بقلم: إلياس حنا*

- الأمم والصدمات المفاجئة
- ماذا عن مفاجأة 11 سبتمبر/ أيلول؟
- من المسؤول عن الفشل في 11 سبتمبر/ أيلول؟
- أسباب الفشل الاستخباري الأميركي

تقوم الحروب كلها على مبادئ كثيرة، أهمها المفاجأة. كما تُصنّف المفاجأة ما بين تكتيكية، عملانيّة وإستراتيجيّة. والفرق بين هذه التصنيفات، هو في المفعول الذي تُحدثِه هذه المفاجأة على المُعتدى عليه، كذلك الأمر على المُعتَدي.

تحاول القوى الكبرى، كما الصغرى، تجنّب المفاجآت الإستراتيجيّة الكبرى، نظرا لما تتركه هذه المفاجآت من تأثيرات سلبية على المجتمع ككل وعلى ديمومة الكيان.

الأمم والصدمات المفاجئة

باختصار تُصيب المفاجآت الأمم بالصدمة (Trauma)، والتي بدورها تتطلّب إستراتيجيّة متخصّصة وطويلة الأمد لإخراج الأمة من تأثيراتها، مع التأكيد على أنها سوف تندرج حتما في الذاكرة الجَماعيّة إلى ما لا نهاية. بعد المفاجأة، لا تعود الأمة كما كانت قبلها. فتُصاب بالذُعر، وتعمّ الفوضى، الأمر الذي يتطلّب قيادة شجاعة قادرة. تتأصّل وتندرج المفاجأة بعد حدوثها في الخطاب السياسي للأمة، وتصبح معيارا لكل الإستراتيجيّات اللاحقة.


قد تكون المفاجأة قاتلة للأمّة، وقد تكون محدودة التأثير، لكن الأكيد أن نجاح المفاجأة هو على حساب مصداقيّة وهيبة من تلقّاها
قد تكون المفاجاة قاتلة للأمّة، وقد تكون محدودة التأثير. لكن الأكيد، أن نجاح المفاجأة هو على حساب مصداقيّة وهيبة من تلقّاها. تُطيح المفاجأة برؤوس كبيرة، وتُعقد اللجان لدراسة أسباب الفشل، وأخذ العِبر. وتعمد الدول إلى إجراء تعديلات جذريّة في مفهومها لأمنها القومي، لينتج عن ذلك تقييم جديد للأخطار. فتُجرى التعديلات على صعيد المؤسّسات الأمنية، والعسكريّة. ولا يمكن لأيّ شخصٍ مسؤول، أمني أو غيره التبجّح بأنّه أفشل مفاجأة ما، لأن النتائج سوف تبقى سريّة. لكن وقوع المفاجأة، سوف يُبرز حتما أماكن الضعف القاتلة لتنهال الانتقادات.

أميركا وبيرل هاربور
تفاجأت الولايات المتحدة في بيرل هاربور (7 ديسمبر/ كانون الأول 1941)، لكن الحادثة أدّت إلى دخولها الحرب الثانية وخروجها دولة عظمى. لكن التسمية "بيرل هاربور"، ظلّت في الذاكرة الجماعيّة الأميركيّة، لتصبح معيارا وصفة لأي عمل مُشابه، فأصبحنا نسمع مثلا "بيرل هاربور" معلوماتي على شبكات الإنترنت. كما أصبح التعبير مرادفاً لأي عمل يقوم على مبدأ "تسلّل واضرب" "Sneak and hit".

ألّفت الولايات المتحدة الأميركيّة لجنة تحقيق، ونتج عن ذلك قرار الرئيس هاري ترومان إنشاء وكالة الاستخبارات الأميركيّة، السي.آي.أي. في العام 1947 مع مهمة أساسية تقوم على: التنسيق بين كل وكالات الاستخبارات الأميركية الأخرى، بهدف جمع المعلومات وتحليلها وتقييمها وتوزيعها لاستغلالها ودرء أي خطر على الأمن القومي.

تفاجأ ستالين بالهجوم الألماني "بروسا"، عام 1941، ويقال إنه انقطع عن الكلام وانزوى لفترة معينة.

إسرائيل وحرب 73
وقعت إسرائيل في مفاجأة إستراتيجيّة كبرى عام 1973 خلال حرب أكتوبر/ تشرين الأول. فهي اعتقدت أن الآخر غير جاد، وغير قادر على القتال خاصة مع تاريخ حربي سيئ في هذا المجال. ألّفت إسرائيل لجنة إغرانات، مهمتها معرفة ما جرى وتقييم الوضع تجنبا لوقوع حادثة مماثلة في المستقبل. طارت رؤوس كثيرة، سياسية وعسكرية، ولاتزال هذه الحرب عارا على جبهة الجيش الإسرائيلي والذي اعتبر أنه لا يُقهر. نتيجة لهذه الحرب عدّلت إسرائيل الكثير من إستراتيجيّاتها العسكرية، خاصة فيما يتعلّق بعدد الجنود في الخدمة الفعلية. قد تكون المفاجأة قبل وقوع الحرب، خلال الحرب أو بعدها. وهي قد تكون عُنفيّة، أو سلميّة. ففي هذا المجال، شكّلت زيارة الرئيس أنور السادات للقدس مفاجأة إستراتيجيّة من العيار الثقيل للعرب لأنها نسفت أسس الصراع وغيرت جذريّا الخريطة الجيوإستراتيجيّة في المنطقة، وبدّلت تركيبة التحالفات وجعلت العرب يعيدون رسم إستراتيجيّتهم العسكريّة منها والسلميّة. ولايزال العرب يعانون من التأثيرات السلبية لهذه الزيارة.

ماذا عن مفاجأة 11 سبتمبر/ أيلول


غيّرت حادثة 11 سبتمبر/أيلول طريقة ونمط العلاقات الدوليّة كما غيّرت التعابير والشعارات الدبلوماسيّة، فبدلا من إمبراطوريّة الشرّ مع الاتحاد السوفياتي، أصبحنا نسمع شعارات الحرب على الإرهاب، ونشهد كذلك تقسيم العالم بين خير وشرّ، مع أو ضدّ أميركا
إنها مفاجاة إستراتيجيّة بامتياز للعم سام. فقد أُخذت أميركا على حين غرّة، خاصة وهي في وضع تتفرّد فيه بمصير العالم. إنها مفاجأة بنتائجها، حتى ولو كانت إيجابيّة في بعض جوانبها. أدّت هذه المفاجأة إلى إحداث صدمة في الوعي الأميركي (Trauma). كما أدّت إلى تبدّل جذري في مفهوم الأمن الأميركي. فبعد أن كان نصف القارة الشمالي معزولا عن بقية العالم وتهديداته بمحيطين، أصبح العدو الآن في الداخل. ضربت المفاجأة رموز القوّة الأميركيّة في بُعديها الاقتصادي والعسكري. غيّرت المفاجأة معالم المركز المالي الأهم في العالم. وإذا ما كان لديك صورة لنيويورك تحوي البرجين، فما عليك إلاّ أن تبدّلها بواحدة جديدة.

عدا الخسائر الماليّة، غيّرت حادثة 11 سبتمبر/أيلول طريقة، ونمط العلاقات الدوليّة كما غيّرت التعابير والشعارات الدبلوماسيّة، فبدلا من إمبراطوريّة الشرّ مع الاتحاد السوفياتي، أصبحنا نسمع شعارات الحرب على الإرهاب، ونشهد كذلك تقسيم العالم بين خير وشرّ، مع أو ضدّ أميركا. وبُنيت نتيجة لذلك محاور تقوم على الشرّ، يقابلها من يريد الحفاظ على الحضارة والحريّة والديمقراطيّة. نتيجة لـ 11 سبتمبر/أيلول، بدّل بوش شعاره الانتخابي من شعارٍ يقوم على عدم التدخّل في النقاط الساخنة في العالم إلاّ إذا كانت المصالح الأميركيّة الحيويّة مهدّدة، إلى سلوك يتميّز بمزيد من التدخّل.

مفهوم "السيادة المشروطة"
حتى بتنا نرى إطلاق شعارات ومفاهيم جديدة، كمفهوم "السيادة المشروطة". يقوم هذا المفهوم على ما يلي "إن الدولة، أيّ دولة هي ذات سيادة كاملة ومطلقة، طالما هي تنفّذ القرار 1373، وتنفّذ ما تطلبه منها الولايات المتحدة خاصة في الشق المتعلّق بضرب الإرهاب. إذا فشلت هذه الدولة في التنفيذ، أو تمنّعت عن ذلك، عندها تتدخّل أميركا للقيام بالمهمّة وذلك دون الأخذ بعين الاعتبار كل ما يتعلّق بمفهوم السيادة".

نتيجة لـ 11 سبتمبر/أيلول تُخاض الآن حروب عديدة، منها المعلن ومنها السرّي. الحرب الأفغانيّة كانت معلنة، وتبعها حضور أكثر من 80000 جندي أميركي موزعين ما بين الخليج العربي ووسط آسيا. كما غيّر 11 سبتمبر/أيلول الخرائط الجيوإستراتيجيّة في العالم وخاصة في آسيا.

بوش يتهم إيران والعراق وحركة حماس واتهمهم بالقيام بأعمال إرهابية تهدد السلام العالمي
احتواء العالم الإسلامي
ونتيجة لـ 11 سبتمبر/أيلول، وإذا ما تتبعنا الانتشار والاهتمام الأميركيين بالعالم، فإننا حتما سنلاحظ ما يُرسم للمنطقة، فالظاهر حتى الآن أن أميركا تسعى إلى:

  • أولاً- تقسيم العالم الإسلامي الممتد من الفلبين، وحتى تركيا إلى قسمين شرقي وغربي، تكون الكتلة الهندية في الوسط.
  • ثانيا- احتواء العالم الإسلامي (الشق الغربي) الذي يحوي منابع النفط والغاز، وذلك عبر انتشار لها بشكل دائري. فهي موجودة في باكستان وعُمان واليمن والإمارات وقطر والبحرين والكويت والسعوديّة والصومال ومصر وإسرائيل وتركيا، كما تسيطر على الممرات البحريّة، وعلى كل من الجو والفضاء.

أميركا.. الأمة - القلعة
هذا على الصعيد الخارجي، أما على الصعيد الداخلي, فإن الولايات المتحدة تحاول بناء ما يُسمّى بالأمة-القلعة. وهي تبدو وكأنها ندمت على سياسة المجتمع المنفتح. وقد أصدرت الإدارة الأميركية في هذا المجال تشريعات عدّة تتعلّق كلها بالأمن القومي الداخلي. فيبدو قانون "الباتريوت-أكت" خير مثال على ذلك. كما أصدرت قانونا آخر يتعلّق بحماية الحدود، إضافة إلى القرارات التي أصدرها وزير العدل جون آشكروفت حول سمات الدخول وما شابه. وأخيرا وليس آخرا، طلب الرئيس بوش إنشاء وزارة للداخليّة تبلغ ميزانيتها أكثر من 73 مليار دولار أميركي.

إذا ما اعتبرنا أن حادثة 11 سبتمبر/أيلول شكّلت مفاجأة إستراتيجيّة للعم سام، فهي أيضا شكّلت مفاجأة لمن نفّذها خاصة ما يتعلّق بالنتائج المتوقعة. فالسيناريو المرسوم للعمليّة، لم يأخذ بعين الاعتبار بالتأكيد ما أنتجته العمليّة، فالمردود فاق بكثير المُتوقّع.

من المسؤول عن الفشل في 11 سبتمبر/أيلول؟


هناك تقرير ضخم كتب في سبتمبر/أيلول 1999 من قبل ريكس هدسون، تحت رعاية مكتبة الكونغرس يقول فيه الكاتب إن القاعدة سوف تردّ على القصف الذي تعرّضت له في أفغانستان عام 1998 وقد يحدث الردّ في العاصمة واشنطن
تدور الآن معركة في الولايات المتحدة حول تحديد المسؤول عن الفشل في 11 سبتمبر/أيلول، منهم من يقول إن الرئيس كان على علم مسبق من خلال تقرير أُرسل إليه من قبل السي.آي.أي.

ويقول البعض إن هناك تقريرا ضخما (135 صفحة) كتب في سبتمبر/أيلول 1999 من قبل ريكس هدسون، تحت رعاية مكتبة الكونغرس يقول فيه الكاتب إن القاعدة سوف تردّ على القصف الذي تعرّضت له في أفغانستان عام 1998 وقد يحدث الردّ في العاصمة واشنطن، أما طريقة الردّ فقد تكون عبر تفجير طائرات مملوءة بالمتفجرات في مبان حكوميّة، كالبنتاغون، والسي.آي.أي أو مبنى البيت الأبيض، ومنهم من يتهم القيادة في الإف.بي.آي بالتقصير لأنها لم تأخذ بعين الاعتبار التقرير الوارد من مدينة فينكس أريزونا من قبل العميل كين وليامس، الذي حذّر فيه من نشاطات شرق أوسطيّة تتعلّق كلها بالتدرّب على قيادة الطائرات.

ويعتبر البعض الآخر أن سبب الفشل يعود إلى عدم التعاون بين الأجهزة الأمنية المتعدّدة. بالفعل هناك مؤشرات كثيرة برزت مؤخرا تتعلّق كلها بحادثة 11 سبتمبر/ أيلول، وكان من الممكن تجنب الكارثة لو أُخذت هذه المؤشرات على محمل الجدّ، فهل هذا صحيح أم أن السبب هو في مكان آخر؟ لا يبدو أن الجواب على هذا السؤال سهل خاصة في بلد مثل الولايات المتحدة، حيث المصالح القوميّة تعم الكرة الارضيّة.

أسباب الفشل الاستخباري الأميركي

لذلك سنحاول طرح بعض الأسباب التي أدّت إلى هذا الفشل الاستخباراتي الإستراتيجي، ومنها:

  • في طبيعة العدو:
    سقط الاتحاد السوفياتي، فتبدّلت الخريطة العالميّة وبالتالي المخاطر. والإرهاب الذي ساد فترة الحرب الباردة كان إرهابا ترعاه دول معيّنة كانت تعتبر جزءاً أساسيّا من النظام الدولي. كان للإرهاب القديم أجندات سياسيّة هي في معظمها علمانيّة عقائديّة. أراد الإرهاب القديم، الكثير من الإعلام بهدف إظهار عدالة قضيّته. كانت الخُبرات الإرهابيّة محدودة في الزمان والمكان، ولم تتعد خبرة الإرهابيين في ذلك الوقت ما تعلّموه في ميدان التدريب لدى الدول الراعية.
    أما الإرهاب الجديد فهو الإرهاب الذي له أجندات ربّانيّة دينيّة. إنه الإرهاب العابر للقارات والحدود على غرار الشركات التي ميّزت هذا العصر. إنه الإرهاب الذي لا يريد الإعلام الكثير، بل يريد المزيد من الضحايا. إنه الإرهاب الذي لا تنفع معه المفاهيم الردعيّة، لأنه مستقلّ بحد ذاته دون راعٍ يفرض عليه أجندته الخاصة. وهو لا يتبّع الأسس والأساليب المعروفة والمتبعة في قواميس الدبلوماسيّة وفي قواميس استعمال القوّة. فهو مستعدّ للتضحية بنفسه، فكيف يمكن ردعه؟ إنه الإرهاب الذي يركب موجة العولمة والعِلم، حتى على مستوى أسلحة الدمار الشامل. باختصار إنه الإرهاب الحاضر في عالم منفتح، مقابل إرهاب قديم كان يعيش في عالم منقسم إلى شرق وغرب.
    لم تعِ الحكومة الأميركيّة هذه المتغيّرات. ولم تعِ أيضا، أو هي أدركت بطريقة خاطئة النوع الجديد من المخاطر على مصالحها وحتى على ديمومتها. وهي أدركت بشكل خاطئ أيضا مدى جهوزيّتها لدرء نوع كهذا من التهديدات. واعتبرت نفسها جاهزة، وليس من منافس لها على الصعيد العالمي. كما اعتقدت أيضا أن التنصت عن بعد، والتصوير الجوي هما كفيلان بالاستعلام عن من يخطّط لضرب أميركا، متجاهلة بذلك الاستعلام البشري.
    لذلك نرى الرئيس كلينتون يركّز على العامل الاقتصادي عبر جملته الشهيرة "إنه الاقتصاد أيّها الغبي"، متجاهلا المتغيّرات الإستراتيجيّة، مُخفّضا موازنة الدفاع، مع تدّخل عسكري كثيف. وقد يعود سبب هذا الإدراك الخاطئ من قبل الأميركيين، إلى عدم توفّر أنماط سابقة، وتجارب متراكمة من هذا النوع من الأعداء كي تُعدّ العدّة له. فالموجود من أجهزة أمنيّة وعسكريّة، كان مُعدّا لنوع آخر من الأعداء والمخاطر، العدو القديم كان عقلانيّا في إجراء حسابات الربح والخسارة، أما العدو الحالي فلا، لأنه يتعامل مباشرة مع رب العالمين.
  • مدير وكالة الاستخبارات (يمين) مع مدير مكتب التحقيقات الفدرالي الأميركي
    في الأجهزة الأمنيّة:
    أُنشئت السي.آي.أي في العام 1947 بناء على قرار من الرئيس هاري ترومان مهمتها العمل على التنسيق بين كل الأجهزة الاستخباراتيّة الموجودة، بهدف جمع المعلومات، وتحليلها وتوزيعها للاستعمال.
    تبلغ ميزانيّة الأجهزة الأمنيّة حوالي 30 مليار دولار يذهب عشرها إلى السي.آي.أي. أما البقية فتذهب بمعظمها إلى التكنولوجيا الحديثة، والمتعلّقة بالتنصّت والفضاء والتصوير الجوّي.
    يترأس رئيس وكالة الاستخبارات المركزيّة صُوريّا هذه التركيبة الأمنية، وذلك لأن أهم ثلاث وكالات استخباراتيّة هي فعليّا تحت سيطرة العسكر، أو وزارة الدفاع والمتمثلّة بـ: مكتب الاستطلاع الوطني (NRO) والذي يهتم بصور الأقمار، والـ U-2. ووكالة التصوير والخرائط (NIMA). أما الثالثة فهي وكالة الأمن الوطنيّة (NSA) والتي تتنصّت على العالم أجمع استنادا إلى ما كتبه جيمس بامفورد في كتابه "كتلة من الأسرار" (BODY of SECRETS). يُضاف إلى هذا وكالة الاستعلام للدفاع.
    أما تحت إمرة وزارة العدل فإن الأف.بي.آي هي التي تهتم بالأمن القومي الداخلي، كذلك هناك أجهزة أمنية تابعة لكل من الوزارات التالية: الخارجيّة، المال والطاقة. مع التذكير بأنه يوجد جهاز استخباراتي لكلّ اختصاص من القوى العسكريّة الأميركية يُطلق عليه تسمية J-2.
    إذن مع تركيبة معقّدة كهذه تتناقض في الصلاحيّات، لا يبدو أن العمل الأمني يبدو سهلا، كما أن إمكانية الخروقات تبدو مرتفعة وهذا ما حصل في الجدال الدائر الآن حول سبب الفشل في درء حادثة 11 سبتمبر/أيلول.
    هذا عدا عن العداوات الشخصيّة لمسؤولي هذه الأجهزة، إذ يُقال إنه ومنذ 30 عاما خلت، لم يكن رئيس الإف.بي.آي. إدغار هوفر، على علاقة جيّدة مع رئيس السي.آي.أي آنذاك ريتشارد هيلمز، حتى إنه لم يكن يُكلّمه.
  • في ثورة المعلومات:
    تميّز هذا العصر بالثورة في المعلوماتيّة، وبالانتشار السريع للمعلومات بسبب التكنولوجيا الجديدة التي ربطت العالم وجعلته قرية صغيرة. وقد شكّل هذا الوضع عاملا إيجابيا لوكالات الاستخبارات، كما شكّل عاملا سلبيّا، لكن كيف؟.
  • في الشق الإيجابي وبسبب تفوّقها التكنولوجي المميّز يمكن للولايات المتحدة أن تجمع أكثر من غيرها معلومات عن موضوع معيّن.
    أما في الشق السلبي فتكمن المعضلة في إمكانية تنقية هذه المعلومات، وتحليلها وتوزيعها للاستعمال في وقت سريع جدّا.
    فالمعلومة الجيّدة هي المعلومة الصحيحة، والتي تندرج في إطار الصورة الكبرى بشكل مناسب، وهي التي تكون جاهزة عند الحاجة إليها، وليست موجودة في عقل حاسوب معين ضمن وكالة معيّنة. فما قيمة معلومة حيويّة للأمن القومي الأميركي إذا لم تُستغلّ في الوقت المناسب؟.

لذلك يبدو الحديث الذي يدور الآن عن معرفة الأجهزة لبعض مؤشرات لعمليّة 11 سبتمبر/أيلول وكأنه دون جدوى، لأن الحادثة وقعت كما الضرر. وهي تنفع الآن فقط لقطع رؤوس المسؤولين وإيجاد كبش محرقة، ولاستخلاص العبر لتحضير المستقبل.


تبدّلت الأوضاع وبقيت الأجهزة كما كانت منذ أكثر من 40 سنة، كذلك الأمر بقيت الوسائل المستعملة والأساليب هي هي، وبقيت العداوات أيضا بين هذه الأجهزة والوكالات
يقول جيمس بامفورد في مقال كتبه للواشنطن بوست إنه لا يجب أن نغفر للوكالة الوطنية للأمن القومي (NSA) تقصيرها، فهي المخوّلة بالتنصت على كل المشبوهين في العالم، حتى إنها تعرف رقم أسامة بن لادن الخلوي، 873682505331، وهي التي لها آذان في كل أرجاء الكرة الأرضية. ويبلغ عدد الصفحات التي ستسلمها هذه الوكالة للجنة التحقيق في الكونغرس حوالي 13000. كما أن السي.آي.أي سوف تسلم ملفات عن الإرهابيين لنفس لجنة الكونغرس مستقاة من 350000 صفحة، ويبلغ طولها إذا ما طُبعت حوالي 10 أمتار.

إذاً تبدّلت الأوضاع وبقيت الأجهزة كما كانت منذ أكثر من 40 سنة، كذلك الأمر بقيت الوسائل المستعملة والأساليب هي هي، وبقيت العداوات أيضا بين هذه الأجهزة والوكالات فماذا عن المستقبل؟ يتحضّر الكونغرس لدراسة ما جرى بهدف استخلاص العبر وتغيير الوضع القائم. فلننتظر.

في الختام يستحضرني الآن قول الرئيس الأميركي الراحل توماس جفرسون "في وقت ليس ببعيد، سوف نرفع العصا فوق رؤوس الجميع ليرتعد أقواهم، لكنني آمل، أن تنمو حكمتنا بالتوازي مع قوّتنا. فكلما استعملنا قوتنا أقلّ كانت هذه القوّة أفعل".

______________
*كاتب وباحث، عميد ركن في الجيش اللبناني

المصدر : غير معروف