بقلم: داود سليمان داود*

- إرهاصات التغيير
-
11 سبتمبر والعلاقات السعودية الأميركية
-
الدور الأميركي والانزعاج السعودي
-
الخلاف العميق: الوهابية وخلافة فهد
- إعادة صلح أم طلاق؟

شكلت معادلة النفط والأمن حجر الزاوية في العلاقات السعودية الأميركية التي اتسمت بالتقارب الشديد نظرا لما يمثله كل طرف من أهمية للطرف الآخر، فآل سعود رأوا في الولايات المتحدة حليفا قويا، في حين رأت الولايات المتحدة أن السعودية بما تمثله من ثروة نفطية وسلطة أبوية على دول الجوار في الخليج حليفا رئيسيا قادرا على دعم التوجهات الإستراتيجية الأميركية في المنطقة.

عبد الله بن عبد العزيز آل سعود بجانب جورج بوش
ومنذ لقاء الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس الأميركي روزفلت على ظهر الباخرة "كوينزي" عام 1945 انتقلت تلك العلاقة من مرحلة تبادل المصالح إلى مرحلة التحالف والتناغم، فقد اتكأت السعودية على العصا الأميركية في ممارسة دورها الأبوي وفرض توجهاتها السياسية على شقيقاتها الصغرى في منطقة الخليج العربي، خصوصا بعد سقوط طفل أميركا المدلل شاه إيران عام 1979م، وامتد النفوذ السعودي لأخذ دور فاعل في رسم السياسة العربية ليصل إلى آسيا وبالتحديد باكستان وأفغانستان، مشكلة بذلك قاعدة دعم متقدمة للولايات المتحدة التي لعبت دور الحارس للسعودية من أي أخطار خارجية قد تهدد أمنها، وقد اتسمت تلك العلاقات بالرسوخ والتميز رغم التباين الواضح بين النظامين السياسيين.


منذ لقاء الملك عبد العزيز بن سعود مع الرئيس الأميركي روزفلت على ظهر الباخرة "كوينزي" في العام 1945 انتقلت العلاقات السعودية الأميركية من مرحلة تبادل المصالح إلى مرحلة التحالف والتناغم
جاءت حرب الخليج الثانية لتوفي الولايات المتحدة بتعهداتها بحفظ أمن السعودية ومنطقة الخليج من الأخطار التي تهددها، إلا أن رياح التغيير بدأت تهب على تلك العلاقة لتغير بعضا من طبيعتها وربما لتغير من طبيعة التحالف الإستراتيجي بين الدولتين.

إرهاصات التغيير

رغم الترحيب الرسمي السعودي بالقوات الأميركية في حرب الخليج الثانية إلا أن الوجود الأميركي المكثف في السعودية وبقاء القوات الأميركية في السعودية أصبح مصدر إزعاج للنظام السعودي بعد تزايد الانتقادات لذلك الوجود غير المبرر للقوات الأميركية من وجهة نظر البعض.

وجاءت تفجير الخبر عام 1996 ليعبر عن هذا الاستياء وليدخل العلاقات الأميركية السعودية في منعطف جديد لم تعهده العلاقة بين الجانبين، فقد أسفر التفجير عن مقتل 19 جنديا أميركيا، ورفضت السلطات السعودية أن تشرك المباحث الفدرالية الأميركية بالتحقيقات أو المشاركة في استجواب المتهمين، وهو ما أثار استياء السلطات الأميركية.

حسني مبارك وعبد الله بن عبد العزيز وياسر عرفات
وتمكن الطرفان من تجاوز تلك الأزمة والتغاضي عما أحدثته من خلاف، وبقيت السفينة "كوينزي" مبحرة في بحار التقلبات الإقليمية ومحيطاتها، إلى أن جاءت الإدارة الأميركية الجديدة بقيادة جورج بوش الابن الذي علقت عليه المملكة آمالا واسعة بالتعاطف مع العرب والتعامل مع القضية الفلسطينية بشكل يحفظ بعضا من ماء الوجه للسياسة العربية، إلى أن اتضح للسعودية والنظام السياسي العربي أيضا أن بوش الابن وإدارته غير معنيين بالتدخل بالشأن الفلسطيني وردع الجانب الإسرائيلي، وكان أن انحرفت "كوينزي" مرة أخرى عندما دعا بوش الأمير عبد الله لزيارة الولايات المتحدة وتمنع الأخير عن تلبية تلك الزيارة، إذ إنه لا يرى جدوى من الزيارة إذا لم تؤد إلى نتيجة، وكرر بوش الدعوة وكرر الأمير عبد الله الرفض ما لم تكن تلك الزيارة مرتبطة بمبادرة تهتم بمعاناة الفلسطينيين.

11 سبتمبر والعلاقات السعودية الأميركية

امتد حطام برجي نيويورك ليسقط في بحر العلاقات السعودية الأميركية وليحرف السفينة "كوينزي" عن مسارها بشكل أكبر، ومع سحب الغبار المنبعثة من انهيار البرجين بدأت سحب الغبار تتكاثف في سماء العلاقات السعودية الأميركية بحيث أخذت العلاقة تأخذ منحنى آخر أشد انحرافا بين حليفي الأمس القريب.


بعد عواصف 11 سبتمبر/ أيلول أصبح كل طرف أشد رغبة للشكوى من الطرف الآخر، وكل منهما لديه الرغبة في إظهار هذا الخلاف للعلن والحديث عنه بشكل لم يعتد من قبل
اليوم وبعد عواصف 11 سبتمبر/ أيلول أصبح كل طرف أشد رغبة للشكوى من الطرف الآخر، وكل منهما لديه الرغبة في إظهار هذا الخلاف للعلن والحديث عنه بشكل لم يعتد من قبل، فالسعودية لم تكن بمنأى عن النقد في الصحافة الأميركية من قبل، وكانت موضوعات مثل السياسة الداخلية السعودية ووضع المرأة والأقليات والحقوق المدنية هي الموضوعات الأبرز في نقد السياسة السعودية.

إلا أن أسلوب النقد والموضوعات التي تطرقت لها الصحافة الأميركية حول السعودية هذه المرة تدل على أن هناك عناصر داخل الإدارة الأميركية تشجع الحملة على السعودية، فالعديد من الكتاب في الصحافة الأميركية يستندون في ما ينشرونه من معلومات بشأن السعودية إلى دراسات رسمية ومعلومات استخباراتية، وحسب بعض المحللين فإن بعض المسؤولين الأميركيين قد يكونون شجعوا مثل هذه الانتقادات بقصد إيقاع الضغط على السعودية لإجبارها على تغيير بعض مواقفها السياسية.

وفي مقابل الهجوم العنيف على السعودية في الصحافة الأميركية بدأت الصحف السعودية بحملة مماثلة شجعت فيها السعودية الصحف وكتاب المقالات على التعرض للسياسة الأميركية وانتقاد تحيزها لإسرائيل، إضافة إلى انتقاد الأصوات المعارضة للنظام السعودي داخل الإدارة الأميركية.

الدور الأميركي والانزعاج السعودي

لم يقف الخلاف الظاهري بين السعودية والولايات المتحدة عند آثار هجمات الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول التي اتهم فيها 15 سعوديا من بين 19 شخصا نفذوا العملية إضافة إلى وقوف أسامة بن لادن خلف تلك العملية، بل تعدى الأمر ليشمل التوجهات الأميركية في المنطقة العربية وعلى رأسها الدور الأميركي في فلسطين والعراق، وهو ما أبدت السعودية ضيقها منه، ولعل هذا هو ما دفع السعودية إلى اعتبار أن علاقاتها بواشنطن قد أصبحت عبئا عليها أكثر من كونها حليفا يمكن الركون إليه، وسببا في إثارة الرأي العام السعودي تجاه النظام هناك وعلاقته الوثيقة بالولايات المتحدة، وهو ما عبر عنه الأمير عبد الله ولي العهد السعودي عندما قال إن مصالح البلدين متباعدة وإن كل بلد يجب أن يذهب في سبيله.

ففي الشأن الفلسطيني أدى الدعم المتزايد وغير المحدود الذي تقدمه الإدارة الأميركية لإسرائيل وافتقارها للتوازن في معالجة الانتفاضة الفلسطينية، وعدم التعامل بشكل جدي مع مبادرة الأمير عبد الله حول القضية الفلسطينية، كل ذلك أدى إلى جعل السعودية تتحدث بشكل أكثر انفتاحا عن انحياز الإدارة الأميركية وتنتقد سياستها الخارجية.

لا تنكر دول الخليج العربي رغبتها في التخلص من النظام العراقي وظهور نظام سياسي جديد في بغداد، فحسب الأمين العام الأسبق لمجلس التعاون الخليجي عبد الله بشارة فإن الجميع بالخليج سيكون مرتاحا لتغيير النظام في العراق إلا أن أحدا لن يؤكد ذلك علنا، كما أن دول الخليج لن تضع العصا في العجلات حال شنت الولايات المتحدة حربا ضد العراق حسب ما يرى بشارة، إلا أن السعودية بالتحديد ترفض أن تشن الولايات المتحدة أي هجوم على العراق انطلاقا من أراضيها خوفا من تزايد الغضب الشعبي في الشارع السعودي، خصوصا في هذه المرحلة التي تواجه خلافا بين الطرفين وتتعرض فيه السعودية لنقد حاد من قبل الولايات المتحدة وتذمرها من الوجود العسكري الأميركي على أراضيها.

الخلاف العميق: الوهابية وخلافة فهد


ترفض السعودية أن تشن الولايات المتحدة أي هجوم على العراق انطلاقا من أراضيها خوفا من تزايد الغضب الشعبي في الشارع السعودي خصوصا في هذه المرحلة التي تواجه خلافا بين الطرفين وتتعرض فيه السعودية لنقد حاد من قبل الولايات المتحدة وتذمرها من الوجود العسكري الأميركي على أراضيها
يخفي الخلاف الظاهري بين السعودية والولايات المتحدة خلافا أعمق بين الجانبين وأكثر حدة، فهذه الخلافات يمكن أن ينظر لها على أنها حوادث عابرة واختلاف في التقدير والتعامل الشخصي بين الأفراد ويمكن تجاوزها والتغاضي عنها، فلطالما نظرت الولايات المتحدة إلى البنية السياسية السعودية على أنها تجلب المنفعة لها وتحقق لها إستراتيجيتها في المنطقة، إلا أنه وفي ظل التغييرات التي شهدتها الولايات المتحدة منذ قدوم بوش للبيت الأبيض وأحداث 11 سبتمبر/ أيلول باتت البنية السياسية السعودية وعوارضها تقلق صانع القرار الأميركي، ولا يمكن النظر للتسريبات حول مستقبل طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة إلا من خلال كونها جزءا من تفكير الإدارة الأميركية بمستقبل السعودية وكيفية التعامل معها.

المؤسسة الدينية
ولعل من أبرز الأمور التي يركز عليها صانعو السياسة الأميركية طبيعة العلاقة بين المؤسسة السياسية في السعودية والمؤسسة الدينية، إذ يصب منتقدو السياسية السعودية جام غضبهم على المذهب الوهابي السائد في السعودية الذي اعتمد عليه النظام السعودي في تثبيت دعائم حكمه، ويرى المنتقدون أن النظام الديني المدعوم من المؤسسة السياسية أخرج جيلا كاملا مليئا بالكراهية للولايات المتحدة ليس في السعودية فحسب بل في الدول الإسلامية التي تمول فيها السعودية المدارس، وحسب جيمسي وولسي المدير السابق للاستخبارات الأميركية فإن الوهابية تتشابه والقومية الصارمة التي سادت ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى ومهدت الطريق أمام ظهور هتلر.

ويتمثل المأزق السعودي بأن النظام السياسي المطالب بتهميش دور المؤسسة الدينية والقضاء على أسباب تغذية الكراهية للولايات المتحدة يحتاج في الوقت نفسه إلى المؤسسة الدينية لتخفيف حالة الاحتقان بالشارع السعودي والحفاظ على هدوء الجبهة السعودية الداخلية.

فهد بن عبد العزيز (يمين) وعبد الله بن عبد العزيز
خلافة الملك فهد
ولا يقف دور الولايات المتحدة عند المطالبة بإحداث طلاق بين المؤسستين السياسية والدينية في السعودية، بل يتعدى ذلك إلى ما ينقله البعض عن تدخل الولايات المتحدة بخلافة الملك فهد ودعم وتشجيع بعض التيارات في داخل الأسرة الحاكمة ليكون لها دور في مرحلة ما بعد الملك فهد، خصوصا في ظل ما يتناقل عن وجود صراع أجنحة داخل العائلة المالكة وعدم رضا البعض عن توجهات الأمير عبد الله، فالولايات المتحدة لا ترى في الأمير عبد الله شخصا مواليا لها تماما ومناسبا لتولي السلطة في السعودية، وذلك رغم حملة العلاقات العامة التي قام بها الأمير عبد الله، إذ ينظر إليه على أنه أشد قربا في توجهاته نحو الداخل العربي.

إعادة صلح أم طلاق؟


السعودية قد تجد الفرصة في الظروف الحالية مواتية لتغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة فإعادة علاقاتها مع بغداد ممكنة خصوصا بعد العناق الحميم بين الأمير عبد الله وعزت إبراهيم وبذلك تكون قد تخلصت من التهديد العراقي كما أن العلاقات السعودية الإيرانية في تحسن وتطور ملحوظ وهو ما سيساعد السعودية في تأمين جبهتها الخارجية
قد يستبعد تماما ما يقال عن خطط الولايات المتحدة الخاصة بتقسيم المملكة العربية السعودية، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن التقارير والدراسات التي تقدم إلى البيت الأبيض ووزارة الدفاع الأميركية حول الطبيعة التي يجب أن تسود العلاقة السعودية الأميركية وآخر هذه الدراسات ما صدر عن مؤسسة راند وتم عرضها أمام لجنة السياسة الدفاعية حيث أوصت باعتبار السعودية عدوا للولايات المتحدة وليست حليفا، وهو ما يعيد إلى الأذهان ما ذكر في السبعينيات من القرن الماضي حول خطة كاتنغا التي كانت تقضي بأنه حال حدوث تغيير في نظام الحكم بالسعودية فإن على الولايات المتحدة أن تشجع انفصال المنطقة الشرقية حيث حقول النفط ووضعها تحت الحماية الأميركية.

قد تكون هذه المخططات والمقترحات بعيدة عن التطبيق حاليا وأن الهدف من تسريبها وإعادة إحياء ما نسي منها وإخراجه من الأرشيفات الأميركية لا يمثل إلا نوعا من الضغط الذي تمارسه الإدارة الأميركية على النظام السعودي، على أنه لا يمكن التأكيد على أن الولايات المتحدة لن تلجأ لتطبيق مثل تلك الخطط.

لئن شكل النفط العامل الرئيسي في زواج المصلحة بين السعودية والولايات المتحدة فإنه يبدو أن الولايات المتحدة غير معنية كثيرا على الأقل في المرحلة الحالية بالنفط السعودي، فروسيا تعد من أكبر مزودي الولايات المتحدة بالنفط ولديها طاقة إنتاجية كبيرة تلبي الحاجة الأميركية، وهو ما يساعد الإدارة الأميركية على ممارسة الضغط على النظام السعودي للامتثال بصورة تظهره على أنه التابع والمنفذ للشروط الأميركية.

السعودية الفرصة المواتية
من خلال ذلك يمكن القول إن السعودية قد تجد الفرصة في الظروف الحالية مواتية لتغيير طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة وإرساء قواعد جديدة للتعامل بين الجانبين، فالسعودية قادرة على إعادة علاقاتها مع بغداد، خصوصا بعد العناق الحميم بين الأمير عبد الله وعزت إبراهيم نائب الرئيس العراقي، وبذلك تكون قد تخلصت من التهديد العراقي، كما أن العلاقات السعودية الإيرانية في تحسن وتطور ملحوظ، وهو ما سيساعد السعودية في تأمين جبهتها الخارجية ويجعلها في مركز قوة بالتصالح مع العراق وإيران.

وتبقى الجبهة الداخلية السعودية والتي يمكن تهدئتها من خلال إضفاء مزيد من الشفافية على النظام السياسي هناك وتحجيم دور أفراد أسرة آل سعود مما سيخفف من حالة الاحتقان الداخلي.

_______________
*كاتب صحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف