* بقلم/ إبراهيم غرايبة

-الفضائيات والقضايا العربية
-الفضائيات والثقافة

انتشرت القنوات الفضائية العربية، وصارت جزءا من السياسة ومن حياة الناس، وتشكل آراءهم وأفكارهم ومواقفهم، وهي قبل ذلك أوقفت الوصاية الرسمية على ما يشاهده العرب، فقد كانوا قبل ذلك ملزمين بمتابعة ومشاهدة التلفزيون الرسمي في بلدهم، الذي كان يختار لهم الأخبار والمعلومات والأفلام والمسلسلات والأغاني والثقافة، أو ما يعتبره كذلك، مستغلا حالة الاستسلام اللذيذ لدى الناس للصورة ليصوغهم في مسار واحد من التفكير والرؤية، أو ليمنع عنهم ما لا يريده من الدنيا المحيطة بهم.

ويبلغ عدد القنوات الفضائية العربية اليوم أكثر من خمسين قناة تتنوع ‏برامجها بين نشرات الأخبار التي تستحوذ على نسبة ما بين 11 و40% من عدد ‏ساعات البث، وبرامج ثقافية ومنوعات ودراما وغناء وترفيه يعتمد على الإثارة والإغراء الغرائزي.

وتبلغ نسبة البرامج المعدة محليا أو عربيا في القنوات الفضائية العربية بين 55 و84%، بينما تشكل البرامج المستوردة بين 15 و45%، وتشكل الفضائيات وفقا لدراسة إعلامية 73% من مصادر الأخبار لدى المشاهد العربي.

ولكن ذلك لم يكن المشهد كله، فما زالت الحكومات العربية تسيطر على الفضائيات حتى التجارية منها أو التي تبدو مستقلة وتعمل في الخارج، بل إنها أتاحت للحكومات وسائل جديدة في الهيمنة والاحتكار في مجال الصورة والإعلام أكثر ذكاء ودهاء وأقل التزاما بالمعايير الرسمية الثقافية والأخلاقية والسياسية، ولم يكن رجال الأعمال والمستثمرون الإعلاميون سوى واجهات لغسيل السياسات الرسمية، ولم يكونوا سوى وكلاء لحكام أكثر قسوة منهم، وأكثر التزاما بالتعليمات والسياسات الرسمية.

ولم تكن العولمة وتسهيلاتها الجديدة في الاتصالات والمعلومات وشبكيتها سوى فرصة إضافية للحكومات لتحقق مزيدا من الإرهاب والهيمنة، واكتشفنا نحن الإعلاميين والمشتغلين في العمل العام خارج الإطار الرسمي أننا لا نملك في العمل سوى الحيلة والتسلل والتملق الذي نقاوم به الخوف من الجوع أو نشبع تطلعاتنا إلى حياة زاهية مليئة بمتعة الاستهلاك، والتغابي الذي نحسبه ذكاء.

وبصراحة مخزية كنا مثل قنافذ محاصرة في حديقة حيوان صغيرة لا تملك من أمرها شيئا، فتحولنا إلى حديقة شاسعة مفتوحة، قد تكون في سعتها أكبر من الغابة، وقد لا نستطيع الإحاطة بها، ولكنا بقينا في المسار المصمم لنا، ولا تبدو شراستنا ومعارضتنا سوى لعبة مسلية لأصحاب الحديقة وزوارها، وديكورا مدهشا يجلب التذاكر والمتعة والترفيه، ويرضي ضمائرنا على نحو مزيف صنعناه لأنفسنا وصدقناه.

ولكن هذه المقدمة لا تلغي أجزاء كثيرة من مشهد القنوات الفضائية العربية تفسح المجال للتحليل في جوانب جديدة من الإعلام العربي، وتلاحظ إنجازات وتطورات وتحولات تجعل الإعلام العربي أكثر اقترابا من الحريات، وتجعل الحكومات أقل احتكارا للمعلومات من الماضي القريب، وأقل سيطرة على مصادر الناس في المعرفة، وتكشف عن فاعليات إيجابية جديدة في المشهد العربي يقترب من الوحدة والتقارب والتفاعل مع الأزمات والقضايا العربية والعالمية.


أتاحت الفضائيات للحكومات وسائل جديدة في الهيمنة والاحتكار أكثر ذكاء ودهاء وأقل التزاما بالمعايير الرسمية الثقافية والأخلاقية والسياسية، ولم يكن رجال الأعمال والمستثمرون الإعلاميون سوى واجهات لغسيل السياسات الرسمية
الفضائيات والقضايا العربية
يقول الدكتور محمد معوض أستاذ الإعلام في جامعة الكويت إن القنوات الفضائية العربية ‏الحالية لا تخدم قضايا الأمة رغم تنوعها وأنها تميل إلى التسطيح ‏والإثارة وغياب الحوار الهادف والعلمي، ويغلب عليها السباب وتبادل الاتهامات وتصفية الحسابات. ولكن معوض لا ينفي أيضا نجاح بعض الفضائيات في فتح الملفات ‏السياسية المغلقة وكشفها للجمهور، وأنها ساهمت في دعم التأييد السياسي للقضايا العربية، ‏وتغيير بعض المواقف السياسية السلبية والضغط على الأنظمة وتحريك الجماهير وخلق ‏التوتر والصراع وتعبئة الجماهير لمواجهة الخصوم.

ولعبت الفضائيات العربية دورا مهما في مواجهة النفوذ الإعلامي الغربي, واستطاعت قناة الجزيرة الفضائية أن تواجه الآلة الإعلامية الغربية المتفوقة وتظهر تغييرا واضحا في التدفق الإعلامي بل وفي أسلوب ومضمون الخطاب الرسمي الغربي والعربي أيضا.

ويأتي بعد الجزيرة قناة أبو ظبي الفضائية ثم "العربية" برغم حداثتها، والواقع أن الجزيرة أحدثت انعطافا كبيرا في مسار الفضائيات العربية، فقد جعلتها تتوجه نحو الأخبار والخدمة الإعلامية والمنافسة المهنية، وأوقفت حالة أن يكون الترفيه فقط هو مصدر التفوق واجتذاب المشاهدين، فبدأت قناة LBC اللبنانية بالتعاون مع صحيفة الحياة تقدم خدمة إخبارية شاملة ونوعية.

وكانت قناة "المنار" التابعة لحزب الله حالة جديدة مختلفة في أثير الفضائيات، واستطاعت أن تحقق حضورا ومصداقية كبيرة، ولكن الموقف الشيعي في العراق بعد الاحتلال الأميركي أضر كثيرا بهذه القناة وقلل من الإقبال عليها، وتمثل قنوات مثل "إقرأ" و"المجد" حالة أخرى لإعلام إسلامي يحاول أن يستجيب لموجات التدين المتزايدة في المجتمعات العربية.

وكان مراسلو الجزيرة في تغطيتهم للحرب الأميركية على العراق ينتشرون في المدن العراقية بعيدا عن تأثير القوات الأميركية ما عدا مراسل واحد كان يعمل برفقتها، وبعد مغادرة مراسل CNN لبغداد بطلب من السلطات العراقية بدأت تعتمد على الجزيرة والقنوات العربية في نقل الصور والأخبار. فالجزيرة والقنوات العربية تجاوزت كسر احتكار المعلومة إلى تقديمها للمحطات الأجنبية.

وركزت قناة الجزيرة على آثار القصف والدمار الذي تحدثه الآلة العسكرية الأميركية، وخاصة على مشاهد المصابين من المدنيين الأبرياء التي كانت تتجاهلها القنوات ووسائل الإعلام الغربية، وتفردت بنقل الصور الأولى للأسرى والقتلى الأميركيين، واستمرت في نقل خسائر القوات الأميركية، وذكرها المسؤولون الأميركان والبريطانيون بالاسم أكثر من مرة في معرض احتجاجهم وضيقهم بأدائها في تغطية الحرب، بل إن مراسل الجزيرة في الولايات المتحدة منع من أداء عمله في تغطية نشاط السوق المالية.


دعا الاجتماع الثامن للجنة العليا للتنسيق بين القنوات الفضائية العربية إلى إنشاء فضائية عربية موحدة تخاطب العالم الخارجي بأهم اللغات العالمية الحية وتقدم الصورة الحقيقية للعالم العربي وتساهم في حوار الحضارات
وربما كانت الانتفاضة الفلسطينية الثانية التي اندلعت في نهاية سبتمبر/ أيلول من عام 2000 أول مناسبة تحضر فيها الفضائيات العربية على نحو واسع يغير مجرى التعامل مع الأحداث والتفاعل معها، وقد كانت قناتا الجزيرة وأبو ظبي رائدتين في نقل المعلومة والصورة وتغطية الأحداث، وجعلت الفضائيات العربية الترفيهية في حالة انحسار، وأثبتت أن المشاهد العربي على قدر كبير من الجدية والرغبة في متابعة الأخبار والتحليلات أكثر مما كانت توهمنا الفضائيات والحكومات العربية.

وأنشأت مصر قناة فضائية ناطقة باللغة العبرية، وأطلقت سوريا أيضا خدمة موسعة بنفس اللغة، وساندت جامعة الدول العربية تلك القناة المصرية، وأعلن عن محطة فضائية باللغة الإنجليزية تدعمها الجامعة.

ودعا المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية إلى إنشاء قناة فضائية عالمية تبث برامجها باللغة الإنجليزية لتوضيح الحقائق الأساسية حول الإسلام، مع مراجعة كافة المعلومات التي تُنشر عن الإسلام والمسلمين في الكتب الدراسية ووسائل الإعلام الدولية.

كما دعا الاجتماع الثامن للجنة العليا للتنسيق بين القنوات الفضائية العربية والذي عقد في نواكشوط يوم 3 يونيو/ حزيران 2003 إلى إنشاء قناة فضائية عربية موحدة تخاطب العالم الخارجي بأهم اللغات العالمية الحية وتقدم الصورة الحقيقية للعالم العربي، وتساهم في حوار الحضارات.

وفي المقابل فقد أثرت الفضائيات على قضايا عربية داخلية لكنها متكررة ومتشابهة، ويمكن إجمالها بهذا المثال، فقد وقع الرئيس التونسي زين العابدين بن علي القانون الانتخابي الجديد الذي سيعتمد في تنظيم الانتخابات الرئاسية والتشريعية المقبلة، والذي يتضمن بندا يمنع أحزاب المعارضة من الإدلاء بتصريحات صحفية للقنوات الفضائية خلال الحملة الانتخابية، وهو قانون يعكس بالطبع رغبة السلطات التونسية في الحد من تأثير بعض القنوات الفضائية العربية ذات المصداقية لدى المشاهدين على العملية الانتخابية، وهناك قنوات فضائية تونسية معارضة تبث من أوروبا مثل "المستقلة" و"الزيتونة" و"الحوار" قد أدخلت عنصرًا جديدًا على الحياة السياسية التونسية، وأربكت مخططات السلطات التونسية التي تفرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام المحلية، سواء كانت مملوكة للدولة أو مستقلة.


ازدادت البرامج المقدمة من قبل النساء وحول قضايا المرأة في الفترة الأخيرة وبمشاركة نساء من الحركات الإسلامية والعلمانية على السواء
الفضائيات والثقافة
يجد أمين سعيد عبد الغني في أطروحته للدكتوراه من جامعة المنصورة أن أداء الفضائيات العربية بعامة يركز أولا على الترفيه، فالبرامج الفنية تمثل نسبة 60% من ساعات البث الفضائية.

ويلاحظ عبد الغني غياب الفنون العربية مثل السينما العربية الجادة والمسرح والفنون الشعبية والآداب العربية والفنون التشكيلية على شاشات القنوات الفضائية العربية، كما يلاحظ أيضا غياب الواقع العربي سياسيا واقتصاديا وثقافيا ودينيا وعلميا عن خريطة القنوات الفضائية العربية، وأنها تعرض ثقافة الفئات العليا من المجتمع العربي.

ويرى المفكر العربي الأميركي هشام شرابي أن الفضائيات العربية لها تأثير أساسي في تكون وتشكيل تفكير العرب وسلوكهم، وفي تغيير طبيعة الوعي الشعبي، وربما في تغيير الممارسات السياسية لدى القوى الشعبية في العالم العربي.

فهناك برأيه برامج كثيرة تقدم على المحطات التلفزيونية العربية إلى جانب التقارير الإخبارية، وهذه البرامج تتضمن حلقات للمناقشة وتعليقات سياسية وبرامج حول قضايا المرأة وتقارير استقصائية خاصة.

إن التركيز على القضايا والأفكار والمشاكل التي كان من الصعب إذاعتها مباشرة على الهواء بواسطة وسائل الإعلام العربية أصبح تجربة حقيقية للكثيرين في العالم العربي، وعلى الأقل في هذه الصيغة غير المباشرة، فقد تم تحطيم الأفكار القديمة المحرمة مثل انتقاد سياسات الدولة وفساد الحكومة والدعوة إلى تغيير سياسي واجتماعي بالإضافة إلى المطالبة بحرية الكلام والتجمع.

وتعتبر حلقات المناقشة من أكثر البرامج شعبية، وهذه الحلقات تتراوح ما بين مناقشات أكاديمية رصينة حول موضوعات تتعلق بالتاريخ والاقتصاد والأدب إلى مناقشات سياسية مصحوبة بمشاركة المشاهدين ومواجهات حول موضوعات حساسة وقضايا خلافية.

ويتم في هذه البرامج تشجيع المشاهدين على تقديم وجهات نظرهم وتعليقاتهم التي غالبا ما تكون قاسية وغير مهادنة. واللافت في هذه البرامج أنه يمكن الحكم على معظم المتصلين من خلال لهجاتهم العامية وأسلوب استخداماتهم للعربية الفصحى في الكلام بأنهم من الطبقات الدنيا المتوسطة والعمالية.

كذلك هناك برامج مشهورة وتحظى بشعبية واسعة هي برامج المقابلات التي تقدم أشخاصا من تخصصات علمية وخلفيات فكرية متعددة، ففي هذه البرامج تقدم تحليلات ووجهات نظر بلغة مفهومة وتفكير عميق لم تكن معهودة من قبل.

وازدادت البرامج المقدمة من قبل النساء وحول قضايا المرأة في الفترة الأخيرة وبمشاركة نساء من الحركات الإسلامية والعلمانية على السواء.

وللمرأة في الفضائيات والمؤسسات التلفزيونية الحديثة دور كبير، فهن يعملن منسقات للأخبار ومذيعات ومديرات للمقابلات التلفزيونية ولحلقات المناقشة بالإضافة إلى المراسلات الميدانية. وهذا بالطبع يغير كثيرا من ثقافة المجتمعات وسلوكها.

وأصبح المواطن العادي يملك المعلومات من جميع المصادر وبسهولة فائقة، ولم يعد يتميز عليه المحللون والمسؤولون الرسميون والصحفيون بشيء يذكر، ولم يكن ثمة فرق كبير في التحليل والتقدير بين المحللين الذين تستضيفهم الفضائيات وبين المواطنين العاديين الذين يتابعون الأحداث والأنباء بنفس المستوى والشمول الذي يتابعه هؤلاء الخبراء.

ولكن التحولات التي جرت في المسرح الإعلامي ليست كلها إيجابية ومفيدة، بل إنها تشكل تحديا كبيرا للمجتمعات والمؤسسات، وتكشف أيضا عن الفجوة المعلوماتية الكبيرة بيننا وبين الآخرين، وتبدي عجز الخطاب العربي عن الوصول إلى الناس حتى العرب منهم.

كيف يمكن أن يقيم تأثير كل ذلك على المواقف الشعبية وعلى الممارسات الجماهيرية الممكنة في المستقبل؟ يتساءل هشام شرابي، ويجيب أنه من الممكن الإشارة إلى بعض التوجهات والمواقف ذات المغزى للمستقبل القريب، فهناك ارتقاء في الوعي السياسي لدى شرائح واسعة من الناس بدأ يظهر بوضوح، وتم اكتساب قدرة مشابهة لإصدار أحكام واتخاذ مواقف سياسية واضحة لم تكن ممكنة في السابق، وعلى مستوى القدرة على الممارسة السياسية أصبحت هناك قدرة على الالتزام والفعل لدى القوى الشعبية لم يكونا متوفرين من قبل.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : غير معروف