بقلم: د. برهان غليون*

ربما كانت المنطقة العربية من المناطق العالمية القليلة التي لاتزال تفتقر إلى التنظيم الإقليمي الناجع. وربما يبدو هذا الوضع مفارقا إذا أخذنا في الاعتبار الاستثمارات المعنوية والسياسية الهائلة التي وظفها العرب في مسألة الوحدة العربية منذ أكثر من قرن ووشائج القربى الفعلية العديدة التي تربطهم بعضهم ببعض وتجعل التضامن فيما بينهم تلقائيا في معظم الأحيان, حتى لو حالت ظروف كثيرة -في مقدمتها الخوف وانعدام التنظيم وضياع الرؤية- دون ترجمة هذا التعاطف ترجمة عملية وفاعلة.

ولا شك في أن الخشية من الانفراط النهائي للمنطقة وانفتاح الآفاق نحو صراعات لانهائية ودامية بين البلدان العربية هو الذي يفسر تمسك العرب -رسميين وأهليين- بالجامعة العربية, وذلك رغم الإجماع على لافاعليتها في صورتها الحالية وانعدام أي تأثير لها في الحياة العربية الوطنية والجمعية. فإذا لم يكن تحويل الجامعة إلى إطار للعمل الجماعي المشترك وأداة لحل المشاكل بين الدول العربية ووسيلة لبث الاتساق والانسجام بين مصالح الدول الأعضاء فيها أمرا ممكنا, ربما كان من المفيد الإبقاء عليها من حيث هي قيمة رمزية. فبقاؤها الشكلي يضفي الشعور بوجود كتلة عربية واحدة أو على الأقل احتمال تطور الأوضاع في هذا الاتجاه, وذلك عند الرأي العام العربي والرأي العام العالمي على حد سواء.

ونستطيع أن نقول إن القمة العربية سوف تصبح منذ 27 مارس/آذار الحالي -بعد تكريس طابعها الدوري- إطارا قانونيا إضافيا لتنشيط العمل العربي الجماعي وتنظيم الشؤون الإقليمية المشتركة بين الدول العربية. ويلقي هذا التغيير الذي يمكن أن يجعل من القمة المؤسسة الرئيسية للعمل العربي المزيد من المسؤوليات على الرؤساء العرب ويضعهم في خط المواجهة الأول ويزيد من توقعات الجمهور العربي تجاههم ويعرضهم بالتالي لضغوط أشد مما كان عليه الأمر في السابق. ومن المؤكد أن العديد منهم كان في غنى عن ذلك وكان يفضل البقاء بعيدا عن الواجهة واحتمال المحاسبة الأكبر. لكن توالي العديد من الأحداث الصعبة وفي مقدمتها الحرب الإسرائيلية الفلسطينية قد أكره الكثير منهم على الانصياع لما بدا -ولايزال يبدو اليوم- أنه التنازل الأدنى المقبول من قبل رأي عام يهدد باستخدام سلاح الاتهام بالتواطؤ ويطالب بالتدخل العملي الفوري.


من الواضح لكل مراقب متابع أن الزعماء العرب لا يحبون القمة التي تجمعهم ولا يهضمونها ويأتون إليها مرغمين ويعيشونها كما لو كانت أشغالا شاقة
ومن الواضح لكل مراقب متابع أن الزعماء العرب لا يحبون القمة التي تجمعهم ولا يهضمونها ويأتون إليها مرغمين ويعيشونها كما لو كانت أشغالا شاقة. ومنذ وفاة الرئيس عبد الناصر الذي كان وحده يعرف كيف يستفيد منها ويستخدمها في عملياته الإستراتيجية الكبرى، لا تكاد تنعقد قمة بصورة طبيعية أو حماسية وإنما يجر لها الزعماء جرا. فقسم يتردد وقسم لا يعلن موافقته إلا متأخرا وقسم يطلب التأجيل وقسم رابع يفرض شروطه مسبقا على نظرائه حتى يقي نفسه -ربما- احتمالات الضغط عليه أو حتى ينجح في ابتزازهم لتحقيق مصالح خاصة. وعدد قليل جدا من القمم تأكد انعقادها وحضور أعضائها منذ الإعلان عنها. فالعادة أن يبقى الرأي العام يشك في انعقاد القمة وحضور هذا الزعيم أو ذاك حتى اللحظة الأخيرة.

ومنذ سنوات عديدة لم يعد الرأي العام ينتظر من القمة شيئا آخر غير إعلان موقف سياسي من الأحداث الخطيرة التي يشهدها ويخشى أن يكون ضحيتها. وقد أدرك الزعماء ذلك فأصبح موضوع القمة الحقيقي والوحيد هو التصديق على البيان السياسي الختامي الذي يكون وزراء الخارجية قد أعدوه مسبقا بالتفاهم مع رؤسائهم. وبالفعل يعتبر التوصل إلى بيان يرضي الجميع مسألة إشكالية من الطراز الأول. ومن هنا أصبح التوصل إلى بيان مشترك هو معيار نجاح القمة, ذلك أن الجميع يعيش فكرة الانقسام الذي لا حل له ويعتبر تجاوز الخلافات حول البيان إنجازا بحد ذاته.

وباستثناء بعض المصالحات التي تحصل بين الزعماء المتنابذين باستمرار، لا تكاد القمم العربية تدرس أي مشاريع عمل أو خططا أو تسويات للمشاكل القائمة اللهم إلا بقدر ما يستدعي ذلك صوغ البيان الختامي. بل إن الرأي العام لم يعد يطالب القمة بدراسة مثل هذه المشاريع لأنه يئس من تطبيق الاتفاقات السابقة التي لا تحصى وصار قانعا بالحد الأدنى الرمزي للعمل العربي.


هل من الممكن أن نحلم بإرساء تقاليد وأصول عمل جديدة وأن نطرح بجد مسألة أسلوب عمل الأطر العربية الجمعية والقمة الدورية بشكل خاص؟ ونتساءل عن السبب الذي يجعل العرب عاجزين عن الاستفادة كغيرهم من فرص العمل الجماعي والإقليمي الكثيرة والمجزية؟
والسؤال: هل من الممكن ونحن على أبواب دورة جديدة للقمة العربية أن نحلم بإرساء تقاليد وأصول عمل جديدة وأن نطرح إذن بجد مسألة أسلوب عمل الأطر العربية الجماعية والقمة الدورية بشكل خاص, ونتساءل عن السبب الذي يجعل العرب عاجزين عن الاستفادة -كما يفعل غيرهم- من فرص العمل الجماعي والإقليمي الكثيرة والمجزية؟

يشير الكثير من المراقبين إلى أن السبب الرئيسي لغياب الاهتمام بالعمل الجماعي وعدم الالتزام بالاتفاقات المعقودة وغياب الجدية في المؤتمرات المعقودة هو غياب الإرادة السياسية عند دول كثيرة. ويعتقد معظم المحللين الغربيين الذين لم يهضموا يوما فكرة التكتل العربي التي تهدد بإقامة قوة اقتصادية وإستراتيجية موازنة جنوب المتوسط، بأنه ليس هناك بالفعل ما يجمع بين العرب لأن مصالحهم متناقضة أو متباينة.

ومن الواضح أن ما يقصده المحللون الغربيون هو تباين مصالح الأنظمة والنخب الحاكمة. وهم على حق في ذلك طالما أن السياسات داخل الدول العربية لاتزال تصاغ بعيدا عن مشاركة الجمهور ومن خارج أي أطر تمثيلية حقيقية. لكن غياب الإرادة السياسية -مثلها مثل سيطرة النزاعات والحساسيات الشخصية بين الزعماء- ليس مستقلا عن غياب المصالح المشتركة وإنما يعكس هذا الغياب ويعبر عنه. ومن هنا نستطيع أن نقول بالفعل إنه رغم المصالح الكبرى والبدهية التي تجمع بين الشعوب العربية وتغذي عند الرأي العام نزوعا قويا إلى التضامن والوحدة وتدفعه إلى الضغط على الحكومات العربية للتعبير عن هذا التضامن بقوة في كل مرة يتعرض فيها شعب عربي للأذى، فليس هناك جدول أعمال عربي واحد لأي قمة عربية. هناك في أحسن الأحوال أربع أو خمس جداول عمل لكل قمة إن لم تأت كل دولة بجدول أعمالها الخاص لفرضه على الآخرين.

لكن تباين المصالح بين الأنظمة ليس مستقلا هو نفسه عن طبيعة هذه الأنظمة. فالأنظمة الديمقراطية تعمل على دفع نخب مستندة إلى القبول الشعبي إلى الحكم. ولا تشعر هذه النخب أن الدولة ملكية خاصة لها ولأولادها من بعدها وتدفعها بالتالي إلى العمل بما يمكنها من البقاء الأبدي في السلطة، ولذلك فليس لديها مانع من أن تتعاون مع غيرها لتحسين شروط حياة السكان وخدمة المصلحة الوطنية العامة. بل إن نجاحها في تحسين شروط حياة السكان هو ورقتها الوحيدة الرابحة في التنافس على الحكم.

وبالعكس فإن النخب التي لا تقوم على أساس الاقتراع العام ولا تستند في بقائها إلى لى موافقة الشعب وقبوله، يقتصر جدول أعمالها على بند واحد هو المحافظة على سلطتها وتوسيع دائرة سيطرتها وبالتالي العمل على زيادة إحكام قبضتها على المجتمع والدولة. ولا شك أن عزلها عن المحيط الخارجي والحد من التأثيرات الأجنبية على الرأي العام المحلي يوفران شروطا أفضل للاحتفاظ بالسلطة وضمان احتكار السلطة والتحكم بموارد البلاد الأساسية.


ما ينقص القمم العربية هو قيادة ذات رؤية تاريخية وشمولية معا قادرة على توحيد جداول الأعمال المتناقضة والمتباينة العديدة وعلى بلورة أهداف مشتركة ووسائل عملية لتحقيقها

لعل ما ينقص القمة العربية ويمنعها من أن تتحول إلى إطار سياسي وقانوني فعال وناجع للتعاون المتعدد الأطراف كما هو سائد في مناطق أخرى، هو وجود جدول أعمال واحد وهو ما يتطلب الارتفاع بمفاهيم وتصورات الزعماء إلى رؤية تتجاوز ما يرتبط بدائرة المصالح المباشرة الفورية ودائرة المصالح الخاصة بالنظام وتنجح في بلورة مفهوم وطني وبعيد المدى للعمل السياسي وللمصلحة العامة.

باختصار.. إن ما ينقص القمم العربية قيادة ذات رؤية تاريخية وشمولية معا قادرة على توحيد جداول الأعمال المتناقضة والمتباينة العديدة وعلى بلورة أهداف مشتركة ووسائل عملية لتحقيقها. ومثل هذه القيادة لا يمكن أن توجد من دون تحولات ديمقراطية حقيقية داخل السلطة وخارجها تجعل النخب الحاكمة أكثر تحسسا بما يعيشه الناس وأكثر وعيا بمعنى المصالح العامة والوطنية التي تكاد تمتزج اليوم بالمصالح الخاصة الأكثر ضيقا, أي بإنتاج نخب مسؤولة توحد مصيرها بمصير شعوبها ولا تعتبر الفقر والجهل والبؤس قدرا محتوما وإنما تحديات يمكن ويجب مواجهتها والانتصار عليها.

________________
* أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر بجامعة السوربون في باريس

المصدر : غير معروف