والتأثير الإعلامي.

ويكاد التاريخ يكون دعاية، فقد أثبتت دراسة حديثة عن الكتب المدرسية في ألمانيا واليابان أن كتب التاريخ في هذين البلدين تقول عن الزمن الذي كتبت فيه أكثر مما تقوله عن الماضي، ولن يساور أحدا الشك بهذا الشأن فيما يتعلق بنظام كالنظام النازي الألماني أو النظام الستاليني، ولكن أيضا درجة الاختلاف في إعادة كتابة تاريخ روسيا الحديثة بعد انهيار الشيوعية أبقت على التلاعب بالحقيقة التاريخية، وإن نظرة على كتب التاريخ الأمريكي التي تتناول الخمسينات أو على الكتب المؤلفة في بريطانيا في ذروة عصر الإمبراطورية تؤكد على الجانب الدعائي والتعبئة المستخدمة في صياغة الرأي العام والمناهج التدريسية.

وعبادة الحرب أقدم عمرا من عبادة السلام بكثير، والدعاية الموجهة لدفع الناس للقتال في الحرب عملية أقدم كثيرا من الشكل غير المتطور نسبيا للدعاية الموجهة لجعل الناس يقاتلون من أجل السلام، وتاريخ الشعوب وتراثها يزخر بقصص البطولة والقتال أكثر من أي شيء آخر.

والدعاية صارت علما قائما بذاته من العلوم الإعلامية وهي فن الإقناع، الذي تقوم قواعده على كسب مظهر الصدق (ليس بالضروة أن تكون الرسالة صادقة) لكسب ثقة الجمهور المتلقي المراد إقناعه، والبساطة والتكرار للوصول إلى أذهان الناس بسرعة، والنفاذ إلى ذاكرتهم التي لن تتذكر إلا ما استوعبته بسهولة وكثرة، واستخدام الرموز وضرب الأمثلة، فالذاكرة البشرية يسهل أن تختزن وأن تستدعي الصور ذات الدلالة المرتبطة بمخزون الذاكرة الموروثة أو المكتسبة.


يكاد لا يكون ثمة فرق يذكر في وسائل العمل الدعائي بين الدول الديمقراطية والدكتاتورية، فقد لجأت جميعها إلى أساليب التأثير والعواطف

ويكاد لا يكون ثمة فرق يذكر في وسائل العمل الدعائي بين الدول الديمقراطية والدكتاتورية، فقد لجأت جميعها إلى أساليب التأثير والعواطف وتحريك الحماس والحقد والكراهية والتمجيد، لا فرق في ذلك بين النازيين في الحرب العالمية الثانية أو الشيوعيين البلاشفة في مخاطبة العمال والمثقفين والفقراء أو الرأسماليين الأمريكيين الذي يدعون إلى الليبرالية والحرية، أو الثوار الفرنسيين، إنها دائما عند أصحابها وسيلة لتحقيق هدف والعبرة بالمحصلة وبلا بأس بإخفاء الحقائق أو التدخل في تفسيرها أو حتى قلبها.

لقد تحولت الحرب الإعلامية في العصر الحديث من استهداف الجنود والمقاتلين سلبا أو إيجابا للتوجه إلى المجتمعات والأمم، ويمكن ملاحظة ذلك في الغزو الفكري والثقافي وتعميم أنماط الحياة والاستهلاك والطعام والأزياء وقصات الشعر، وصار الإعلام حربا شاملة على ثقافات الأمم وحضاراتها وتاريخها وتراثها، بل لقد اختفت ثقافات ولغات كثيرة ولم تعد موجودة ولا يعرفها حتى أصحابها، وباتت لغات وثقافات أخرى مهددة بالانقراض.

وبذلك يمكن القول بحق إن الدعاية صارت أهم الاستعدادات الحربية وتعد جزءا رئيسيا من المجهود الحربي، فهي كما يقول تايلور قذائف من الكلمات التي تختار بعناية وتصاغ بحساب دقيق مستهدفة تشكيك شعب دولة العدو وجنوده في قضيتهم وهدم ثقتهم بقيادتهم وفي حكومتهم وفي قدرتهم على تحقيق النصر أو هي كما يعبر عنها عنوان الكتاب "قصف العقول"

الوعي إذ يقدم جاهزا ومعلبا


يقوم مديرو أجهزة الإعلام في أمريكا بوضع أسس عملية تداول الصور والمعلومات ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها

تمثلت العبقرية المرعبة للنخبة السياسية الأمريكية في قدرتها على إقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه أهمية دون حاجة للقمع والاضطهاد، فيقوم مديرو أجهزة الإعلام في أمريكا بوضع أسس عملية تداول الصور والمعلومات ويشرفون على معالجتها وتنقيحها وإحكام السيطرة عليها، تلك الصور والمعلومات تحدد معتقدات الناس ومواقفهم، بل وتحدد في النهاية سلوكهم، وهذه الدراسة النقدية لوسائل الإعلام والاتصال في الولايات المتحدة تعني العالم كله فالإعلام الأمريكي (كما السياسة الأمريكية) يصوغ مواقف العالم واتجاهاته، والثقافة الأمريكية يجري تصديرها عالميا، وقد أصبحت بالفعل النموذج السائد في العالم.

وحيث يكون التضليل الإعلامي هو الأداة الأساسية للهيمنة تكون الأولوية لتنسيق الوسائل التقنية للتضليل وتنقيحها على الأنشطة الثقافية الأخرى، وتجتذب وسائل الإعلام طبقا لمبادئ السوق أذكى المواهب لأنها تقدم أعلى الحوافز وهكذا ينتهي الأمر بالدارسين الموهوبين من حاملي أعلى الشهادات العلمية والأكاديمية إلى العمل في الإعلانات والإعلام، . . والتضليل.

تتم السيطرة على أجهزة المعلومات وفق قاعدة بسيطة من قواعد السوق فامتلاك وسائل الإعلام والسيطرة عليها شأنه شأن الملكية الأخرى متاح لمن يملكون رأس المال والنتيجة الحتمية لذلك أن تصبح محطات الإذاعة وشبكات التلفزيون والصحف والمجلات وصناعة السينما ودور النشر مملوكة جميعها لمجموعة من المؤسسات المشتركة والتكتلات الإعلامية ويصبح الجهاز الإعلامي جاهزا للاضطلاع بدور فعال وحاسم في عملية التضليل.

وتحت غطاء حماية الملكية الخاصة وحراسة رفاه الفرد وحقوقه يتم تشييد هيكل كامل من التضليل الإعلامي فهذه الشركات العملاقة من الاحتكار الإعلامي تسوق على أنها مثال للجهد الفردي، ولكي يؤدي التضليل الإعلامي دوره بفعالية أكبر لا بد من إخفاء شواهد وجوده.

أي أن التضليل يكون ناجحا عندما يشعر المضللون بأن الأشياء هي على ما هي عليه من الوجهة الطبيعية والحتمية، أو بعبارة أخرى إن التضليل الإعلامي يقتضي واقعا زائفا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلا، فقد شاركت وسائل الإعلام على اختلافها في الترويج لأسطورة المباحث الفيدرالية بوصفها وكالة لا سياسية عالية الكفاءة لتنفيذ القانون، ولكن جهاز المباحث استخدم في الواقع في إرهاب وتطويق أي سخط اجتماعي.


التضليل الإعلامي يقتضي واقعا زائفا هو الإنكار المستمر لوجوده أصلا، فقد شاركت وسائل الإعلام على اختلافها في الترويج لأسطورة المباحث الفيدرالية

ويبرر المسيطرون على وسائل الإعلام ما تحفل به برامج التلفزيون من جرائم قتل تعرض كل يوم بالعشرات بالقول إنهم يقدمون للناس ما يحبونه ثم يقولون بلا مبالاة: إن الطبيعة الإنسانية تتطلب للأسف ثماني عشرة ساعة من الإيذاء والقتل.

ويبدو في الظاهر ثمة تنوع كبير في البث الإعلامي مستمد من العدد الكبير للصحف ومحطات الإذاعة والتلفزيون ولكن النتيجة كما لو كان ثمة مصدر واحد، فالمادة الترفيهية والأخبار والمعلومات العامة والتوجهات والأفكار يجري انتقاؤها جميعا من الإطار المرجعي الإعلامي نفسه من جانب "حراس" للبوابة الإعلامية تحركهم دواع تجارية لا يمكن التخلي عنها.

وقد يختلف الأسلوب والتعبير المجازي لكن الجوهر واحد، فقد تبين أن من بين الأساطير الشائعة عن التلفزيون الأمريكي أنه يعمل بوصفه ديمقراطية ثقافية تستجيب كلية لإرادة أغلبية المشاهدين فيما يتعلق باستمرار برامج معينة واختفاء أخرى، والأدق أن يقال أنه يمثل رغبة واتجاه المعلنين وأن المصمم الحقيقي للبرامج هو صناع المواد الغذائية والأدوات المنزلية ومستحضرات التجميل والسيارات والأدوية، والواقع أن برامج كثيرة اختفت برغم شعبيتها والإقبال عليها لأنها لم تجذب اهتمام المعلنين.

وبرغم ذلك فإن شرط التعددية الاتصالية هذا والخالي تماما من أي تنوع حقيقي هو الذي يوفر أسباب القوة للنظام السائد لتعليب الوعي فالفيض الإعلامي المتدفق عبر العديد من القنوات يخلق الثقة ويضفي المصداقية على فكرة الاختيار الإعلامي الحر في الوقت الذي يتمثل فيه تأثيره الأساسي في توفير الدعم المستمر للوضع القائم في حين يعتقد المشاهد والمستمع والقارئ أنه في جو تلقائي من الحرية والتعددية وتختفي الحقيقة فأجهزة الإعلام لا تلفت أنظار جمهورها لأسلوب عملها.

وعند وقوع أزمة فعلية أو كاذبة أو مفتعلة ينشأ جو هستيري محموم بعيد تماما عن المعقولية ويؤدي إلى الإحساس الزائف بالطابع الملح للأزمة المترتب على الإصرار على فورية المتابعة يؤدي إلى النفخ في أهمية الموضوع.

ومن ثم تكون الخطوة التالية هي إفراغه من أهميته ونتيجة لذلك تضعف قدرة الجمهور على التمييز بين درجات الأهمية فالإعلان متلاحق السرعة عن تحطم طائرة وعن هجوم إرهابي وعن جريمة ما واختلاس وعن إضراب وعن موجة الحر أو البرد يتحول العقل إلى غربال تصب فيه التصريحات والإعلانات أقلها مهم وأكثرها لا أهمية له.

وبدلا من أن يساعد الإعلام في تركيز الإدراك وبلورة المعنى نجده يسفر عن الإقرار الضمني (اللاشعوري) بعدم القدرة على التعامل مع موجات الأحداث المتلاحقة التي تطرق بإلحاح على وعي الناس فيتعين عليه دفاعا عن النفس أن يخفض درجة حساسيته واهتمامه، فتكنولوجيا الاتصال باستخداماتها الحالية تروج لتوجهات بلا تاريخ فيه توجهات مضادة للمعرفة.

وهكذا يبقى الجمهور في دوامة من الأحداث والتدفق والإغداق ولا يجد فسحة للتأمل والتفكير والتحليل ويقدم إليه الوعي جاهزا ولكنه وعي مبرمج ومعد مسبقا باتجاه واحد مرسوم.

وعندما يجد البعض فرصة للتساؤل والشك فإنهم يتحولون إلى أقلية تفكر عكس التيار وتخالف المجموع العام ويبدون مغفلين ومجانين ولا يفهمون، وقد يضطرون (وهذا ما يحدث غالبا) إلى إخفاء تساؤلاتهم وقناعتهم وهاتف ضميرهم ويتظاهرون بأنهم مثل كل الناس ويقتلون بالتدريج ملكة التساؤل والضمير المزعج أو يقبلون على مضض ويمارسون سرا متعة اللوم والتأنيب كأنما يهربون من أنفسهم أو يكفرون عن ذنوبهم.
ــــــــــــــــ
* كاتب وباحث أردني

المصدر : غير معروف