بقلم: نور الدين بوشا*

 - خلفية تاريخية عن الصومال       
- أثيوبيا والصومال.. صراع التداخل    
- الخريطة السياسية الصومالية   
- احتمالات التدخل الأمريكي    
- دور دول الجوار   
- دور المعارضة الصومالية   
- رد الفعل العربي والإسلامي المتوقع   
- سيناريوهات المستقبل

أعلنت الولايات المتحدة ومنذ الوهلة الأولى من بدأ حملتها ضد ما تسميه الإرهاب أنها لنن تتوقف عند أفغانستان بل ستستمر في حربها وستلاحق أعداءها أين ما وجدوا سواء كانوا منظمات أو دولا. بل ذهب صقور الحرب في أمريكا إلى أبعد من ذلك حيث أعلن الرئيس الأمريكي في الحفل الأخير للبحرية الأمريكية أن أمريكا لن تسكت على أي دولة تخالف رأيها فيما تسميه الدول المارقة، بل ستعيدها إلى الصف الأمريكي أو لن تنعم هذه الدول براحة.

ويقف في الصف بعد أفغانستان عدد من الدول في مقدمتها الصومال واليمن والعراق ويبدوا أن الصومال أكثر هذه البلدان حظوظا ليكون المحطة الثانية وأنسبها وليكون فريسة سهلة للثور الأمريكي الهائج فيما لو قرر صقور الحرب مواصلة المسيرة.

خلفية تاريخية عن الصومال

محطات أساسية:
-المساحة: 350000 كم2.
-الاستقلال: 1960 م 
-انقلاب عسكري عام1964 وقع بقيادة الجنرال محمد زياد بري
-الحرب مع أثيوبيا: عام  1977
-الحرب الأهلية وسقوط نظام زياد: عام 1991.
-دخول القوات الأميركية والمجاعة: عام 1992 
-انسحاب القوات الأميركية: عام 1994
-تنصيب الجنرال محمد فارح عيديد رئيسا: عام 1995
-وفاةعيديد وتنصيب ابنه: عام 96 في قيادة الفصيل.
-الفيضانات: في عام 97 
-عقد مؤتمر المصالحة في جيبوتي: عام 2000 واختير عبدي قاسم صلاد ، رئيسا

في القرن التاسع عشر بدأ الفرنسيون والإيطاليون محاولاتهم للسيطرة على مناطق من القرن الإفريقي و أسست بريطانيا محمية عام 1887 م. وفي عام 1888 م وقعت اتفاقية مع فرنسا حدد فيها المناطق التابعة لهما. إيطاليا من جانبها حصلت على محمية صغيرة عام 1889م  وفي عام 1925م ضمت إليها منطقة جبل لاند من كينيا و كذلك المناطق الصومالية المتاخمة لإثيوبيا والمعروفة بأوغادين عام 1936م.

وبعد هزيمة الإيطاليين في الحرب العالمية الثانية ضمت مستعمراتها في المنطقة إلى المستعمرات البريطانية وسميت الصومال ومنحت حكم ذاتيا عام 1956 م ونالت الاستقلال عام 1960 م بمساحة قدرها 350000 كم2. وضمت أجزاء أخرى إلى إثيوبيا وكينيا. ومنحت جيبوتي " الصومال الفرنسي" الاستقلال عام 1965م. 

ومنذ الاستقلال بدأت الدولة الجديدة في الصومال بالمناداة بالصومال الكبرى في رغبة جامحة في لم شمل الصوماليين الموزعين على الدول المجاورة مما أدى إلى حرب طاحنة بينها وبين إثيوبيا عام 1064 م على إقليم أوغادين. وفي عام  1964  وقع انقلاب عسكري بقيادة الجنرال محمد زياد بري الذي نادى بتبني النظام الشيوعي في البلد واتبع سياسات القمع والتنكيل ضد معارضيه مقابل الحصول على مساعدات سخية من الاتحاد السوفيتي حين ذاك.

وفي عام  1977م انفجرت حرب طاحنة بين إثيوبيا على إقليم أوغادين واحتل الصوماليون أجزاء كبيرة من إثيوبيا حتى وصلوا إلى مناطق في العمق الإثيوبي في هرر وبالي ولكنهم تراجعوا تحت الضغوط الأمريكية والدولية مما أحدث  نكسة نفسية للجيش الصومالي الذي حرم من النصر المؤكد وعندها بدأ العد التنازلي لسقوط نظام زياد والذي سقط فعلا عام 1991م  بعد حرب دموية مع الثائرين ضده. بعدها دخل البلد في دوامة حرب أهلية أتت على الأخضر واليابس ورافقها مجاعة أودت بالكثير من الأرواح.

واستولت الحركة الوطنية الصومالية على مقاليد الأمور في الشمال الصومالي" الصومالي البريطاني"  وأعلنت من طرف واحد جمهورية أرض الصومال. وعلى الرغم من الصراعات القبلية التي تنفجر بين الحين والأخرى فإن هذا الجزء بقي هادئا إلى حد ما. وحافظ  بقيادة محمد إبراهيم عقال على سلام نسبي وحياة هادئة نسبيا رغم عدم حصوله على الاعتراف الدولي. أما الأجزاء الجنوبية من الصومال ومنها العاصمة مقديشوا فقد سيطر عليها المؤتمر الصومالي المتحد ولكن انفجرت حرب طاحنة بين القبائل المتنافسة.

وفي عام 1992 ومع المجاعة التي عمت البلد دخلت القوات الأمريكية مع مجموعة من دول أخرى إلى الصومال تحت غطاء حماية المساعدات الإنسانية وتحولت قيادة هذه القوات إلى الأمم المتحدة عام 1993 م  وتعرضت هذه القوات وخاصة الأمريكية منها لضربات قوية من المقاومة الصومالية عندما محاولتها القبض على الجنرال محمد فارح عيديد وأخيرا انسحبت هذه القوات عام 94. وفي عام 1995 نصبت بعض الفصائل عيديد رئيسا ولكن لم ينضو الكثير من الفصائل تحت لوائه وبقي البلد دون حكومة مركزية. وتوفي عيديد عام 96 إثر جراح بالغة في حرب الفصائل المتنافسة ونصب ابنه الجندي السابق في البحرية الأمريكية وارثا لوالده في قيادة الفصيل.

وفي عام 97 أصيب البلد بفيضانات كاسحة وبقي حتى نهاية التسعينيات دون محاولات جادة لإيجاد حكومة مركزية. وفي عام 2000 تم عقد مؤتمر وطني في جيبوتي ونتج عنه وثيقة وطنية " دستور مؤقت " واختير عبدي قاسم صلاد ، المسئول السابق في عهد زياد بري رئيسا وتوجه إلى مقديشو في أغسطس من تلك السنة ولكن رفض أربعة من أمراء الحرب المتمركزين في جنوب الصومال الاعتراف بالحكومة الجديدة.

أثيوبيا والصومال.. صراع التداخل

إن فهم العلاقات العربية الإثيوبية مقدمة أساسية لفهم العلاقات الإثيوبية الصومالية  ذلك فإن العلاقات الصومالية الإثيوبية ماهي إلا جزئية من إحدى جزئيات العلاقات العربية الإثيوبية.

وإذا نظرنا إلى العلاقات العربية الإثيوبية بصورة  مختصرة نجد أنها علاقات تتسم بالجفاء والشكوك أحيانا وبالتوتر والصراع حينا ثانية وبالمجاملة السياسية حينا ثالثة. ولم تخرج هذه العلاقة من هذه الأطر في يوم من الأيام. وهناك عوامل أساسية تلعب دورا هاما في تحديد مدى ونوعية هذه العلاقة وهذه العوامل هي:

  1. الصراع التاريخي بين السودان وإثيوبيا من جهة والصومال وإثيوبيا من جهة أخرى ومحاولة إثيوبيا سد أي مد إسلامي سواء كان عسكريا أو ثقافيا من هذين الجانبين.
  2. ضم إثيوبيا لإريتريا وما تلا ذلك من حرب التحرير واستقلال اريتريا وصراع البلدين على الحدود وموقف الدول العربية من ذلك كله.
  3. السياسات الإثيوبية نحو منابع نهر النيل وموقف مصر والسودان تجاه هذه السياسات.
  4. العلاقات الإثيوبية الصومالية وتأثيرها على العلاقات العربية الإثيوبية.
  5. العلاقات الإثيوبية الإسرائيلية. 
  6. السياسات الإثيوبية تجاه المسلمين في إثيوبيا. 

وبطبيعة الحال فإن علاقة كل دولة عربية بإثيوبيا لها وضعها الخاص في وقت معين وتحت تأثير عامل معين ولكن العلاقات العربية الإثيوبية في مجملها لم تخرج عن هذا الإطار ومن تأثير هذه العوامل. وإذا انتقلنا على جزئية العلاقات الصومالية الإثيوبية فالمسلمون في الصومال كانوا القوة الوحيدة المساندة للممالك والسلطنات الإسلامية في صراعها مع ملوك وسلاطين النصارى في الحبشة في القرن الخامس عشر والسادس عشر. ولم تنشأ إثيوبيا الحديثة والنصرانية رسميا حتى عهد قريبا إلا بعد القضاء على الممالك الإسلامية وضمها إلى مناطق نفوذها عنوة وبالاستعانة بالقوى الاستعمارية في المنطقة. وهذا هو سر كون غالبية سكان إثيوبيا مسلمين مع أن الدولة نصرانية.

من بين المناطق التي ضمت إلى إثيوبيا هو أجزاؤها الشرقية والجنوبية في منطقة كبيرة والمعروفة بإقليم أوغادين. وهذه  منطقة صومالية بحتة وطالب بها الصومال استقلاله وعلى هذا الإقليم انفجرت حربان بين البلدين. ومنذ أواسط الثمانينيات والبلدان يحتضنان ويدعمان القوى المعارضة لنظام البلد الآخر. وبعد سقوط نظام زياد بري ودخول الصومال في دوامة الحرب الأهلية أصبحت إثيوبيا طليقة وحرة في تجاوز الحدود الصومالية إلى الداخل لضرب الجبهات الصومالية والأورومية المطالبة بالاستقلال عن إثيوبيا، وخاصة الاتحاد الذي تريد أن تجعل منه إثيوبيا تنظيم القاعدة الثاني،  وذلك بحجة أن ليس في الصومال حكومة مركزية قوية تتحكم على حدود الصومال وحملتها في عام 96 المشابهة للحملة الأمريكية الحالية في أفغانستان معروفة لدى الجميع .

بالإضافة إلى ذلك فإن لإثيوبيا علاقات خاصة مع الفصائل الصومالية المتنافسة ولو أن ولاء هذه الفصائل لإثيوبيا يتغير من وقت لآخر حسب تغير ميزان القوى لصالح هذا الفصيل أو ذاك. وهدف إثيوبيا من هذه العلاقات ليس سوى محاولة منها لهندسة الخريطة السياسية الصومالية وإقامة حكومة صومالية ليس لها طموحات في لعب دور معين في المنطقة ولا تثير الدعاوي الصومالية الشعبية ضد إثيوبيا. 

واليوم ومع بروز ملا مح ومؤشرات حكومة مركزية في الصومال بدأت إثيوبيا بمعارضتها لهذه الحكومة واحتضان ودعم معارضيها، وهم أعداء إثيوبيا سابقا، واتهام هذه الحكومة بأن لها علاقات مع التنظيمات الإرهابية والإسلامية الرجعية. وحسب تصريحات وزير خارجيتها ومسئولين آخرين  فإن إثيوبيا على استعداد لاتخاذ أصعب الخطوات وأمرها لاقناع هذه الحكومة بالتخلي عن هؤلاء الإسلاميين  وإن لم يحصل  ذلك فالمواجهة بكل الوسائل المتاحة.  

الخريطة السياسية في الصومال

قبل النظر في الخريطة  السياسية في الصومال لابد من النظر في مسألة مهمة جدا فيما يتعلق بهذه الخريطة. وهي أن الخريطة السياسية غير ثابتة، بل إنها خريطة ديناميكية قابلة للتحرك تبعا لتوازنات المصالح المعارك العسكرية والتغيرات السياسية وذلك لأن الخلاف في الأصل بين هذه القوى والفصائل ليس اختلافا فكريا وإنما هو صراع على السلطة.

وبعد نجاح المبادرة الجيبوتية في جمع معظم القوى الفاعلة في الصومال وتوصل هذه القوى بعد مفاوضات مضنية إلى نتائج إيجابية تصاعدت الآمال بقرب الوصول إلى الفصل الأخير من المأساة الصومالية المستمرة منذ عقد من الزمان. هذه المبادرة وتلك المفاوضات أثمرت:

  • تشكيل برلمان وطني
  • انتخاب رئيس للبلاد في نهاية شهر أغسطس 2000م 
  • توقيع دستور مؤقت 

ورحبت القوى الدولية والإقليمية على اختلاف مصالحها ومواقعها بهذا التطور مبدئيا مما أعطى دفعة قوية للمؤسسات الجديدة ورئيسها. وقام الرئيس الجديد بزيارات لعدة دول وحضر إلى العديد من  المحافل الدولية طالبا الدعم  وموضحا سياسات الحكومة الجديدة في المساواة بين الصومالين و جديتها في المصالحة الوطنية و بناء صومال  موحد وحر. وحظيت هذه الخطوات كذلك بدعم شعبي عبر عن رغبته الملحة في طي صفحات التشرذم وبدء صفحة جديدة بميلاد دولة واحدة لشعب واحد. ولكن هذه الآمال وتلك الأماني لم تدم طويلا فتأخر تشكيل الحكومة الجديدة ألقى بظلال من الشكوك على الصعوبات التي يواجهها أصحاب المبادرة، وبين الحين والآخر تندلع اضطرابات مسلحة بين عناصر وفصائل متنافسة في مقديشو وما حولها وليس للحكومة الجديدة دور قوي في  إيقافها والتحكم عليها. بالإضافة إلى الحكومة هناك فصائل المعارضة والتي كونت المجلس الوطني للمصالحة في خطوة مضادة لتكوين الحكومة المركزية.

  • فصيل عيديد:
    يأتي في مقدمة هذه الفصائل  فصيل محمد عيديد الذي يتمركز في المناطق الجنوبية ولا يمكن أن يرضى بأن أن يكون أقل من الرجل الأول في الصومال. وفي الفترة الأخيرة اتخذ عيديد من إثيوبيا مقرا غير رسمي وبدأ يلقي تصريحات معادية للحكومة يتهمها فيها بأنها تؤوي الإرهابيين. وتتخذ إثيوبيا من عيديد حاليا رغم عدائهما السابق حليفا قويا للتأثير على هندسة الخريطة السياسية في الصومال.
  • حكومة "بونت لاند":
    وهناك عبد الله يوسف وحكومته في " بونت لاند " في الشمال الشرقي والذي يتهم الشمال بالانفصال التام وأن حكومته ما هي إلا إقليمية ويؤيد الفدرالية كحل بديل عن الحكومة المركزية، ويمكن إرضاء جماعته بتعيين أحد أفرادها في منصب قيادي في الحكومة المركزية.
  • جمهورية أرض الصومال:
    أما على مستوى الشمال فهناك جمهورية أرض الصومال التي أعلنت الانفصال منذ انهيار الحكومة المركزية في مقديشو قبل عقد من الزمان ويرون أن ليس لهم حاجة في الجنوب وأنهم عانوا منه في السابق. وهذه "الجمهورية" لها علاقات وطيدة مع إثيوبيا وحققت نوعا من الاستقرار الأمني وشهدت نشاطا اقتصاديا لا بأس به وليس من السهل إقناعها إلا إذا حصلت على ضمانات قوية بأنها لن تعاني مما عانته من نظام زياد بري. 
  • الحركات الإسلامية:
    من الجماعات النشطة على الخريطة السياسية الجماعات الإسلامية وفي مقدمتها المحاكم الشرعية التي نالت الكثير من التأييد الشعبي وعلى خلاف مع أمراء الحرب الذين لا يحبذون هذه المحاكم والقائمين عليها.
    وإذا نظرنا إلى الحركات الإسلامية في هذا البلد كتيار سياسي واجتماعي فإن وجودها يعود إلى فترة الاستعمار وبدايات فترة الاستقلال، ولكنها لم تتبلور فكريا وسياسيا وتأخذ الطابع التظيمي إلا في العقد الأخير من القرن العشرين وخاصة بعد عودة المبتعثين للتعليم في دول عربية كمصر والسودان والسعودية، وتخرج جيل من المعاهد الإسلامية المحلية وبدئهم العمل في مجال التربية والتعليم. ولقد كانت هذه الحركات وخاصة تلك التي ترفع شعارات الإسلام منهج حياة موضع ضربات  نظام زياد بري، وبلغت هذه الضربات ذروتها بالقتل الجماعي للعلماء والشباب الإسلامي في المساجد في المنتصف الثاني من الثمانينيات.
    ومع سقوط نظام زياد ونزول الشعب الصومالي إلى الساحة بكل مآربه ومشاربه سنحت للحركات الإسلامية فرصة جيدة للتنظيم والتربية والتعليم وإيصال رسالتها للشعب الصومالي وممارسة الأنشطة المدنية بعيدا عن اضطهادات الدولة البوليسية. ولم يستفد من الوضع الفوضوي في الصومال استفادة إيجابية إلا الإسلاميون حيث تمكنوا إلى حد ما من ترك النزاعات القبلية جانبا والانخراط في التربية والتعليم وبناء مؤسسات مدنية وتوفير خدمات اجتماعية. وذهبوا إلى أكثر من ذلك وساهموا في فض الكثير من نزاعات القبائل والفصائل وأسسوا مؤسسات مالية وتعليمية  بل ومحاكم شرعية ساهمت كثيرا في استقرارا الوضع في مناطق نفوذهم وأصبحوا موضع ثقة الكثير من طبقات المجتمع الصومالي. وإذا نظرنا إلى الخارطة الصومالية فإننا نجد تمثيلا لكل توجهات وتيارات الحركة الإسلامية الموجودة في العالم العربي فهناك الإخوان المسلمون والحركات السلفية والجهادية والتبليغية بل حتى الهجرة والتكفير ولو بصفة ضيئلة جدا، والصومال في هذا ليس بدعا من غيره من العالم العربي والإسلامي ومن يشابه أباه فما ظلم.واليوم فإن الضربات الأمريكية التي تلوح في الأفق ينظر إليها باعتبارها حربا على هذه الحركات.  


 احتمالات التدخل الأمريكي في الصومال

يذكر الجميع تدخل الولايات المتحدة في الصومال عام 92 بحجة توفير الحماية العسكرية للمساعدات الإنسانية. ومن المعلوم أن ذلك التدخل تم في عهد جورج بوش الوالد ، ونعرف جميعا أن تدخلها في ذلك الوقت لم يكن لما أعلنته وإنما كان لهدفين  أساسيين:

  •  أولا:-  مساندة الوضع المخلخل في إثيوبيا من أي ضربات محتملة  من الجماعات التي لا تؤمن بأثيوبيا والتي تطالب بالاستقلال. وقد كانت المعادلة في ذلك الوقت هي التضحية إما بإثيوبيا أو الصومال بعد انهيار النظامين الشيوعيين في البلدين والفوضى التي دبت في الدولتين وكان من المتوقع أن تتفتت إثيوبيا إلى دول وجماعات خاصة إذا نهضت حكومة قوية في الصومال تدعم الصوماليين الأثيوبيين الذين يطالبون بالاستقلال عن إثيوبيا حتى هذه اللحظة ويعلم الأمريكان ما يعنى زوال أو ضعف ا لدولة الإثيوبية لذا قرروا التدخل في الصومال  وإشاعة الفوضى وتفويت الفرصة على القوى الإسلامية والوطنية في الصومال وإثيوبيا من أي استغلال محتمل للوضع.
  • ثانيا:- إن أحلام أمريكا ومحاولتها لإيجاد موطئ قدم لها  في شرق إفريقيا وخاصة على سواحل البحر الأحمر وبحر العرب طموحات تاريخية يعرفها الجميع، الغرض منه الالتفاف على العالم الإسلامي ومحاصرته وخاصة دول الخليج وشمال إفريقيا. وقد كان تدخلهم في الصومال حين ذاك هو محاولة جادة في هذا الاتجاه خاصة بعد سقوط نظام زياد بري ومواتاة الفرصة لهندسة الخارطة السياسية في الصومال. وقد حققوا الهدف الأول حين ذاك وهو مساندة الوضع في إثيوبيا ولكنهم لم يتمكنوا من تحقيق الهدف الثاني وترتيب الوضع في الصومال حسب رغبتهم وخرجوا وهم يعانون من ضربات المقاومة الصومالية.  

واليوم يعيد التاريخ نفسه وسيتدخل الأمريكان في الصومال و هذه المرة أيضا لمساندة الوضع في إثيوبيا ولإيجاد موطئ قدم لهم على سواحل البحر الأحمروالمحيط الهندي. وذلك بالمساهمة في إضعاف الحكومة الصومالية الجديدة والمتهمة رسميا من قبل إثيوبيا حسب تصريحات وزير خارجيتها أن لها علاقة مع الإرهابيين وأنه يسيطر عليها رجال أعمال شركات الصرافة والاتصالات الموالين للتوجه الإسلامي وأمريكا تشاطرها هذا الاعتقاد ولذا فإنه لا بد إن أمكن  من ترويض هذه الحكومة لتتخلى عن العناصر المشبوهة وتضم العناصر المرغوبة أو إزالتها. إنه لا يرضى أمريكا أن تقوم في الصومال حكومة  قوية وشعبية ليس لها فيها يد ونحن لا نزعم أن في الصومال الآن حكومة قوية وشعبية ولكن هناك اللبنة والبوادر الجيدة.

فهذه السنين من الحروب الأهلية والتمزق أنشأت جيلا جديد من الصوماليين تعود الحرية في التعبير وممارسة الأنشطة المدنية ولا يمكن إسكاتهم بفوهة البنادق. وأمريكا تخشى أن تتأسس في هذا البلد حكومة مارقة حسب تعبيراتها السياسية الجديدة وعندها تفقد منطقة استراتيجية جدا.

وما حصل في أفغانستان ليس تدميرا للقاعدة ولا إزالة لنظام طالبان بقدر ما هو إيجاد قاعدة لأمريكا في وسط آسيا حيث تكون الدول الإسلامية في جنوب آسيا ووسطها على مرمى حجر. وإن حصل في الصومال لن يكون إزالة للإتحاد الإسلامي الصومالي أو أي تنظيم آخر لا تريده أمريكا بقدر ما هو محاولة لإيجاد قاعدة لهم للتحكم في المنطقة.

إضافة إلى أن أمريكا تعاني من هزيمة نفسية جراء الضربات التي لحقت بها إبان تدخلها في الصومال عام92 وقد اتهمت حينها تنظيمات إسلامية بالضلوع في تلك الضربات لذا فإنه لاتستبعد رغبة أمريكا من الانتقام لاستعادة هيبتها. وعلى الرغم من وجود دلا ئل على إمكانية تدخل أمريكا في الصومال إلا أن هناك أيضا مؤشرات قد تدعو أمريكا إلى تأجيل هذه الضربات أو تعليقها في الوقت الراهن على الأقل.

  • فالحملة الأمريكية على أفغانستان لم تخلص إلى نتائج واضحة بعد ويصعب القول أنها تمكنت من تدمير تنظيم القاعدة أو أنها تمكنت من تأسيس حكومة أفغانية موالية لها فضلا من أن عدم قبضها على بن لادن ومعاونيه ذهب بنشوة النصر وهناك احتمالات كبير من اندلاع حرب عصابات في المستقبل.
  • بالإضافة إلى ذلك فإن التحالف الغربي بقيادة أمريكا ليس متحمسا معها في توسيع نطاق هذه الحرب في الوقت الراهن على الأقل.
  • والحكومة الصومالية ذهبت إلى أقصى حد ودعت الأمريكين لزيارة الصومال والاطلاع على الوضع عن كثب.

كل هذه العوامل ربما تدعو أمريكا إلى التريث في الأمر وانتظار فرصة أفضل ، ولكن من اليقين أنهم سيتدخلون في هذا البلد إذا وجوا أن الفرصة سانحة لأن المسألة ليس مسأل الاتحاد أو تنظيم القاعدة وإنما أكبر من ذلك بكثير وهذا معلوم للجميع.

دور دول الجوار

الدول التي تشترك في حدود برية مع الصومال هي إثيوبيا وكينيا وجيبوتي. وفيما يتعلق بجيبوتي فالواضح أنه دولة لاحول لها ولا قوة ولا تستطيع الانفراد برأي أو دور معين. أما كينيا فلا تعترض إن لم ترحب بأي تدخل أمريكي في الصومال لا يمس مصالحها. و معروف عنها بأنها دولة ليس لها أي طموحات سياسية أو عسكرية في المنطقة وكل ما تريده هو أن لا يمس أمنها ولا تركيبتها الاجتماعية بهذا التدخل. ولن تذهب إلى حد المشاركة الكاملة مع الأمريكان في حملتهم.

وتبقى إثيوبيا اللاعب الأساسي وذلك بحكم الموقع الجغرافي والكثافة السكانية وأكثر من ذلك النظام السياسي الذي له حساباته الخاصة. إثيوبيا دولة شرقية تقع جغرافيا في إفريقيا بل بالقرب من الجزيرة العربية وأكثر من نصف سكا نها مسلمون، وهذه حقيقة يعلمها الجميع، ولكن ما لا يعلمه الكثير هو أن الأنظمة السياسية المتعاقبة على هذه البلد تغافلت عن هذه الحقيقة ووضعت البلد سياسيا على الخارطة الغربية ظنا منها أن تقاربها مع الغرب وإنكار المسلمين في الداخل لأبسط حقوقهم المدنية سيحميها من أي خطر على وجودها كجزيرة محاطة ببحر من المسلمين. هذا التوجه للسياسة الخارجية الأثيوبية على مدى قرن أدى إلى جفاء بل وفي بعض الأحيان إلى توتر العلاقات الأثيوبية العربية. هذا النوع من التوجه مازال موجودا بين الساسة الإثيوبيين ولو أنه بدأ الجيل الجديد وخاصة في النظام الحاكم حاليا يدرك مدى أهمية العلاقة العربية الأثيوبية واتخذ خطوات جيدة للتقارب مع العرب ومنح المسلمين بعض حقوقهم. ورغم هذه الخطوات فإن لأثيوبيا حساباتها الخاصة.  

وقد جاءت الحملة الأمريكية في وقت ساد الاعتقاد فيه بقرب سقوط النظام الحاكم بسبب الإنشقاقات الداخلية بين صفوف الحزب الحاكم وضغط من الجبهات المعارضة في الخارج لإزالة النظام. وتقول بعض التقارير أن الحكومة الأمريكية مارست ضغوطا شديدة على رئيس الوزراء الأثيوبي عند زيارته لأمريكا قبل أحداث 11سبتمبر لحل خلافه مع المعارضة وإعادتها إلى البلد. لذا فإن ما حصل في سبتمبر وما تبعه من الحملة الأمريكية يعتبر فرصة ذهبية لإثيوبيا لخلط الأوراق واتهام المعارضين الأورمين  والصوماليين الموجودين في المناطق الحدودية بين الصومال وإثيوبيا وكينيا بالإرهاب ومحاولة تصفيتهم. وبهذا تكون ضربت عصفورين بحجر وذلك إضعاف معارضيها وتقديم خدمة لأمريكا تمتن بها للحصول على المساعدات. بل إنها قد حصلت فعلا على مساعدات مالية ضخمة من أمريكا لمحاربة ما يسمونه الإرهاب. بالإضافة إلى ذلك فإن إثيوبيا ليست راضية عن تشكيلة الحكومة الصومالية لأنها  وحسب تصريحات وزير الخارجية ومسئولين آخرين حكومة لها علاقة مع الإرهابيين ولا تمثل المعارضين الصومالية الموالية لأثيوبيا وقد أظهرت معارضة شديدة لهذه الحكومة في منا سبات عدة  وأي حملة أمريكية على الصومال ستكون فرصة للمساهمة في إضعاف الحكومة الصومالية الحالية وإعادة تشكيلها على طريقة ترضيها وأمريكا. لذا فإن إثيوبيا ستشارك وبكل قوة في أي ضربة أمريكية على الصومال فيما لو حصلت . بل إن إثيوبيا قد استبقت الأحداث وعززت قواتها على الحدود الشرقية والجنوبية بل ودخل بعض جنودها فعلا إلى الصومال بدعوى ملا حقة الإرهابيين في " بونت لاند" وبدأت بحملة إعلامية لهذا الغر ض منذ الوهلة الأولى من حديث أمريكا عن حملتها على الإرهاب.


دور المعارضة الصومالية


تتكون المعارضة لهذه الحكومة من عدة فصائل أهمها هي مجموعة عيديد وعبد الله يوسف وجمهورية أرض الصومال . فيما يتعلق بجمهورية أرض الصومال فإن معارضتها ليست للحكومة الحالية فحسب وإنما لأي حكومة مركزية تحاول إعادتها إلى الصف عنوة ودون ضمانات قوية، ودأبت بالنأي بنفسها عن نزاع الفصائل الجنوبية في إيحاء مستمر أن نزاع الجنوبيين لا يهمها. والآن وعلىالرغم من العلاقات الوثيقة مع إثيوبيا فإنها لا تذهب إلى حد مشاركة أمريكا وإثيوبيا في حملتهما على الصومال. وفي نفس الوقت ربما دفعت الوعود الإثيوبية باعتراف محتمل وبمساعدات مالية كبيرة ربما دفعت هذه الحكومة إلى المساهمة والمشاركة في هذه الحملة ولو بصورة رمزية. 
أما المعارضة المعارضة الجنوبية وهي فصائل عيديد وعبد الله يوسف  والمنضوين تحت لواء مجلس المصالحة الوطنية فليست بأفضل حال من التحالف الشمالي في أفغانستان. هذا المعارضة أولا وقبل كل شئ صناعة إثيوبية وتتفق مع إثيوبيا في التخوف من الحالة الإسلامية الموجودة في الصومال وهي مدفوعة من إثيوبيا إلى عدم التنازل عن هذا الموقف، وهناك وعود أمريكية بدعم هذه المعارضة وتنصيبها فيما لو ساهموا في القضاء على التنظيمات الإرهابية التي يدعون وجودها في الصومال.  إضافة إلى أن الشعب الصومالي سئم من الحرب والفوضى والتمزق ويريد الاستقرار وبداية صفحة جديدة ويبدو أن الحكومة الحالية قد تكون لبنة لذلك لا سيما أنها تحظى بدعم عربي جيد، وهناك دعم شعبي لا يستهان به. لذا فإن المعارضة الصومالية الموالية لأثيوبيا والتي ليس لها تمثيل في الحكومة الصومالية الحالية، ولا تريد أصلا الاشتراك في حكومة يرون أن للإسلاميين فيها يد، هذه المعارضة  تخشى من  أن يفوتها القطار ويأتي اليوم الذي تشكل فيه هذه الحكومة خطرا فعليا على وجودها مع مرور الأيام. وعليه فإن خيار استراتيجي لهذه المعارضة أن تستثمر الضربات الأمريكية المتوقعة وتدخلها لترتيب البيت الصومالي لتنال نصيب الأسد من استحقاقات هذا الترتيب. بل إن تصرفات هذه المعارضة هو صورة طبق الأصل من تصرفات التحالف الشمالي حيث تكررفي تصريحاتها تأكيد وجود قواعد للتنظيمات الإرهابية في الصومال ودعوة الحكومة الأمريكية لضربها وأنها مستعدة في مشاركة أمريكا في هذه الضربة!!.  

الرد العربي والإسلامي  

 وقبل الخوض فيما سيكون الرد العربي والإسلامي على الضربة الأمريكية المحتملة للصومال فيما لو حصلت أود الإشارة إلى مسألة مهمة وهي أننا نعيش في عالم ضاعت فيه الحقيقة وطغى في الظالم ومسخت العقول. فالحق هو ما تقوله أمريكا وحتى الإسلام يجب أن نفهمه على الطريقة الأمريكية. وبناءا على ذلك فإني لا أتوقع أي رد من أو حتى استنكار أو تنديد رسمي وواضح من العالم العربي والإسلامي على أي عمل تقوم به أمريكا في المنطقة. في الحقيقة أعتقد بأن الكثير من الأنظمة العربية  مشغولة بأمر آخر يهمها أكثر وهو المحافظة على أمن نظمها، فاليحرق الصومال والصوماليون وليجمد الأفغان والمتأفغنون. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه حتى لو كاننت هناك دول عربية وإسلامية تريد اتخاذ موقف ما يخالف رأي أمريكا فإنها واقعيا لا تستطيع ذلك لأنها ستكون وحيدة وفريسة سهلة للغضب الأمريكي وستكون درسا للآخرين.  وطبعا سيكون هناك نوع من التحرك العربي والإسلامي المعهود والمتمثل في شكل تحركات ديبلوماسية على استحياء لاستعطاف  أمريكا وإثنائها من اتخاذ قرار بضرب الصومال ولكن هذه التحركات لن تثني أمريكا عن خططها.  ولكن نحن في العالم الإسلامي يجب أن لا  نراهن على الحكومات ولا على الأنظمة والأحزاب السياسية لأننا عندما نطالبها باتخاذ موقف مبدئي وجريء فإننا نكلفها فوق طاقتها ونطالبها بما هو أصلا خارج نطاق صلاحيتها كأنظمة تعاني من الشرعية السياسية وتعتمد في وجودها على القمع والتخويف.  وإنما الرهان هو على الأمة الإٍسلامية التي لم ولن ترضى عن الجرائم الأمريكية. هذه الأمة مرت بفترة سبات طويلة وما حصل خلال الربع الأخير من القرن الماضي وما نعيشه اليوم من أولى حروب القرن والمواجهات العنيفة في كل مكان وضربات عنيفة من قبل العدو ما هو إلا دليل قوي أن هذه الأمة تمر بفترة استيقاظ وإدراك للذات وما هذه الضربات إلا أسباب ليكون هذا الاستيقاظ قويا.
مع حلول الربع الأخير من القرن العشرين  كان المسلمون في القرن الإفريقي يعتقدون أن نهاية العالم هي سواحل البحر الأحمر، بل إن معظم مسلمي إثيوبيا يظنون أن نهاية العالم هي مدينة أديس أبابا وأن ملك الملوك هو هيلاسلاسي وذلك بفضل التعتيم الإعلامي والاضطهاد السياسي ولكن جاءت الشيوعية إلى دول المنطقة وخاصة الصومال وإثيوبيا فتخلخل النظام الاجتماعي وانفجرت الصراعات القبلية مما أدى إلى اندفاع الناس إلى البلدان المجاورة برا وبحرا وجوا واتصلوا بالآخرين وجاءت الضربات القوية على المسلمين في شتى أنحاء المعمور في أفغانستان والبوسنة والهرسك ومورو وقبل ذلك في فلسطين فعرفت الناس أن هناك أمما إسلامية مثلها تتعرض لما تتعرض لها هي من الظلم والاضطهاد وأن لهم آمال وآلام مشتركة. وهنا مربط الفرس وبيت القصيد. وجيل اليوم من هذه الأمة عامة ومن أبناء المنطقة خاصة يعرف مخططات الأعداء ويعدعدته قدر الإمكان لمواجهتها واستعادة حقوقه. وكدليل على هذا الوعي نذكر حادث له دلالاته. خلال   الجهاد الأفغاني مع السوفيت لم يعرف عنه في المنطقة إلا القليل ممن له علاقات خاصة وثقافة إسلامية،أما المشاركة فقليلة جدا وخاصة من الجانب الإثيوبي تكاد تعدم  أما اليوم فإن المساجد والمدارس والبيوت  في أدغال إثيوبيا و براري الصومال تعج وتلهج بالدعاء وتتضرع إلى  الله بنصر المسلمين في كل مكان وبذكر الأسماء البلدان. وما تدخل بيتا يذكر فيه اسم الله إلا  وتحس الأسى  يعلوا وجهه ساكنيه حزنا على إخوانه ويعضون  على شفاهم إظهارا لعزمهم على التحدي والمقاومة. وهذا هو الرهان، والله المستعان.

تلمس سيناريوهات المستقبل المحتملة سواء نفذت الضربة أو أجلت أو علقت
يتضح من الحيثيات السابق ذكرها أن هناك احتمالات توجيه ضربات أمريكية إلى الصومال ولكن أيضا في المقابل هناك دلائل تشير إلى أن هذه الضربات قد تؤجل على الأقل في الوقت الحلي. وفي كل الأحوال من المفيد تلمس بعض الإشارات التي تنبئ عن المنحى الذي  ربما تتخذه الأحداث في الأيام المقبلة.
إذا لم تحصل الضربات الأمريكية المتوقعة، وهذا الذي ما نرجوه، فإن ذلك سيكون خيبة أمل بالنسبة لأثيوبيا لأن حصول الضربات أمنية تتمناها إثيوبيا لأهدافها وحساباتها المذكورة أعلاه. وهذا لا يعني  أنها ستقف مكتفو الأيدي بل إنها وكما ذكر وزير خارجيتها ستحاول معالجة الوضع بنفسها سواء تدخلت أمريكا أولم تتدخل،لذا فإنها ستحاول التحالف مع العارضة وتمويلها وحثها على عدم الانخراط في الحكومة المركزية. ومن ناحية أخرى فإن المعارضة أيضا ليس أما مها إلا خيارين وهما أولا:- التمسك بالدور الحالي ومحاولة تقوية مجلس المصالحة الوطني الذي أسسته ومعارضة الحكومة المركزية لإفشال خططها لبسط نفوذها، ولربما لجئوا في ذلك إلى استخدام محدد للقوة كما فعلوا مع شيوخ القبائل الذين عقدوا لقاءات مع الحكومة حول المصالحة الوطنية حيث، وفي هذه الحالة قد يعود الصومال إلى نقطة الصفر ولكن من المستبعد أن تلجأ المعارضة إلى المواجهة الشاملة إلا إذا كان هناك دفعة خلفية من إثيوبيا وأمريكا أو أحست هذه المعارضة أن وجودها أصبح في خطر إذا استطاعت الحكومة فرض سيطرتها بمرور الأيام.
وعليه يمكن تلخيص الخط الذي يمكن أن تسير عليه الأحداث فيما لو قررت أمريكا تعليق ضرباتها أو التخلي عنها أو تعليقها إلى حين على النحو التالي:-
1. استمرار الوضع في الصومال على ما هو عليه من التجاذب بين الفصائل المتنافسة 
2. محاولة إثيوبيا في التأثير على الوضع من خلال حلفائها من المعارضة والتدخل عسكريا في حدود الضرورة.
3. محاولة الحكومة الصومالية بسط نفوذها على كامل التراب الصومالي ولم الشمل .
4. تحالف أمريكي إثيوبي لمحاولة إقناع الحكومة الصومالية الحالية بالابتعاد عن الشخصيات والمؤسسات المشبوهة أو السعي في إزالة هذه الحكومة إن فشلوا في الإقناع واستبدالها بالقوى المعارضة.
هذا فيما لو لم تحصل الضربات الأمريكية . أما لو حصلت هذه الضربة فإن هناك سؤال مهم جدا الإجابة عليه تعين كثيرا على تحديد منحى الأحداث وهذا السؤال هو
هل ستكون الضربة محدودة لمواقع محددة يشتبه الأمريكان أن فيها معسكرات تدريب كما يدعون أم أنها ستكون حملة شاملة على غرار ما حدث في أفغانستان؟
فإذا قرر الأمريكان توجيه ضربة محدودة لمواقع محددة فإن ذلك قد يخلط الأوراق على الحكومة الصومالية والجماعات المتعاونة والمتحالفة معها. ذلك لأن مثل هذه الضربة المحدودة توحي بأن هناك جهة معينة مستهدفة لأنها ضالعة في الأعمال الإرهابية التي لحقت بأمريكا وبأن الحكومة  الصومالية ليست مستهدفة لذا فلا داعي لمقامتها، بينما يكون هناك أطراف أخرى في الحكومة وأعوانها ممن يقول بعكس ذلك مما قد يفضي إلى خلق خلاف في صفوف الحكومة وبالتالي قد يؤدي إلى سقوطها ومن ثم استغلال أمريكا للوضع ومحاولة جمع الفصائل الصومالية وإيجاد حكومة من نوع ما. ومن ناحية أخرى كون الضربات محدودة قد يساعد الحكومة على النجاة من السقوط  مما يغلق الباب على أمريكا وإثيوبيا والمعارضة على حد سواء في التخلص من العدو الذي صنعوه بأنفسهم وهو الحكومة الصومالية.
أما إذا قرر الأمريكان شن حملة شاملة وتدخل قوي كما حصل 92 فأعتقد أنها ستكون أولا كارثة إنسانية حيث تتدفق موجة من اللاجئين إلى الدول المجاورة، وثانيا سيتم إزالة الحكومة الصومالية الضعيفة أصل ومن ثم محاولة إيجاد حكومة هزيلة وموالية لأمريكا كما حصل في أفغانستان أو أسوء وثالثا وهذا الذي تخاف منه أمريكا فسيكون هناك مقاومة شعبية لهذا التدخل . ولكن أعتقد بأن أمريكا لا تلجأ إلى التدخل الشامل في ومحاولة إسقاط الحكومة الحالية،  لأنه وحتى الآن ليس هناك عداء علني وواضح بين الحكومة الصومالية والأمريكية بل إن الحكومة الصومالية طلبت من الأمريكان زيارة الصومال والاطلاع على الوضع عن كثب، ولم تعلن الحكومة الأمريكية إلى الآن أنها تستهدف الحكومة الحالية كما هو الحال في أفغانستان لذا فإن المرجح أن تكون الضربات الأمريكية إن حصلت محددة.

 _______________
* كاتب أثيوبي مختص في القرن الأفريقي

المصدر : غير معروف