بقلم: ياسر الزعاترة*

-دواعي التحرك الأميركي
-أسباب التحرك إسرائيليا
-إعلان باول.. وغموض التفاصيل
-الموقف الإسرائيلي والاقتراح المصري
-الموقف العربي
-الموقف الأوروبي

في معرض قراءة التحركات السياسية المحمومة على صعيد القضية الفلسطينية، والتي لم تشهد لها المنطقة مثيلاً منذ شهور طويلة، يبرز سؤال عن الأسباب الكامنة خلفها، من زاوية النظر الأميركية والإسرائيلية والعربية أيضا.

دواعي التحرك الأميركي

دبابة إسرائيلية تتمركز في بيت لحم وفي الإطار صورتا شارون (يمين) وعرفات (أرشيف)
أميركيا، يمكن القول إن ثمة أسبابا كثيرة تدفع إدارة الرئيس (بوش) إلى التحرك باتجاه الشرق الأوسط بصورة غير مسبوقة منذ مجيئه إلى الحكم، ولا شك أن السبب الأول يندرج تحت عنوان الهجوم الأميركي على الوضع العربي والدولي إثر هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، فإذا كانت مسألة استعادة القوة الدولية لواشنطن على العالم هي أولوية الإدارة الأميركية الجمهورية فإن تأكيدها على الوضع العربي الذي أنتج منفذي الهجمات على نحو ما يغدو أكثر أهمية، فكيف إذا كانت الجرأة العربية على الولايات المتحدة قد زادت عن حدها المقبول قبل ذلك التاريخ.


لا شك أن التحرك على صعيد القضية الفلسطينية يبدو مهما لتهيئة الأجواء لضرب العراق بوصفه محطة مهمة في سياق إخضاع الوضع العربي من جهة وتأكيد السطوة الأميركية الدولية الرافضة للضربة من جهة أخرى
على الصعيد نفسه تبرز مسألة العراق، إذ لا شك أن التحرك على صعيد القضية الفلسطينية يبدو مهما لتهيئة الأجواء لضرب العراق بوصفه محطة مهمة في سياق إخضاع الوضع العربي من جهة وتأكيد السطوة الأميركية الدولية الرافضة للضربة من جهة أخرى، والأهم منح الشارع الأميركي فرصة الزهو بالانتصار على واحد من أعمدة "محور الشر"، سيما وأن (بن لادن) لايزال طليقا ومعه الملا محمد عمر، في حين لا يبدو أن معركة أفغانستان تسير على ما يرام.

ثمة سبب آخر أكثر أهمية لتحرك إدارة بوش الجديدة. إنه السبب الصهيوني، فالرضا اليهودي على الرئيس الجمهوري لم يعد أمرا هامشيا، فهو وإن بدا مهما لذاته نظرا لقدرة الصهاينة على إثارة المتاعب للرئيس وإدارته، فإنه يغدو أكثر أهمية بعد أن أصبح اليمين المسيحي ناطقا باسم الهواجس اليهودية، في حين أن الكونغرس بمجلسيه منحاز لها على نحو غير مسبوق وها هم حكام الولايات يفعلون الشيء نفسه، حيث نشر (42) منهم إعلان تأييد لشارون عشية زيارته السادسة للولايات المتحدة. وإذا تذكرنا أن اليهود لم يشعروا يوما أن بلدهم يواجه بتهديد وجودي كما هو شأنه خلال الشهور الأخيرة، فسندرك حجم الضغط الصهيوني المتوقع على (بوش) وإدارته للتحرك وفق الإيقاع الذي يناسب المصلحة الإسرائيلية.

أسباب التحرك إسرائيليا

يدخلنا هذا مباشرة إلى أسباب التحرك من زاوية النظر الإسرائيلية، فهواجس التهديد الوجودي التي تفجرت على نحو غير مسبوق خلال فبراير/ شباط ومارس/ آذار وأبريل/ نيسان الماضي، هي التي دفعت إلى تنفيذ عملية "السور الواقي" ضد السلطة الفلسطينية والمقاومة والشعب الفلسطيني عموما.

من الزاوية العملية يمكن القول إن هدف إنهاء العمليات "الإرهابية" لم يتحقق وعملية "مجدو" الكبيرة (5/6) خير دليل، إضافة إلى ما سبقها وما تلاها من عمليات مهمة، تلك التي دفعت وزير الدفاع الإسرائيلي "بن إليعازر" إلى القول إن الفلسطينيين يستحدثون "سلاحا قليل الكلفة لا يمكننا مواجهته بأي وسيلة"، في إشارة إلى العمليات الاستشهادية.

مع ذلك، فقد اعترفت السلطة الفلسطينية ضمنيا بأن عملية "السور الواقي" قد انجلت عن هزيمة سياسية وعسكرية للفلسطينيين، قالت ذلك بلسان الحال ولسان المقال، من خلال صفقة "المقر" وصفقة "قتلة" الوزير المتطرف "زئيفي" وصفقة كنيسة المهد، إضافة إلى ملامح خضوعها للإملاءات الإسرائيلية بشأن إصلاح أجهزة الأمن، إلى غير ذلك من المطالب التي تصب في صالح مطاردة المقاومة.

من هنا، فإن هدف التحرك إسرائيليا هو استثمار ما يسمى انتصار "السور الواقي" من خلال الدفع نحو مسار سياسي يستثمره أمنيا بمطاردة المقاومة، وسياسيا بالحصول من عرفات على اتفاق يرضي غرور (شارون) ويتوجه بطلا في الوعي الصهيوني.

إعلان باول.. وغموض التفاصيل

خلال مؤتمر رباعي بحضور مندوبين عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا نهاية أبريل/ نيسان الماضي أعلن وزير الخارجية الأميركي كولن باول عن اقتراحه بعقد مؤتمر دولي للسلام في الشرق الأوسط.

باول يتوسط كلا من عرفات (يمين) وشارون
لم يتحدث (باول) عن أي تفاصيل بشأن المؤتمر والمشاركين فيه ومكان انعقاده، في حين ركز على أن هدفه هو تحقيق رؤية قيام دولة فلسطينية تعيش في أمن وسلام مع إسرائيل، والطريق الوحيد لذلك هو المفاوضات.

قبل ذلك -وحسب باول- فإن على عرفات "أن يتبع منهجا جديدا ويستخدم موقعه القيادي لنبذ العنف والإرهاب"، وهو ما ستؤخذ تعهداته أثناء المؤتمر.

بعد إعلان (باول) بأيام عاد الأميركيون وتحدثوا عن "مجرد اجتماع" هدفه مجرد الحديث في الأفكار وليس مؤتمرا مثل (مدريد) أو (أوسلو)، كما ركزوا على أن المؤتمر "لن يقترح تسوية نهائية".

من خلال جملة الأحاديث والتصريحات الأميركية يمكن القول إن الثابت الوحيد في الموقف الأميركي هو أن (بوش) لن يضغط على (شارون) وهو ما يدركه هذا الأخير جيدا ويتحرك على أساسه كما تؤكد الدوائر الإسرائيلية.

هذا الموقف الأميركي لا يمنع أن لدى واشنطن جملة من الأفكار حول المؤتمر وتفاصيله وما سيطرحه لاتزال غير محسومة أو هي في طور العرض على القيادة الإسرائيلية، لعل أهمها فكرة المبادرة السياسية الأميركية للتسوية والقائمة على دولة فلسطينية في حدود الرابع من يونيو/ حزيران مع إمكانية إجراء تعديلات حدودية وتحديد جدول زمني من ثلاث سنوات لاستكمال المفاوضات حول الاتفاق الدائم. وتتضمن المبادرة ضرورة إجراء إصلاحات حيوية في السلطة الفلسطينية، والإعلان بأن حق العودة للاجئين الفلسطينيين لن يتحقق داخل حدود دولة إسرائيل. وكل ذلك بمثابة "أفق سياسي" لعقد "مؤتمر إقليمي" سيشكل الخطوة الأولى في استئناف العملية السلمية.

هناك إذاً رأي يتحدث عن مؤتمر إقليمي أولي يعقد في أوروبا والأرجح في تركيا خلال يوليو/ تموز على مستوى وزراء الخارجية لا يتضمن مفاوضات، بل يتضمن مطالبة عرفات بالإصلاح وإسرائيل برفع الأطواق وتسهيل حياة الفلسطينيين وتجميد المستوطنات، ثم يلي ذلك إقامة طواقم عمل إسرائيلية فلسطينية كل طاقم له عمل معين (القدس والحدود والمياه.. الخ)، وفي نهاية عمل الطواقم ينعقد مؤتمر دولي آخر على مستوى الزعماء يعرض فيه الحل الدائم الذي أحرز في مفاوضات الطواقم.

الموقف الإسرائيلي والاقتراح المصري

من الواضح أن لشارون برنامجه الخاص للمؤتمر، فهو أولا يريده محطة أساسية لتهميش عرفات وإجراء إصلاحات في السلطة تؤكد مهمتها الأمنية بمكافحة ما يسميه "الإرهاب"، وذلك قبل أي استئناف للمسيرة السلمية، ولذلك فهو رفض اقتراح واشنطن الذي نقله وليام بيرنز مساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى والقائم على التحرك على ثلاثة محاور في آن معا، إجراء محادثات سياسية وقيام تعاون أمني فلسطيني إسرائيلي، وإصلاح السلطة.

خيبة الأمل العربية تجاه سياسات بوش
على صعيد الأفكار الأميركية الأخرى القائمة على فكرة الدولة، فإن موقف (شارون) هو رفض الحديث في هذه القضية قبل الإصلاحات المطلوبة، والأهم رفض الشرط القائم على تحديد جدول زمني للمفاوضات، وهو ما أيده عمليا الرئيس الأميركي كما تبدى خلال المؤتمر الصحفي مع الرئيس المصري في كامب ديفد.

هذه القضية تلخصها قصة اقتراح الدولة الفلسطينية الذي قدمته القاهرة من خلال الرئيس المصري، والقائم على إعلان دولة فلسطينية تمتد مؤقتا على قطاع غزة ومناطق (أ) و(ب) في الضفة، أي 42% من الأراضي المحتلة عام 1967، على أن تستأنف المفاوضات بين دولتين تؤدي إلى انسحاب من كامل الأراضي خلال ثلاث إلى أربع سنوات.

المقترح المذكور هو نفسه مقترح (شارون) القديم والقائم على إعلان الدولة وفق النسبة المذكورة مع تأجيل قضايا الوضع النهائي إلى عشر سنوات قادمة. وهو ما يسميه (شارون) الحل المرحلي بعيد المدى، أما المصريون فيريدونه حلا مرحليا قريب المدى وفق جدول زمني وهو ما يرفضه (شارون) كما رفضه (بوش) أيضا.

الموقف العربي

مبارك (يمين) بجانب ولي العهد السعودي وعرفات
هذا التحول في موقف (شارون) يؤكد بعدين أولهما: ذلك التراجع الكبير في الموقف العربي الرسمي الذي قبل بصيغة لم يحدث أن توقع أحد قبوله بها من قبل، وثانيهما: غطرسة (شارون) الناجمة عن شعور القوة الطاغي بعد عملية (السور الواقي) والتفاف الشارع الإسرائيلي من حوله، إضافة إلى قوة نفوذه داخل الولايات المتحدة.

هذا البعد في المعادلة القائمة يدفع (شارون) إلى الركون إلى رأي (البنتاغون) في الإدارة الأميركية والقائم على الاعتقاد بأن العملية العسكرية في العراق "ستؤدي إلى ظهور نظام جديد في بغداد"، وعندها "ستنشأ ظروف مريحة -إسرائيليا بالطبع- لاستئناف المسيرة السلمية". والكلام المذكور أورده المحلل السياسي في صحيفة (هآرتس) ألوف بن.

الوضع العربي كان في أسوأ حالاته، حيث وصل الحد ببعض الدول العربية حسب الرئيس السوري بشار الأسد حد عدم الاكتفاء "بتنفيذ التعليمات والتوجيهات الأميركية"، بل "التبرع والاتصال بالأميركان وتذكيرهم بأن التعليمات لم تصل بعد". وقد ورد حديث الرئيس السوري خلال لقاء مع وفد يمثل اتحاد المحامين العرب.

لا يتوقف التراجع العربي عند هذا الحد الذي يقبل بدولة هزيلة لا يحق لها أن تتعامل مع "جارتها" خارج سياق التفاوض، بل يتجاوزه إلى احتمالات قبول عقد المؤتمر الدولي دون حضور سوريا ولبنان، وتجاهل مبدأ تلازم المسارات في التسوية النهائية. ولعل ذلك هو ما دفع (شارون) إلى مزيد من الغطرسة تجلى في وضع لائحة من الشروط المذلة على سوريا لحضور المؤتمر. إلى جانب الإصرار على تهميش عرفات، سواء بقصد إذلاله ودفعه إلى قبول ما لا يقبل، أم استبدال "مواهب" جديدة به كما هو تعبير الرئيس الأميركي!!.

الموقف الأوروبي

ولي العهد السعودي وبوش (يمين) وسولانا
في هذا السياق يبرز الموقف الأوروبي الرافض لعقد المؤتمر دون حضور سوريا ولبنان، والذي عبر عنه الممثل الأعلى للسياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي (خافيير سولانا) وعدد من المسؤولين الفرنسيين، بيد أن الثابت هو أن المواقف الأوروبية وكذلك الموقف الروسي لا تزال خاضعة للموقف الأميركي إلى حد ما، رغم التباينات المرحلية، كما أن الحضور والمشاركة في اللعبة مازالت تطغى على هواجس الأوروبيين أكثر من عنصر التوازن المطلوب في تحديد المواقف.

أما الموقف الفلسطيني الذي عبر عنه نبيل شعث وزير التخطيط والتعاون الدولي القائل برفض حضور المؤتمر دون مشاركة سوريا ولبنان فهو نوع من الاستهلاك الإعلامي، لأن موقف عرفات مازال أضعف من القدرة على وضع الشروط، وهو أولى بأن يبحث له عن مكان بدل الحديث عن حضور الآخرين.

يتضح من ذلك كله أن المؤتمر الدولي ربما كان قريبا من مقترح (شارون) حول المؤتمر الإقليمي، وفي العموم فهو لايزال غامضا في الكثير من تفاصيله (المكان والزمان والمشاركون ومستوى المشاركة وبرنامج العمل)، بيد أن الثابت الوحيد هو أن (شارون) وحده هو المؤهل لإملاء الشروط، وقد عبر عن هذا الموقف (عكيفا الدار) المحلل السياسي في صحيفة (هآرتس) الإسرائيلية بالقول "الحائكون في واشنطن والقدس يعملون لساعات إضافية في الأيام الأخيرة الروسيون مع الأوروبيون يحاولون خياطة مؤتمر سلام يكون على مقاس (شارون)..".

___________________
*كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف