* بقلم/ محسن العواجي

بالرغم مما يقال عن تميز العلاقات السعودية الأميركية فإنها لم تكن يوما لتشبه تلك العلاقات المبنية على أسس ومفاهيم علمية يمكن على أساسها رسم الخطط الإستراتيجية وتحقيق المصالح المشتركة على غرار ما يحدث بين أميركا ونظيراتها كالمجموعة الأوروبية والصين واليابان.


حملات التنصير العالمية تتخذ من أميركا قاعدة وعمقا إستراتيجيا لها، بالمقابل قضايا المسلمين الدعوية والإغاثية وحتى الجهادية تتخذ من العمق السعودي منطلقا لها حيث مركز الإسلام وقبلة المسلمين
أيدولوجيا: الموقف الأميركي من "إسرائيل" يتعارض مع الموقف السعودي المعلن على الأقل، أميركا تعلن دعمها اللامحدود بينما اللغة السعودية تتحدث عن تحرير المسجد الأقصى. حملات التنصير العالمية تتخذ من أميركا قاعدة وعمقا إستراتيجيا لها بالمقابل قضايا المسلمين الدعوية والإغاثية و حتى الجهادية تتخذ من العمق السعودي منطلقا لها حيث مركز الإسلام وقبلة المسلمين.

وفي الوقت الراهن يمكن أن نعزو أغلب الأفكار الإسلامية المحافظة إلى أصول سعودية مباشرة أو غير مباشرة، والذي يحرج الإدارة الأميركية عالميا هو صعوبة وصف السعودية بأنها دولة حليفة وكونها منبعا للعمليات القتالية الفعالة عالميا في العقدين الماضين، فمن السعودية تدفقت بلايين الدولارات لخدمة أهداف إسلامية حقيقية وكان للدور الشعبي غير المتحكم به رسميا القدح المعلى في تلك النشاطات بمباركة أميركية حذرة، ولم تتوقع أميركا انقلاب السحر على الساحر على المدى البعيد حيث أغراها الأثر الآني عندما كانت تهدف إلى الحد من التنامي السوفياتي والروسي فيما بعد لتجد نفسها وحلفاءها في خندق المتورط فيما فعلوه.

الحكومة السعودية لا تخفي رغبتها الدائمة في علاقات خاصة مع أقوى دولة في العالم، ولم تكن أميركا بأقل حماسا لعلاقات حميمة قبل احتلال العراق، وبالرغم من الوجود العسكري المتقلب مع الأحداث كما وكيفا فإن الذراع الأقوى والدائم للهيمنة الأميركية الخفية هو النفط السعودي وشركة أرامكو تحديدا حيث لا تزال لأميركا كلمة الفصل في سياسة الإنتاج النفطية السعودية ولئن جربت السعودية في عهد الملك فيصل قطع البترول مرة واحدة فيستحيل اليوم أن تفكر القيادة السعودية تحت أي ظرف حتى لو وجد من هو أقوى من الملك فيصل في السلطة، الأمر الذي جعل الوضع السعودي الداخلي والخارجي مرتبطا بالمؤثرات الخارجية أكبر من تفاعله مع ضغوطات الداخل، ولعل في هذا فرصة أكبر للتعايش مع العالم بالرغم من الخسائر المعنوية والسيادية التي لا يمكن التقليل من شأنها.

السعودية ليست محتلة أميركيا ولكن أشك أن أميركا إذا أرادت شيئا من السعودية أن يواجهها أي صعوبة في تحقيقه، وإلى عهد قريب والتعامل بين البلدين محصور بين القيادتين منذ اللقاء التاريخي يوم 14 فبراير/ شباط 1945 بين الرئيس الأميركي روزفلت والملك عبد العزيز على ظهر الطراد الأميركي كوينسي في البحيرات المرة حيث حدد إطار العلاقة بعبارة روزفلت حين قال للملك "مصالحنا تتحقق بالتعاون على أن تكون لكم ثقافتكم ولنا ثقافتنا". حدث هذا في مرحلة كان الحاكم السعودي مضطرا إلى نقل انطباع مختلف لشعبه عن ذلك اللقاء بعيدا عما تم التفاهم عليه وفق المنظور السياسي الذي يصعب لشعبه آنذاك تفهمه.

هناك عامل آخر بعد النفط فرض على أميركا التركيز على السعودية رغم التنافر الفكري والديني بين الشعبين، ألا وهو الدور السعودي (المعتدل) سياسيا بين العالم العربي الراديكالي والثوري في العقود الماضية بما ينسجم مع الكثير من مواقف أميركا ومصالحها، والذي تجلى في مواقف لينة وانتشر بوسائل سعودية خاصة منها الإغراءات المادية للدول التي تحتاج إلى ترويض خاص وكذاك من خلال منظمة المؤتمر الإسلامي ورفع شعار التضامن الإسلامي.

وقد وصل الأمر إلى استحالة دعم الكونترا من المال الأميركي وسهوله تعويض ذلك من الكرم السعودي كما وصفه دونالد ريغان رغم استحالة أي مصلحة سعودية–نيكارغوية، ناهيك عن البعد الجغرافي والسياسي، ولولا هذه المغريات لما سكتت أميركا عن دولة غير ديمقراطية تضم بين جنباتها المتناقضات الجغرافية والطائفية دونما ضغوط تذكر لعلاجها.


السعودية دولة لها وزنها لكنها لا تملك مقومات التماسك الطبيعي لشعبها إلا من خلال القبضة الحديدية لتجمع بين شيعي متطرف في الشرق وصوفي متطرف في الغرب وإسماعيلي متطرف في الجنوب وكوكتيل في الوسط من السلفية الحنبلية الوهابية التي بطبيعتها متنافرة
والحقيقة أن ما نراه اليوم من اضطراب و تململ ثنائي بعلاقاتهما أقرب إلى الوضع الطبيعي وكان متوقعا، فدواعي الصدام تفوق دواعي الانسجام السياسي بين البلدين لولا طبيعة الأسرة الحاكمة المهادنة في التعامل مع جميع الأطراف يقابله نفاق رسمي يراعي مصالح أميركا الإستراتيجية على حساب حقوق الشعوب من غير مواطنيها.

إبان الحرب الباردة كانت أميركا منشغلة بترتيب الوضع العالمي مع خصمها اللدود، فانشغلت ثانية بعد انهياره بترتيب وفرز الغنائم وكان الأمر بينها وبين السعودية محل غض طرف ومجاملة حتى وضعت الأمور على المحك الحقيقي لأول مرة إبان غزو العراق للكويت في أغسطس/ آب 1990، فكان استخدام أميركا لمجلس الأمن في محيط سياستها التوسعية متزامنا مع استخدام الحكومة السعودية لهيئة كبار العلماء في الداخل لإضفاء شرعية على وجود الجيش الأميركي علنا مما نتج عنه أفول لنجومية الجهتين (هيئة الأمم وهيئة كبار العلماء) على حد سواء، وعندها حدث الزلزال الذي لم يقتصر أثره على خلخلة النسيج الشرق الأوسطي فحسب بل تعداه إلى أميركا نفسها فكانت أشد ضربة في عقر دارها بعد 12 سنة، مع أحداث سبتمبر/ أيلول وما تبعها من تداعيات متوالية تحشر أميركا يوما بعد يوم في أنفاق مظلمة.

الحقيقة المرة هي أن السعودية دولة لها وزنها ولكنها لا تملك مقومات التماسك الطبيعي لشعبها إلا من خلال القبضة الحديدية لكي تجمع بين شيعي متطرف في الشرق وصوفي متطرف في الغرب وإسماعيلي متطرف في الجنوب و(كوكتيل) في الوسط من السلفية الحنبلية الوهابية التي بطبيعتها متنافرة.

فيما مضى كان بمقدور الأسرة الحاكمة أن تتبوأ مكانة القاسم المشترك والجامع الشرعي نظرا لوهابيتهم المخملية المعلنة وليبراليتهم الخاصة المبنية على معطيات دولية حديثة لا يملكون حيالها أي خيار سوى الاستجابة للتحديات الدولية، تزامن مع هذا مجاملات داخلية للتيارات المحافظة سرعان ما انكشفت مع غزو قنوات الفضاء والإنترنت وأفول نجومية هيئة كبار العلماء مقابل تزايد شعبية العلماء الشباب والمفكرين المنادين بإصلاحات شاملة تختلف تماما عمن كان يرى الصلاح محصورا في الاحتساب فقط بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دون مساس للحاكم والمال والحكم والمحاكم ومؤسسات المجتمع المدني.

من الواضح أن اللغة الإعلامية التي تستخدمها الإدارة الأميركية في الآونة الأخيرة لم يعتدها السعوديون فيما مضى، حيث أدركت إدارة بوش بأنها على مهب الريح خاصة أن الحملة على الإرهاب باهضة التكاليف ماديا (مليارات الدولارات) وعسكريا (قتلى يوميا) وسياسيا (الانتخابات على الأبواب) مع تنامي الدعوات الشعبية الأميركية لسحب القوات من العراق، وإلى حينه لم تحقق الأهداف الكبرى من الحملة وهي القبض على بن لادن والملا عمر وصدام حسين وتقديمهم للعدالة كما وعد بوش، دون أن ننسى الشعبية الكاسحة لبن لادن في المجتمع السعودي وكونه يحمل جنسيتها.

من هنا وجدت أميركا نفسها محاصرة بين أهداف يصعب تحقيقها وبين انتخابات قد تغير الطاقم القيادي بأكمله خاصة إذا نجح الديمقراطيون بتوظيف الإخفاقات الجمهورية في الداخل والخارج لصالحهم، وخرجت التحقيقات بمقتل ديفد كلي في بريطانيا بنتائج سلبية على حكومة توني بلير لتنعكس سلبا على الحزب الجمهوري بالبيت الأبيض ووقوعه في المأزق الذي قد يمنع إعادة انتخاب رئيس جاء أصلا بقرار محكمة وليس بقرار الشعب، ولعل هذا هو الدافع الرئيس لرفع وتيرة الحملة الأميركية البريطانية الأسترالية على السعودية لإشغال الإعلام عن أكبر عمليتي غش مورست ضد الشعبين الأميركي والبريطاني لتبرير غزو العراق.


التخبط والغموض الأميركي يقابله تخبط وغموض سعودي أيضا، تصريحات المسؤولين تبعث على الحيرة فما يصدر من السفارة في واشنطن يختلف عما يقال في الداخل غير أن الشعب السعودي لم يعد إمعة كما كان في الماضي
التخبط والغموض الأميركي يقابله تخبط وغموض سعودي أيضا، تصريحات المسؤولين تبعث على الحيرة فما يصدر من السفارة في واشنطن يختلف عما يقال في الداخل، غير أن الشعب السعودي لم يعد إمعة كما كان في الماضي ولأول مرة في تاريخه منذ عام 1926 بدأ يتسلل إلى بعض مربعات الحلبة السياسية وأصبحت له كلمة لها وزن يصعب تجاهله رسميا.

ولا يفوتني التنويه بأنه كلما ازدادت حدة المواقف الأميركية المعلنة ضد المملكة كلما تقارب الساسة والمفكرون ودعاة الإصلاح نسبيا، حيث أجواء الحس الوطني ووحدة الكلمة والسيادة، ومع تنامي الحركات المتشددة ووقوع بعض الحوادث الدموية في السعودية يصبح لزاما على صاحب القرار السياسي السعودي شاء أم أبى أن يسارع بإعطاء هامش أكبر للإسلاميين الوسطيين والمفكرين المخلصين والوطنيين من أي طيف لملء الفراغ الناجم عن ضعف المؤسسة الدينية الرسمية وغياب أكثر رموزها شعبية، وضعف الموافق الرسمية تجاه العدوان الأميركي العام، وبروز المفكرين الإسلاميين برؤاهم الحديثة للدولة الإسلامية المعاصرة، مما يجعل الدولة أمام خيار صعب لا مناص منه ألا وهو الاستجابة للمطالب الشعبية الإصلاحية وتقديم المزيد من التنازلات والتخلي عن الامتيازات الخاصة التي كان من سابع المستحيلات التفكير فيها ونقدها علنا قبل تفاقم الأوضاع الأقليمية ووصول الأمر إلى مرحلة الخطر الجماعي الذي لم يعد يقبل معه لا مجاملة ولا تطبيل.
ــــــــــــــــــ
* كاتب سعودي

المصدر : غير معروف