بقلم/ مصطفى الخلفي*

- محاور الصدام المغربي الإسباني الراهن
- خلفيات إستراتيجية في المواقف الإسبانية
- احتمالات المستقبل

منذ أبريل/ نيسان الماضي وإلى غاية الشهر الجاري والعلاقات المغربية الإسبانية تنتقل من أزمة إلى أخرى، ابتدأت بأزمة فشل التوقيع على اتفاق الصيد البحري، وهي الآن تعيش على إيقاع أزمة حقوق التنقيب عن النفط في المياه الإقليمية المغربية، مرورا بالأزمات المتفجرة حول الصادرات المغربية الفلاحية لأوروبا المارة من التراب الإسباني، وقضايا الهجرة السرية واليد العاملة المغربية بإسبانيا، وتجارة المخدرات والصحراء الغربية ومستقبل المدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلة.

ورغم حالات الهدوء النسبي والكمون المؤقت التي تخللت هذه الفترة وعلى خلاف فترات التوتر السابقة في العلاقات المغربية الإسبانية التي كان يسهل احتواؤها وتجاوزها، فإن الأزمة الراهنة طالت وتعقدت لا سيما بعد لجوء المغرب إلى استدعاء سفيره بمدريد في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول الماضي، كما فشلت جل محاولات احتوائها وآخرها الخطوة المشتركة بين حزب الاتحاد الاشتراكي المغربي والحزب الاشتراكي العمالي الإسباني الذي قام أمينه العام خوسي ثباثيرو بزيارة المغرب يومي 17-18 ديسمبر/ كانون الأول الحالي. فما محاور الصدام القائم؟ وما خلفيات الأزمة؟ وما احتمالات تجاوزها؟

محاور الصدام المغربي - الإسباني الراهن

ملك المغرب (يمين) أثناء لقائه بزعيم الحزب الاشتراكي الإسباني

تتعدد محاور الصدام المغربي – الإسباني المتجدد، وقد أسهم القرب الجغرافي من جهة أولى ورواسب الصراع التاريخي الحاد بين البلدين الذي يشكل استمرار الاحتلال الإسباني لمدينتي سبتة ومليلة والجزر الجعفرية في شمال المغرب التجلي الملموس لهذه الرواسب من جهة ثانية، ويضاف إلى ذلك المسعى الإسباني المتصاعد لتعويض الأهمية الإستراتيجية للمغرب في السياسات العسكرية للولايات المتحدة الأميركية في غرب حوض المتوسط من جهة ثالثة.. أسهم كل ذلك في خلق تحديات أمنية وسياسية ومصالح اقتصادية واجتماعية متشابكة ومعقدة، جعلت العلاقات بين البلدين خاضعة لمنطق التوتر الدائم والمتجدد. ومصادر التوتر في العلاقات متعددة وكثيرة، نجملها في العناصر التالية:

  • الإصرار الإسباني على استغلال مناطق الصيد البحري المغربية.
  • اعتبار المغرب المصدر الأساسي لتجارة المخدرات والحشيش القادم إلى إسبانيا.
  • الرفض الإسباني لتطوير صناعة نووية للاستعمال السلمي بالمغرب، وضغطه لإلغاء اتفاق مع الصين لبناء محطة نووية بجنوب المغرب.
  • الدعم المالي والسياسي غير المباشر لتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء ووادي الذهب "البوليساريو" الذي يقاتل لاستقلال الصحراء الغربية عن المغرب.
  • التنافس بين الصادرات الفلاحية المغربية والإسبانية في السوق الأوروبية.
  • مشاكل الجالية المغربية الكثيفة في إسبانيا.
  • الرفض الإسباني القوي للمبادرة المغربية الداعية لتشكيل خلية تفكير في مستقبل المدينتين المغربيتين المحتلتين سبتة ومليلة على شاكلة التجربة البريطانية - الصينية في حل مشكلة هونغ كونغ.
  • رفض المغرب لتحمل تبعات الهجرة غير الشرعية المغاربية والأفريقية في إسبانيا.
  • الخلافات حول حقوق التنقيب على النفط في المجال البحري للصحراء الغربية والذي توجد ضمنه جزر الكناري التابعة لإسبانيا.
  • استمرار تأجيل لقاء الخارجيتين المغربية والإسبانية الذي كان من المفترض إجراؤه يوم السابع من سبتمبر/ أيلول الماضي من أجل التحضير لقمة عالية المستوى بين البلدين.

ومجموع هذه الملفات يفسر الطابع الاستثنائي والمعقد للعلاقات المغربية - الإسبانية الذي يجعل تأثيراتها تتجاوز المجال الجغرافي للبلدين ليطال مجمل المنطقة المغاربية وغرب المتوسطية.

وقد تبلور وتراكم التوتر الحالي على خلفية ثلاثة ملفات هي بالأساس قضية الصيد البحري، والهجرة غير الشرعية المغاربية والأفريقية، ثم قضية الصحراء الغربية، وأججته الخلافات الناشئة حول قضايا المخدرات، وسبتة ومليلة، وحقوق التنقيب عن النفط رغم أن هذه القضايا تعرف وجود تفاهمات تقليدية وتاريخية حولها لا تعيق تطور العلاقات بين البلدين.

أولا: أزمة الصيد البحري بين البلدين


تحتضن المصايد البحرية المغربية أكثرية سفن الأسطول الإسباني المتحرك في دول العالم الثالث (حوالي 417 سفينة صيد) ويوفر ما يزيد عن 400 ألف وظيفة عمل في إسبانيا وتكلف عملية إعادة هيكلة هذا الأسطول في حالة رفض المغرب تجديد توقيع اتفاقية الصيد مليار و760 مليون أورو
يكتسب هذا الملف حساسية بالغة بالنسبة لكلا الطرفين، فمن جهة تحتضن المصايد البحرية المغربية أكثرية سفن الأسطول الإسباني المتحرك في دول العالم الثالث (حوالي 417 سفينة صيد) ويوفر ما يزيد عن 400 ألف وظيفة عمل في إسبانيا وتكلف عملية إعادة هيكلة هذا الأسطول في حالة رفض المغرب تجديد توقيع اتفاقية الصيد التي انتهت مع نهاية نوفمبر/ تشرين الثاني 1999، ما قيمته 1.76 مليار يورو أي ثلاثة أضعاف التعويض المالي المقدم للمغرب حسب اتفاق عام 1995. أما من جهة المغرب فهو الآخر يعاني من بطالة حادة في حدود 20%، وقطاع الصيد مرشح في حالة تجديد الاتفاقية لأن يوفر ما يناهز 150 ألف وظيفة عمل و1.5 مليار دولار من العملة الصعبة حسب بعض التقديرات، فضلا عن إنقاذ الثروة السمكية المستنزفة طيلة السنوات الماضية من طرف الأسبان.

ونتيجة للضغوط المتتالية على المغرب وخشية انعكاس ذلك على اتفاقيات التعاون والدعم المالي مع الاتحاد الأوروبي فضلا عن الثقل الاقتصادي الإسباني بالمغرب والعرقلة الإسبانية لمرور الصادرات الفلاحية المغربية عبر التراب الإسباني باتجاه دول الاتحاد الأوروبي مما يكلف المغرب خسائر مالية جسيمة، تراجعت الرباط عن موقف الرفض لتجديد اتفاقية 1995 التي انتهت في نوفمبر/ تشرين الثاني 1999 وقبل الدخول في مباحثات حول الموضوع في أواخر سبتمبر/ أيلول 2000، وقد انعقدت أزيد من عشر جولات وأخذ الاتفاق ينضج تدريجيا لاسيما في النقاط المتعلقة بمراقبة كميات الصيد الإسبانية والدخول في مشاريع شراكة للتعاون العلمي والتأهيل المهني لقطاع الصيد البحري المغربي وحصر الأنواع المسموح بصيدها. وكانت المؤشرات المتداولة إلى غاية أواسط أبريل/ نيسان الماضي تشير إلى قرب توقيع اتفاق حول الصيد البحري، ولم يعد أمر التوقيع مرتبطا سوى بحسم التعويض المالي، حيث كان المغرب يطالب بما مجموعه 270 مليون يورو موزعة على ثلاث سنوات، في مقابل الطرح الأوروبي الذي يقتصر على 195 مليون يورو موزعة على ثلاث سنوات (75 مليون يورو في السنة الأولى، و65 مليونا في السنة الثانية ثم 55 مليونا في السنة الثالثة).

وكان معروفا أن المغرب لا يمكنه النزول عن عتبة 270 مليون يورو لثلاث سنوات (أي 90 مليون يورو سنويا)، خصوصا أن الاتحاد الأوروبي يخصص ما قيمته 125 مليون يورو سنويا لتعويض البحارة المشتغلين في المصايد المغربية، إلا أن العكس هو ما حصل حيث ضغطت إسبانيا على الاتحاد الأوروبي حتى لا يقبل العرض المالي المغربي مما أدى إلى إنهاء المفاوضات، الذي شكل نتيجة منطقية للضغط الإسباني.

إجراءات انتقامية ضد المغرب

ومباشرة بعد فشل المفاوضات تم الإعلان من طرف الحكومة الإسبانية عن إجراءات انتقامية ضد المغرب، وهي إجراءات لم تكن وليدة سماع قرار الاتحاد الأوروبي بعدم إمكانية التوصل إلى "اتفاق صيد مقبول بين المنظومة الأوروبية والمغرب"، بل كانت إجراءات مهيأة وبمضامين محددة، بحيث أنه في نفس اليوم الذي أعلن فيه إيقاف المفاوضات تتالت تصريحات رئيس الحكومة الإسبانية سواء للإعلام الإسباني أو في جلسة الأسئلة الشفوية بالبرلمان الإسباني، حيث تم تحميل المغرب مسؤولية فشل المفاوضات، وأن ذلك يترتب عليه تغيير العلاقات المغربية - الإسبانية واتخاذ إجراءات عقابية بحق المغرب تطال عملية تحويل الديون الإسبانية إلى استثمارات، والمساعدات المالية الإسبانية للمغرب، وكذا المساهمة الإسبانية في تطوير البنيات التحتية.

ولم تكن هذه التهديدات معزولة بل تلتها إجراءات عملية، حيث تم توجيه أوامر لجميع الوزارات بشل أو العمل إلى أقصى حد على تعطيل العمليات الاقتصادية المرتبطة بالمغرب، كما أعلن رئيس الحكومة الإسبانية خوسيه ماريا أزنار إجراءات أخرى من قبيل أن إسبانيا لن تصوت لصالح الزيادة في حجم الصادرات المغربية لأوروبا وهو ما يعني إبقاء الحصص الحالية مادام رفع الحصص يتطلب إجماع دول الاتحاد، وأن عملية تحويل الديون المستحقة لإسبانيا إلى استثمارات ستتوقف. وقدم أزنار معطيات محددة في هذا الصدد، حيث ذكر بحصيلة عملية التحويل وكان آخرها اتفاقية السنة الماضية التي أفضت إلى تحويل ما يناهز 40 مليون دولار (18.075 مليار بيزو)، بموازاة الاتفاق على تمويل استثمارات مباشرة في أقاليم الشمال بقيمة 50 مليون دولار.

وقد ذهبت بعض التحليلات إلى تقديم تهديدات رئيس الحكومة الإسبانية على أنها مجرد رد فعل آني على قرار المجلس الأوروبي بإيقاف مفاوضات الصيد البحري مع المغرب، على أساس أنه يأخذ بعين الاعتبار الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمناطق المتضررة. إلا أن تطورات العلاقات كشفت عن العكس، لاسيما بعد أن أدت مواقف رئيس الحكومة الإسبانية مفعولها وانعكست على السلوك العملي لإسبانيا تجاه المغرب، كما خلقت التأثير المنتظر منها على المغرب الذي لم يرد بحملة مضادة بل حرص على بعث كل من وزير الخارجية محمد بن عيسى ووزير الداخلية أحمد الميداوي –آنذاك- للالتقاء بنظيريهما الإسبانيين، بما فهم منه سعي مغربي لتطويق الأزمة.

وظهر آنذاك أن التهديدات الإسبانية هي محصلة لتراكمات بدأت مع الرد القوي لوزير الخارجية الإسباني على افتتاحية يومية العلم المغربية التابعة لحزب الاستقلال (طرف أساسي في الحكومة المغربية)، وذلك يوم 13 مارس/ آذار 2001، والتي تعرضت لموضوع الحياد السلبي لإسبانيا في نزاع الصحراء والدعم المالي الذي تقدمه لجبهة البوليساريو مما سيدفع المغرب إلى التفكير في دعم انفصاليي منظمة الباسك، وهو رد دعا فيه الحكومة المغربية إلى رفض الافتتاحية والتبرؤ منها، وأيضا مطالبة الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني للمغرب بتصحيح عاجل للتصريحات الخطيرة وغير المقبولة التي وردت في الافتتاحية، وهو ما استجاب له رئيس الوزراء المغربي عبد الرحمن اليوسفي بسرعة عندما صرح بأن الحكومة المغربية تتبرأ من كل دعوة لدعم انفصاليي الباسك.

ثم جاءت بعد ذلك أنباء صفقة السلاح الإسبانية الهادفة إلى اقتناء أسلحة ضمنها صواريخ متطورة بغلاف ستة مليارات دولار موجهة إلى المغرب بدعوى حماية سبتة ومليلة، وتلت ذلك زيارة وزير الدفاع الإسباني فيديريكو تريلو إلى مدينة مليلة المحتلة أواخر مارس/ آذار الماضي من أجل تفقد الثكنات العسكرية الموجودة بها وهو ما اعتبر استفزازا للمغرب.

وبموازاة هذه التطورات نجد التحركات الإسبانية المتعددة في مجال دعم البوليساريو ومواجهة المواقف المغربية إزاء الخطة الأممية لعملية تسوية النزاع في الصحراء، وضمن هذه التحركات نذكر سعي المدعي العام الإسباني فيلبي بريونيس لرفع دعوى ضد الأمم المتحدة حول الحل السياسي لقضية الصحراء، والترخيص لما يزيد عن 150 جمعية مناصرة للبوليساريو بالتحرك في التراب الإسباني، ورفع حجم المساعدات المالية الموجهة إلى البوليساريو تحت مبررات الدعم الإنساني، كما نذكر أيضا أن طلبات تسوية أوضاع المهاجرين المغاربة رفضت منها 32225 طلبا، أي ما يزيد عن 50% من مجموع الطلبات المقدمة التي يقدر عددها بـ63170 في حين أن نسبة القبول في حالات دول أخرى وصلت إلى ما يزيد على 80%.

ثانيا: الهجرة السرية وتجارة المخدرات


تثير مشكلة الهجرة السرية تحديات عدة فطوال الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية تم إيقاف أكثر من 13000 وفي السنة الماضية بلغ عدد الموقوفين 15000 وقبلها 8000 وهو ما يؤشر لمسار تصاعدي
الملف الثاني الذي ظهر للسطح بحدة في الآونة الأخيرة عنوانا للأزمة هو ملف الهجرة السرية، وقد درجت إسبانيا على تحريك هذا الملف كلما توترت علاقتها مع المغرب على خلفية ملف الصيد البحري حيث يقع استغلال حدث ما لتفجير مشكلة الهجرة السرية مع المغرب الذي تحمله إسبانيا مسؤولية تسلل المهاجرين غير الشرعيين إليها كما تحاول إلزامه باستقبال المرحلين منها ولو كانوا من جنسيات غير مغربية.

وقد تفجرت المشكلة بعد توقيف أزيد من 500 مهاجر غير شرعي في ليلة واحدة يوم 18 أغسطس/ آب الماضي واستدعاء السفير المغربي بإسبانيا من طرف الخارجية الإسبانية للاحتجاج على ما تدعيه من تراخ مغربي في مكافحة الهجرة السرية، وتطور الأمر بقوة بعد تصريح العاهل المغربي ليومية لوفيغارو الفرنسية في 4 سبتمبر/ أيلول المنصرم من أنه إلى جانب المافيا المغربية هناك مافيا في إسبانيا تعيش من الهجرة السرية وأن المراكب التي تقل المهاجرين السريين تأتي من إسبانيا وهي مكلفة من حيث الثمن كما أنها مجهزة بمحركات ذات قوة كبيرة تجعل هذه المراكب أكثر سرعة حتى من زوارق البحرية المغربية، وأضاف الملك في الحوار المشار إليه أن مهربي المخدرات المغاربة يتوفرون على جوازات سفر إسبانية وحسابات بنكية في إسبانيا وأن المغرب ليس هو من منحهم الجنسية المزدوجة.

وتلا ذلك تصريح وزير خارجية إسبانيا خوسيه بيكي التي أعلن فيها وجود تواطؤ بين قوات الأمن المغربية ومافيا الهجرة السرية وأن عائدات المغرب من الهجرة تفوق عائداته من السياحة والفوسفات، وهو ما اعتبرته صحيفة إلباييس الإسبانية سابقة، حيث لم يسبق أن أدان مسؤول إسباني تورط أجهزة الأمن المغربية في الهجرة السرية. وكان من جراء ذلك تأجيل اجتماع بين كاتب الدولة في الخارجية المغربية الطيب الفاسي الفهري مع نظيره الإسباني ميكيل نادل من أجل الإعداد للقمة المغربية الإسبانية، وهي قمة سنوية أقرتها معاهدة الصداقة والجوار الموقعة بين البلدين في 1991، إلا أن هذه القمة لم تعقد منذ سنتين ويراهن عليها لمعالجة المعضلات القائمة في علاقات البلدين، وقد جاء التأجيل بناء على اعتذار مغربي علل بأسباب مرضية، ولم يستبعد أن يكون ذلك جوابا على الحملة الإعلامية الإسبانية والتصريحات المستفزة لبعض المسؤولين الإسبان، كتصريح رئيس إقليم قشتالة بأن "على إسبانيا أن تتخلى عن اعتبار المغرب بلدا صديقا لأنه في واقع الأمر ليس بلدا ديمقراطيا وإنما هو ديكتاتورية وبلد تحكمه المافيات التي ترسل إلى إسبانيا أشخاصا محتالين". وذهب مسؤول إسباني أمني إلى التصريح بأن عملية ترويج المخدرات الموجهة لأوروبا عبر إسبانيا ترعاها الحكومة المغربية، وتروج الجهات المعادية للمغرب في إسبانيا أن حوالي ثلاثة آلاف طن من الحشيش يصدرها المغرب سنويا لإسبانيا يجني منها ما يقرب من ثلاثة مليارات دولار، بل ذهب بعض السياسيين الأسبان إلى اعتبار هجرة المغاربة بمثابة غزو جديد لإسبانيا، ونشط اليمين المتطرف في بث الخطاب العنصري الصليبي حول هذه الهجرة.

تثير مشكلة الهجرة السرية تحديات عدة، فطيلة الأشهر الثمانية الأولى من السنة الجارية تم إيقاف أكثر من 13000 وفي السنة الماضية بلغ عدد الموقوفين 15000 وقبلها 8000 وهو ما يؤشر لمسار تصاعدي يغذيه تفاقم الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في دول الجنوب وارتفاع معدلات البطالة وتقلص حظوظ الرقي الاجتماعي ويطرح تحديات مستقبلية أمنية واقتصادية واجتماعية داخل إسبانيا، وللعلم فهي لا تتمكن سنويا من ضبط سوى 2.5%-3.5% من المهاجرين الذين يدخلون التراب الإسباني حسب ما أفادت به يومية العلم المغربية (22/8/2001).


بلغ عدد الوفيات بسبب غرق قوارب الهجرة التي أصبحت تسمى قوارب الموت ما يقرب من 4000 ضحية في السنوات الخمس الماضية غالبيتهم من المغاربة

كما بلغ عدد الوفيات بسبب غرق قوارب الهجرة والتي أصبحت تسمى بقوارب الموت ما يقرب من 4000 ضحية في السنوات الخمس الماضية غالبيتهم من المغاربة وفق جمعية العمال المهاجرين المغاربة بإسبانيا، والملاحظ أن جنسيات المهاجرين غير الشرعيين متعددة، فبالإضافة إلى المغرب هناك الجزائر والسنغال ودول جنوب الصحراء، وحتى آسيا (بين 01/01/2000 و30/06/2001 أوقف المغرب ورحل أزيد من 15 ألف إفريقي وآسيوي).

هذه المعطيات جعلت رئيس الحكومة الإسبانية يشترط من أجل عقد القمة المغربية الإسبانية أن يحرز المغرب تقدما ملموسا في محاربة الهجرة السرية وتجارة المخدرات، كما اتهمت مصادر حكومية إسبانية المغرب بسعيه لاستغلال كثافة الهجرة السرية وعجز الأمن الإسباني عن الحد منها من أجل الضغط على إسبانيا. وقد ردت الخارجية المغربية بأن المقاربة الإسبانية هي مقاربة اختزالية أمنية، وأن الحل الحقيقي هو حل سياسي واقتصادي يرتبط بنجاعة برامج الشراكة الأوروبية المغربية. والحاصل أن إسبانيا تريد من المغرب أن يتحول إلى قوة شرطة متوسطية ومكان لاستقبال المهاجرين الموقوفين في إسبانيا بغض النظر عن جنسياتهم ومن دون قيد أو شرط. وما يزال هذا الملف مفتوحا خصوصا بعد تجميد العمل باتفاقية العمالة المغربية الموسمية التي وقعت في يوليو/ تموز الماضي.

ثالثا- ملف الصحراء الغربية


لعبت قضية الصحراء دورها في شغل المغرب عن تحريك ملف استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلة وشكلت عنصر استزاف مالي وأمني يفتح الباب لبرامج التغلغل الاقتصادي الإسباني داخل المملكة المغربية
تعد إسبانيا المستعمر السابق لمنطقة الصحراء الغربية، وما تزال ملابسات سيطرة المغرب على المنطقة تشكل عقدة تاريخية لدى الأسبان الذي لم يهضموا استغلال المغرب للحظة ضعف مرت بها إسبانيا عند احتضار الجنرال فرانكو وانشغالها بتدبير عملية الانتقال الديمقراطي، كما أن هذه القضية لعبت دورها في شغل المغرب عن تحريك ملف استرجاع المدينتين المحتلتين سبتة ومليلة، وشكلت عنصر استزاف مالي وأمني يفتح الباب لبرامج التغلغل الاقتصادي الإسباني داخله، وهو ما جعل القضية تتحول إلى إحدى أوراق الضغط والمساومة بيد إسبانيا، وظفت فيها سيلا من الجمعيات والهيئات لدعم جبهة البوليساريو تحت غطاء المساعدات الإنسانية، كما سمحت لنشطاء الجبهة بالعمل الإعلامي والدعائي وجمع التبرعات وتشكيل لجان ضغط سياسي للتأثير على الموقف الرسمي فوق التراب الإسباني.

وقد قدم هذا الموقف على أساس ارتباط ذلك بمبادرات شعبية لا تتحمل الحكومة الإسبانية مسؤوليتها السياسية، إلا أن التطورات التي عرفها كل من ملفي الصيد البحري والهجرة السرية واعتماد مجلس الأمن لأرضية حل سياسي يقوم على إعطاء الصحراء حكما ذاتيا موسعا في إطار السيادة المغربية وبعد خمس سنوات يقع استفتاء يشارك فيه جميع السكان، فضلا عن إقدام المغرب على طرح قضية سبتة ومليلة في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة بصفتها قضية من قضايا تصفية الاستعمار المتبقية، جعلت إسبانيا تخرج من حالة الحياد السلبي لترفع من حجم مساندتها لجبهة البوليساريو بشكل نافست فيه الجزائر، وبلغ ذلك أوجه في أكتوبر/ تشرين الأول الماضي عندما عرفت أزيد من 150 قرية ومدينة في إقليم الأندلس تنظيم استفتاء رمزي مناصر لأطروحة البوليساريو حول مستقبل الصحراء كما أجري الاستفتاء في برلمان الأندلس أيضا.

وفي سياق مواز أقدمت إسبانيا على معارضة مشروع توصية تقدمت بها فرنسا في اجتماع اللجنة الرابعة للأمم المتحدة أواسط الشهر نفسه دعمت من خلالها مشروع الحكم الذاتي الذي يؤيده المغرب، ولم تكتف إسبانيا بمعارضة التوصية الفرنسية بل تحركت بشكل مضاد وقدمت توصية بديلة مناصرة لموقف البوليساريو، واستطاعت حشد الدعم لها داخل اللجنة واعتمدت في نهاية المطاف، وقد أدت هذه التطورات إلى دفع المغرب إلى استدعاء سفيره بمدريد للتشاور وذلك في 28 من الشهر نفسه. ورغم ذلك فقد تجدد الموقف الإسباني السلبي في أواخر نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي باحتضان مدينة إشبيلية الإسبانية للندوة الأوروبية السابعة والعشرين لتنسيق الدعم للشعب الصحراوي والتعسف الذي مارسه الأمن الإسباني بحق جمعية مناصرة للموقف المغربي، إذ أجبر موفديها على المغادرة الفورية لإسبانيا. وما يزال هذا الملف مؤثرا وبقوة على العلاقات رغم المواقف الإيجابية التي عبر عنها الأمين العام للحزب الاشتراكي العمالي الإسباني المعارض خوسي ثباثيرو أواسط هذا الشهر في ختام زيارته للمغرب، التي ساند فيها مشروع الوسيط الأممي في الصحراء جيمس بيكر والمعروف بمشروع الحكم الذاتي الموسع، حيث استقبلت مواقفه هذه في إسبانيا بحملة شرسة مضادة اتهم فيها ثباثيرو بالخيانة، كما رفض خوسيه ماريا أزنار رئيس الحكومة الإسبانية استقباله.

رابعا- سبتة ومليلة وحقوق التنقيب على النفط

تشكل هذه الملفات عناوين إضافية للأزمة الراهنة، ويحتاج ملف سبتة ومليلة إلى تناول خاص لا يسمح به المجال، فهاتان المدينتان اللتان مر على احتلالهما أزيد من 500 سنة، تشكلان آخر الجيوب الاستعمارية في العالم التي لا يوجد أدنى مؤشر على قرب تصفيتها ولو على المدى البعيد، ففي الوقت الذي باشرت في إسبانيا سلسلة مفاوضات سرية مع بريطانيا لتصفية استعمار جبل طارق وأعلن عنها في 20نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي، تعارض مدريد بشدة فتح أي نقاش حول مستقبل المدينتين المحتلتين سبتة ومليلة وأيضا الجزر الجعفرية ولو كان على مستوى خلية تفكير كما طرح الملك المغربي الراحل الحسن الثاني في أواسط الثمانينيات، وفي المقابل عملت على إقرار سلسلة خطوات لتأبيد الوضع الاستعماري مثل تطبيق قانون للأجانب يؤدي لتعميق مسلسل أسبنة المدينتين في يوليو/ تموز 1985، ومنح حكم ذاتي لهما، وضم المدينتين لمجال التغطية العسكرية للناتو واتخاد إجراءات عسكرية مستفزة على الحدود بين المدينتين والمغرب، والقيام بزيارات سياسية مثيرة لهما، مما يخلق توترات حول المشكل، وقد كان المغرب يطرح بقوة مسألة الربط بين مستقبل جبل طارق ومستقبل المدينتين إلا أنه لم يتبع ذلك بوضع إستراتيجية محكمة وكان جهده منحصرا في التعبير عن مغربية المدينتين في المحافل الدولية.

وأضيف لهذا المشكل إقدام إسبانيا في 21 من الشهر الجاري على منح الترخيص لشركة تنقيب على النفط (شركة ريبسول ي.ب.ف) في المجال البحري المغربي (مقابل المناطق الصحراوية الجنوبية)، وذلك بدعوى خضوع ذلك المجال والمقدر بـ600 كلم مربع لجزر الكناري الإسبانية، في حين أن المغرب يعتبر تلك المنطقة تابعة له حيث توجد ضمن مجال 200 ميل من سواحله وهي المسافة التي تحدد على ضوئها المياه الإقليمية، وهذا المشكل قديم إلا أنه تجدد بإقدام إسبانيا على توقيع العقد لمدة ست سنوات، والظاهر أن إسبانيا تريد خلق أمر واقع قبل تبلور مشروع حل سياسي لقضية الصحراء. إن هذا المسار المتأزم في علاقات البلدين يعكس توجها "جديدا" يحكم تعاطي السياسة الخارجية الإسبانية مع المغرب، فما خلفيات ذلك؟

خلفيات إستراتيجية في المواقف الإسبانية

في تقديرنا هناك ثلاث خلفيات كبرى حكمت الموقف الإسباني وهي:

  • اهتزاز مكانة إسبانيا أوروبيا:
    تعكس هذه الأزمات محاولة إسبانية مستميتة لتدارك الاهتزاز الذي عرفته المكانة السياسية لإسبانيا داخل المنظومة الأوروبية، وإشارة لمحاولة إيقاف النزيف الحاصل في الرصيد الذي تم بناؤه في عهد الاشتراكيين والذي يتعرض الآن للتبديد، وهو ما لا يساعد علي تحمل إسبانيا لرئاسة الاتحاد الأوروبي في السنة المقبلة، ولهذا قدمت أحزاب المعارضة الإسبانية فشل مفاوضات الصيد البحري على أنها هزيمة سياسية ثقيلة لرئيس الحكومة خوسيه ماريا أزنار.
    لذلك، فقد جاءت حدة تصريحات أزنار والخطوات العملية التي تلتها، كخطوة للضغط القوي على المغرب بما يدفعه لمراجعة موقفه في أي مفاوضات محتملة، خاصة أن الاتحاد الأوروبي في قراره ربط الأمر بالظروف الحالية، بعد أن لاحت بوادر توقف المساعدات التي يقدمها الاتحاد الأوروبي للصيادين الأسبان الذين تضرروا من توقف اتفاقية الصيد البحري. وإلى جانب ذلك الحيلولة دون تأثر مفاوضات الاتحاد الأوروبي مع دول أخرى في مجال الصيد، وهي مفاوضات تطال ما يناهز 600 سفينة صيد أخرى تشتغل في مصايد دول قد تفكر هي الأخرى في رفع سقف مطالبها المالية أسوة بالمغرب.
  • مواجهة النزعة السيادية لدى المغرب:
    ذلك أن مدريد تسعى لمواجهة ما تعتبره استيقاظا متناميا للنزعة السيادية للمغرب، خاصة بعد ارتفاع حدة النقد للموقف الإسباني السلبي في قضية الصحراء ودعمها غير المباشر للبوليساريو وصولا إلى استدعاء السفير المغربي للتشاور بسبب الموضوع، والتلويح بتجاوز مسألة إنشاء خلية تفكير حول مستقبل المدينتين المحتلتين، وطرح الأمر على الأمم المتحدة في إطار تصفية الاستعمار.
  • اختبار القوة الاقتصادية لإسبانيا في المغرب:
    ويعبر هذا الهدف عن مسعى إسباني لاختبار قوة وفعالية حضور مدريد الاقتصادي في المغرب لإنشاء علاقة تبعية سياسية ممهدا الطريق لتبعية عسكرية وإستراتيجية، وهو منزع خطير في السياسة الخارجية الإسبانية، بدأ يبرز في الأدبيات الإستراتيجية والعسكرية الإسبانية، ويمثل إحياء لمنطق "الاستعمار الجديد"، وتفعيلا للأدوات الجديدة في علاقات القوة والهيمنة في عالم ما بعد الحرب الباردة، ونشير هنا إلى أن تهديدات خوسيه ماريا أزنار وسلسلة المواقف الإسبانية المستفزة لا تذكر إلا ما هو معلن في هذه الأدوات، أي المساعدات المالية، والاستثمارات والديون، أما ما هو مسكوت عنه، فيتعلق بما هو عسكري (إسبانيا هي أحد مصادر التسلح بالنسبة للمغرب)، وأمني وإستراتيجي فقلما تتحدث عنه.

أبعاد الحضور الاقتصادي الإسباني في المغرب
وهنا نتوقف لبسط أبعاد الحضور/ النفوذ الاقتصادي الإسباني بالمغرب، الذي يتضمن مستويات خمسة، المبادلات التجارية، مداخيل السياحة، تحويلات العمال المهاجرين، الاستثمارات، الدين الخارجي العمومي.


  1. على مستوى الصادرات المغربية تعد إسبانيا الزبون الثاني للمغرب بنسبة 10.7% (7.8 مليارات دولار، الدولار= 11 درهما) عام 1999 و12.7% (10.02 مليارات درهم) عام 2000، وعلى مستوى الواردات الإسبانية، فهي أيضا الممون الثاني للمغرب بنسبة 11.1% (11,77 مليار درهم) عام1999 و9.8% (11.9 مليار درهم)
    المبادلات التجارية:
    حافظت إسبانيا في السنوات الأخيرة على موقع أساسي في المبادلات الخارجية للمغرب، فعلى مستوى الصادرات المغربية تعد إسبانيا الزبون الثاني للمغرب بنسبة 10.7% (7.8 مليارات درهم مغربي) (الدولار الأميركي = 11 درهما مغربيا) في 1999 12.7% (10.02 مليارات درهم مغربي) عام 2000، وعلى مستوى الواردات الإسبانية، فهي أيضا الممون الثاني للمغرب بنسبة 11.1% (11.77 مليار درهم) عام 1999 و9.8% (11.9 مليار درهم) ولا ينافس إسبانيا في هذا المجال إلا فرنسا التي تتجاوزها بما يقرب من ثلاث مرات. والملاحظة الأساسية في هذا المجال هي أن العجز التجاري هو لصالح إسبانيا، فهي الرابح الكبير من هذه العلاقات الاقتصادية، حيث تبلغ قيمة العجز ما يقرب من 3.9 مليارات درهم عام 1999 و1.7 مليار درهم عام 2000.
  2. على مستوى السياحة ومداخيلها: فإن إسبانيا هي البلد الثاني من حيث مصدر عدد السياح القادمين للمغرب بعدد يناهز 259 ألف سائح إسباني (9.9% من حيث إجمالي عدد السياح) إلا أن هذه النسبة لا تنعكس على المداخيل السياحية التي تبلغ نسبتها 5.7% من مجموع المداخيل بغلاف مالي 1.09 مليار درهم، حسب إحصائيات عام 1999.
  3. على مستوى الاستثمارات: نجد أن الاستثمارات تراجعت إلى أقل الثلث، بالمقارنة بين عامي 1999 و2000، ففي الأولى بلغت 2.076 مليار درهم 11.2% من مجموع الاستثمارات الخارجية وعام 2000 بلغت ما يناهز 600 مليون درهم 4.9% من مجموع الاستثمارات، كما أن عدد المقاولات الإسبانية العاملة في المغرب يقدر بـ600 مقاولة.
  4. أما ملف المديونية: والذي يكثر الحديث عنه، فإن حجم ديون إسبانيا على المغرب يقدر بـ13 مليار درهم مغربي، قامت إسبانيا بتحويل ما قيمته 1.27 مليار درهم (تم التحويل في إطار ثلاث اتفاقيات بدأ من فبراير/ شباط 1996، آخرها اتفاق الشطر الثالث في سبتمبر/ أيلول 2000 حيث تم الاتفاق على تحويل 40 مليون دولار أميركي أي حوالي 400 مليون درهم مغربي) ينبغي التنبيه هنا على أن خدمة المديونية المستحقة لإسبانيا تشكل عبئا وازنا على خدمة الدين الخارجي للمغرب، ففي سنة 1999، تم إقرار 1.229 مليار درهم في الميزانية العامة لصالح الدين الإسباني، وذلك من أصل غلاف مالي إجمالي لخدمة الدين الخارجي بقيمة 26 مليار درهم.
  5. تحويلات العمال المهاجرين: والتي يراهن المغرب عليها لتوفير العملة الصعبة، حيث يلاحظ أن قيمة التحويلات عام 1999 لا تتعدى 580 مليون درهم بنسبة 3.1% من مجموع تحويلات العمال المهاجرين المغاربة بالخارج، لتحتل بذلك الرتبة السابعة، وهي نفس رتبة عام 2000 رغم أن التحويلات ارتفعت في هذه السنة إلى 844 مليون درهم (3.8% مجموع التحويلات)، وهي مسبوقة بدول أخرى تضم عددا أقل من العمال المهاجرين كالولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وإيطاليا، فضلا عن فرنسا التي تعد مصدر ما يقرب من 50% من تحويلات العمال المهاجرين.

ومجموع هذه المستويات/ الأدوات تمثل الذراع العملية لإسبانيا للضغط على المغرب وتفسر محدودية هامش التحرك عند المغرب وكذا بقاؤه في موقع دفاعي بالأساس. فما هي احتمالات المستقبل؟

احتمالات المستقبل

تتأطر احتمالات المستقبل بثلاث مؤشرات:

  • اشتداد الضغط الفرنسي الأميركي لصالح الحل السياسي في الصحراء عن طريق الحكم الذاتي لمنطقة الصحراء الغربية مما سيفضي لعزلة الموقف الإسباني في الموضوع، وهو ما ظهرت بوادره في خطابات بعض المسؤولين الحزبيين الأسبان، ومن شأن ذلك أن يدفع إسبانيا إلى مراجعة موقفها ودعم مخطط جيمس بيكر وفي هذه الحالة سيعمل المغرب على تطبيع علاقاته مع إسبانيا.
  • الرئاسة الدورية لإسبانيا للاتحاد الأوروبي والمقرر ابتداؤها مع مطلع السنة المقبلة، وهو ما تقتضي أن تنزع إسبانيا نحو التوازن في سياستها الخارجية لا سيما أن هناك استحقاقات أوروبية مقبلة في مجال الشراكة الأورومتوسطية والرغبة في تفعيلها، وسيكون لذلك انعكاسه على الخطاب الإسباني تجاه المغرب الذي يعد طرفا رئيسيا في مشاريع الشراكة.
  • الانتقادات التي يوجهها الحزب الاشتراكي الإسباني لسياسة الحكومة بقيادة الحزب الشعبي الحاكم تجاه المغرب، وقد كانت زيارة الكاتب العام للحزب الاشتراكي العمالي مؤخرا للمغرب واستقباله من طرف الملك المغربي، فرصة لتجدد هذه الانتقادات وبروز تصدع سياسي كبير في الموقف الإسباني إزاء الموضوع، ونعتقد أن لذلك انعكاساته المستقبلية، لا سيما إذا ما أقدم المغرب على إعادة سفيره إلى مدريد.


المؤشرات الثلاثة آنفة الذكر لا تجعل الانفراج والتطبيع في العلاقات مسألة حتمية، خاصة بالنسبة للمؤشرين الثاني والثالث، حيث يبقى واردا أن تستغل إسبانيا رئاستها الدورية للضغط على المغرب من أجل الموافقة على شروطها في التطبيع، كما أن الحزب الحاكم يعمل على استغلال موقف الحزب المعارض لصالح المزايدات الحزبية الانتخابية مما يجعله يتشدد أكثر في الموقف من المغرب.

إن هناك تحديات معقدة ترهن مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية تهدد معها واقع المصالح الاقتصادية المشتركة، ويصعب توقع انفراج في العلاقات في ظل استمرار سيطرة اليمين مثلا في الحزب الشعبي على الحكومة وعجز الحزب الاشتراكي عن بلورة ضغوط فعلية لمعالجة الأزمة.

_______________
* باحث ومحلل سياسي مغربي

المصدر : غير معروف