بقلم: محمد عبد الدايم*

-أقطاب الصراع الاقتصادي العالمي
-الأسباب والدوافع
-تجليات الصراع
-أثر الصراع ومستقبله

العلاقات التجارية الأميركية الأوروبية
إن المختصين في الفكر الاقتصادي يجمعون على أن ظاهرة العولمة الاقتصادية وما تعنيه من اعتماد اقتصاد السوق والتبادل الحر, ليست وليدة التطورات الهائلة في المعلوماتية رغم ما لهذه الأخيرة من دور في تسارعها, فهي نتيجة لمسار تراكمي يرجع في الواقع إلى منتصف الأربعينيات, حيث أقيمت أولى المؤسسات والبرامج الدولية من أجل إعادة إعمار أوروبا الغربية, وبالخصوص (برنامج مارشال) وتمويل مشروعات أساسية في أوروبا وغيرها (البنك الدولي) وإعادة تنظيم العلاقات النقدية وأسعار الصرف ووسائل الدفع الدولية (صندوق النقد الدولي) وبروز الاتفاقية العامة للتعرفة الجمركية عام 1947.

إلا أن مسار العولمة الاقتصادية الليبرالية تم لجمه ومنافسته من طرف قطب اقتصادي آخر لا يقل شأنا على المستوى العسكري والاقتصادي وهو الاتحاد السوفياتي. فلقد كان الاتحاد السوفياتي ينمو بمعدل أسرع من الولايات المتحدة, ولو أن الحال استمر على ذلك المنوال لكان إجمالي الناتج القومي السوفياتي قـد تفوق على مثيله الأميركي في عام 1984. إلا أن وتيرة الأحداث السياسية على الساحة العالمية فيما بين 1985 و1991 كانت مناخا مواتيا للغاية للولايات المتحدة الأميركية, للأخذ بزمام المبادرة والعمل على إكمال مسيرة العولمة الذي بدأته في منتصف الأربعينيات.

فمن إعلان الرئيس السوفياتي غورباتشوف عن إصلاحات البيروسترويكا والتي كانت بمثابة الإعلان عن سقوط الاتحاد السوفياتي، إلى هدم جدار برلين وإلى تحرير الكويت من الغزو العراقي سنة 1991، تهيأت الظروف المثلى لهيمنة أميركية على المستوى الاقتصادي والأيديولوجي والسياسي والعسكري. ولا شك أن هذه التغيرات أفرزت أول أحادية قطبية سياسية وأيديولوجية واقتصادية وعسكرية ذات طابع أميركي كان لها الأثر العميق في الإسراع بوضع النظم والقوانين والمؤسسات من أجل تحويل العولمة من مناخها الإقليمي إلى مناخ كوني.

إلا أن هذه العولمة رغم ثقل البصمات الأميركية عليها لم تنجح في فرض مثاليتها وأحاديتها ومرجعيتها المطلقة, لا على الاتحاد الأوروبي ولا على اليابان ولا على آسيا عموما ولا على أميركا اللاتينية فكلهم شركاء أساسيون في النظام العالمي الجديد. وهكذا فقد انقضت المنافسة بين الشيوعية والرأسمالية ولكن يجري الآن صراع ومنافسة بين نماذج مختلفة من الرأسمالية.


يحتل الاتحاد الأوروبي قمة التجارة الخارجية الدولية بنسبة 19.7% ثم تأتي الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الثانية مستحوذة على 16.3% من تجارة العالم وتسيطر اليابان على 9.3%

فابتداء من 1992 فإن هناك قوة عظمى عسكرية واحدة هي الولايات المتحدة تقف بمفردها، وثلاث قوى عظمى اقتصادية هي الولايات المتحدة الأميركية واليابان والاتحاد الأوروبي تتنازع السيادة الاقتصادية. وهكذا تحول الصراع من صراع عسكري إلى صراع اقتصادي يحرص فيه كل قطب من الأقطاب المتناورة من أجل الحصول على ميزة تنافسية.

وتفسير أبعاد الصراع العالمي يوضح الأوزان النسبية للقوى العالمية المتصارعة في تجارة العالم وفي الإنتاج العالمي، خصوصا بعد نجاح الاتحاد الأوروبي في إكمال مساره الاندماجي وتحوله إلى قوة إقليمية ودولية قادرة على منافسة الولايات المتحدة في أحاديتها وهيمنتها الاقتصادية على العالم, حيث أصبح الاتحاد الأوروبي يحتل قمة التجارة الخارجية الدولية بنسبة 19.7% ثم تأتي الولايات المتحدة الأميركية في المرتبة الثانية وتستحوذ على 16.3% من تجارة العالم ثم تأتي اليابان مستحوذة على 9.3%.

وفي هذا العرض سنحاول تحليل الصراع الاقتصادي العالمي من خلال تشخيص قدرات كل قطب وأسباب الصراع وتجلياته وأثره على الاقتصاد العالمي ومستقبله.

أقطاب الصراع الاقتصادي العالمي


بسبب الاتحاد الأوروبي وللمرة الأولى خلال أكثر من قرن أصبحت الولايات المتحدة ثاني أكبر اقتصاد في العالم, وهذه الحقيقة الماثلة هي رمز لبداية الصراع الاقتصادي في القرن الواحد والعشرين, ويحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الأولى في التجارة الخارجية الدولية بنسبة 19.7% وهو رقم لا يتضمن التجارة البينية

القطب الاقتصادي الأوروبي
يمثل الاتحاد الأوروبي قطبا اقتصاديا بدأ تشكيله بعد الحرب العالمية الثانية. فبعد هزيمة اليابان وألمانيا اعتمد مشروع مارشال بالنسبة للبلدان التي دمرتها الحرب العالمية الثانية. وقد نجح هذا المشروع في بناء فضاء صناعي ونقدي وتجاري يربط بين أوروبا والولايات المتحدة الأميركية, إلا أن هذا المشروع على الرغم مما أفرزه من ازدهار صناعي منقطع النظير ومن تسهيلات في ميدان المدفوعات لم يكن كافيا لدى الأوروبيين الذين يتطلعون إلى إنشاء فضاء اقتصادي وتجاري ونقدي وإقليمي مميز.

وهكذا بدأ الأوروبيون في الخمسينيات في إنشاء سوق مشتركة ضمن معاهدة روما الشهيرة, فسوق أوروبية موحدة فاتحاد اقتصادي ونقدي ضمن معاهدة ماستريخت. وبذلك تكون التحالفات الاقتصادية الرئيسية في أوروبا سوقا موحدة تضم 337 مليون نسمة ومتوسط دخل الفرد فيها أدنى بعض الشيء من الولايات المتحدة, لكن مجموع ناتجها القومي الإجمالي أكبر بكثير من مثيله بالولايات المتحدة. وإذا ما التحقت بهذه السوق بقية أوروبا الغربية فإنها يمكن أن تنمو لتصل إلى 400 مليون نسمة, وإذا أضيف وسط أوروبا وشرقها فإنها يمكن أن تنشأ سوق تضم حوالي 850 مليون نسمة. وبناء على ما تقدم فإنه يمكن القول إنه مثلما كان سقوط سور برلين 1989 إيذانا بنهاية الصراع القديم بين الرأسمالية والشيوعية, فإن اكتمال مسيرة الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي سيكون إيذانا ببداية صراع اقتصادي بين الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي. فبموجب هذا الاتحاد وللمرة الأولى خلال أكثر من قرن ستصبح الولايات المتحدة ثاني أكبر اقتصاد في العالم, وهذه الحقيقة الماثلة هي رمز لبداية الصراع الاقتصادي في القرن الواحد والعشرين, ويحتل الاتحاد الأوروبي المرتبة الأولى في التجارة الخارجية الدولية بنسبة 19.7% وهو رقم لا يتضمن التجارة البينية.

القطب الاقتصادي الأميركي:
يتميز الاقتصاد الأميركي بعد الحرب العالمية الثانية بخمس ميزات اقتصادية ساحقة:

  • كانت السوق الأميركية في عام 1970 تفوق بمقدار تسع مرات أكبر سوق تالية لها وهي المملكة المتحدة.
  • كان التفوق التكنولوجي حكرا على الأميركيين.
  • العمال الأميركيون كانوا أكثر مهارة من نظرائهم بالخارج.
  • كانت أميركا غنية في حين كانت البلدان الأخرى فقيرة.
  • المديرون الأميركيون كانوا أفضل المديرين في العالم.

وإذا اجتمعت سوق ضخمة مع تكنولوجيا متفوقة ومع رأس مال أكثر وفرة وأيد عاملة أفضل تعليما ومديرين متفوقين ثم تم تدمير الجزء الأكبر من العالم في حرب كبرى, فإن النتيجة الطبيعية هي هيمنة هذا القطب الاقتصادي لعقود عديدة . أما اليوم فإن الاقتصاد الأميركي يحتل المرتبة الثانية بعد الاتحاد الأوروبي بنسبة 3، 16% من تجارة العالم.


بينما لم يكن يوجد في عام 1970 بنك ياباني واحد بين أكبر خمسة عشر بنكا في العالم كانت توجد في عام 1990 عشرة بنوك يابانية من هذه البنوك الكبرى، على حين كانت بنوك القمة الستة كلها يابانية وكانت اليابان في عام 1970 تملك 5% من سوق السيارات الأميركية, إلا أنها وصلت في عام 1990 إلى نسبة 28% منها
القطب الاقتصادي الياباني
لقد نشأ الاقتصاد الياباني على أنقاض الحرب العالمية الثانية, ومن المتوقع أن يكسب رهان الصراع الاقتصادي في القرن الواحد والعشرين أو على الأقل أن يبقى قطبا اقتصاديا له ثـقله في الاقتصاد العالمي. فمنذ عشرين عاما فقط كانت الناتج القومي الإجمالي للفرد في اليابان لا يتجاوز نصف مثيله في الولايات المتحدة ولكنه يفوقه الآن من الناحية الفنية بمقدار 22%. فبينما لم يكن يوجد في عام 1970 بنك ياباني واحد بين أكبر خمسة عشر بنكا في العالم كانت توجد في عام 1990 عشرة بنوك يابانية من هذه البنوك الكبرى، على حين كانت بنوك القمة الستة كلها يابانية وكانت اليابان في عام 1970 تملك 5% من سوق السيارات الأميركية إلا أنها كانت في عام 1990 تمتلك 28% منها. كما اكتسحت اليابان صناعة الإلكترونيات الاستهلاكية الأميركية. وأصبحت أيضا أكبر دائن صاف في العالم، وأصبح لديها أكبر فائض تجاري. ويعد معدل النمو في السنوات الأخيرة أعلى من مثيله في الولايات المتحدة الأميركية بنسبة 75% وضعف مثيله في الاتحاد الأوروبي.

ويمتاز هذا البلد باستثماره في الموارد البشرية وتركيزه على نظامه التعليمي. فعلى مستوى البحث والتطوير في القطاع المدني الياباني فإنه يزيد على مثيله في الولايات المتحدة بمقدار
50% ويزيد قليلا على مثيله في ألمانيا ولكنه يزيد كثيرا على باقي دول أوروبا. ويحتل الاقتصاد الياباني المرتبة الثالثة في التجارة الدولية الخارجية بنسبة 9.3%.

الأسباب والدوافع

يمكن تقسيم أسباب الصراع الاقتصادي العالمي بين الأقطاب الاقتصادية الثلاثة: اليابان والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية إلى قسمين رئيسيين يتعلقان بالثقافة الليبرالية لكل منهما, وقسم اقتصادي بحت يتعلق بالبحث عن ميزة تنافسية وبالتالي البحث عن نصيب أكبر في السوق العالمية مما يؤدي إلى قدرة أكبر في التحكم في السوق العالمية.

الأسباب المتعلقة بالثقافات الليبرالية
لقد انقضت المنافسة والصراع التقليديين بين الاشتراكية والليبرالية، لكن تجري الآن منافسة وصراع بين ليبراليات مختلفة. فالمختصون في إدارة الأعمال يميزون بين إدارة الأعمال حسب المنهج الليبرالي الأميركي والمنهج الليبرالي الأوروبي والمنهج الليبرالي الياباني.

  • مميزات الثقافة الليبرالية الأوروبية
    إن الاتحاد الأوروبي المنازع الأول للولايات المتحدة الأميركية تلتقي جميع دوله على درب اقتصاد السوق والتبادل الحر, إلا أنها تمتاز عن الولايات المتحدة بخصوصيات ثقافية وفكرية وإيديولوجية وسياسية واقتصادية واجتماعية تعتبر إفرازا تاريخيا لتراكمات أوروبية مميزة. فباستثناء المملكة المتحدة التي تشيد بالقيم الفردية والتي تعتبر استنساخا للأنموذج الأميركي, فإن الدول الأربع الأخرى لا ترى في الأنموذج الليبرالي الأميركي الأنموذج الذي ينبغي احتذاؤه. ولبيان الاختلاف نجد في الاتحاد الأوربي مثلا الأنموذج الهولندي القائم على العدالة الضريبية الشبه كلية, إلى الأنموذج الفرنسي المتشبث بخصوصياته الثقافية والاجتماعية، إلى الأنموذج الألماني القائم على رأسمالية وفاقية رضائية، إلى الأنموذج الإسكندنافي المبني على المساواة الاجتماعية المثالية. فالثقافة الليبرالية الأوروبية تجمع بين اقتصاد السوق من جهة وبين تدخلات الدولة في توفير الحمايات الاجتماعية الضرورية، إذ تحرص على اقـتصاد الرفاهية وكذلك تحرص حرصا شديدا على الحفاظ على الهوية الثقافية والحضارية الأوروبية. فالأوروبيون ينادون بالأنموذج الاجتماعي كبديل لنظام السوق المطلق وللرأسمالية الأميركية الوحشية. فعلى الرغم من إعجاب الأوروبيين بالأداء الاقتصادي المالي والتكنولوجي في الولايات المتحدة, إلا أن ذلك غير كاف لأمركة الأنموذج الأوروبي.
  • مميزات الثقافة الليبرالية اليابانية
    إن القارة الآسيوية لها مميزاتها الثقافية وهي متشبثة بهذه القيم ولا تستسيغ انصهارها في عولمة مؤمركة. فعلى الرغم من أن آسيا تعتمد اقتصاد السوق بآلياته وأهدافه كما هو الحال في أميركا والاتحاد الأوروبي, إلا أن لها سماتها ومميزاتها التنظيمية والمؤسساتية. فالرأسمالية اليابانية ليست رأسمالية فردية بل مجتمعية ولا هي رأسمالية محررة من كل القيود بل مخططة حكوميا وقطاعيا. فاليابان تشيد بالقيم المجتمعية: مجموعات الأعمال، المسؤولية الاجتماعية عن المهارات، عمل الفريق، الولاء الصلب لإستراتيجيات الصناعة، السياسات الصناعية الفعالة التي تشجع النمو. ففي الرأسمالية اليابانية المجتمعية توجد أيضا إستراتيجيات للأفراد والمؤسسات لكنها إستراتيجيات تستند إلى أسس مختلفة تماما. فالفرد لا يتصرف كفرد وإنما هو ينضم إلى فريق، يحقق نجاحه عندئذ بوصفه جزءا من فريق الشركة أو المنشأة. فنجاح الفرد أو فشله الشخصي يرتبط بنجاح أو فشل الشركة أو الفريق.
  • مميزات الثقافة الليبرالية الأميركية
    إن المنهج الأميركي يشيد بالقيم الفردية: المنظم اللامع، الفوارق الكبيرة في الأجور، المسؤولية الفردية عن المهارات، سهولة الفصل عن العمل وسهولة تركه، تعظيم الربح، عمليات الاندماج بين الشركات...
    فإذا ما نظرنا إلى المنهج في إدارة الأعمال لدى مختلف الأقطاب الثلاثة نلمس تباينا كبيرا, هذا التباين يشكل أحد الأسباب الأساسية في الصراع المحتدم على مستوى الاقتصاد العالمي.


إن السبب الاقتصادي الأساسي للصراع بين الأقطاب الثلاثة هو المناورة من أجل الحصول على ميزة تنافسية، من أجل تحقيق الرخاء الاقتصادي والتنمية الشاملة
الأسباب الاقتصادية
بناء على ما تقدم فلقد رأينا حجم كل من الأقطاب الاقتصادية والميزات الأساسية لثقافته الليبرالية, ولكن هذه الاختلافات في طبيعة الرأسمالية المطبقة في كل من الأقطاب ليست كافية وحدها لتبرير الصراع الاقتصادي العالمي. إن ظهور الاتحاد الأوروبي واليابان كقطبين اقتصاديين منافسين للولايات المتحدة كان له أثر كبير في تطعيم الصراع الاقتصادي بإستراتيجيات شديدة الاختلاف عن تلك التي وجدت في العالم الأنجلوساكسوني، وسيرغمان الولايات المتحدة على تغيير قواعد وآليات الصراع الاقتصادي.

إن السبب الاقتصادي الأساسي للصراع بين الأقطاب الثلاثة هو المناورة من أجل الحصول على ميزة تنافسية، من أجل تحقيق الرخاء الاقتصادي والتنمية الشاملة. وفي المستقبل فإن الميزة التنافسية المستديمة تتوقف بدرجة أكبر على تكنولوجيات العمليات الجديدة وبدرجة أقل من تكنولوجيات الإنتاج الجديدة. كما أن الميزة المقارنة التي من خلق الإنسان وإبداعه وابتكاره ستحل محل الميزة المقارنة الناتجة عن وفرة في المواد الطبيعية لبلد ما من البلدان، فلقد حدثت تطورات جسام على الثروة الاقتصادية مفهوما وإنتاجا وترويجا. تتمثل هذه التطورات في تحول مكونات الثروة الاقـتصادية من مكونات مادية وخدمية بسيطة إلى مكونات مادية وخدمية ومعرفية متطورة.

وعلى مستوى عوامل الإنتاج فلقد كانت هذه العوامل متمثلة في خامات طبيعية ومواد وسيطة أو نصف مصنعة وطاقة ومعدات ميكانيكية وقوى عاملة... أما المدخلات في ظل الصراع الاقتصادي العالمي الحالي فهي مدخلات معرفية، مدخلات "ذكية" لا مادية, ووفرتها تتوقف على التراكم التربوي التكويني والمعرفي والعلمي والتكنولوجي اللامتناهي، لا سخاء الطبيعة من عدمه أو امتلاك المصانع الضخمة من عدمه أو توفر العمالة الرخيصة.

إن التغيرات الاقتصادية الدولية الجديدة جعلت الصراع العالمي متركزا على أسباب الارتقاء والابتكار العلمي والتكنولوجي, وكذلك الريادة والتنظيم والتسيير والتدبير والكفاءة المهنية والقدرة على اجتذاب رؤوس الأموال, وأصبح التنافس على السيطرة على الأسواق العالمية والحصول على حصة الأسد منها هو سبب الصراع وبالتالي تعارض المصالح.

تجليات الصراع

إن الصراع الاقتصادي بين الأقطاب الاقتصادية الثلاثة الكبرى له مظاهر وتجليات عديدة سنحاول رصد بعض الأمثلة عليها.

الصراع الاقتصادي الأميركي الأوروبي
لقد اجتمعت للولايات المتحدة الأميركية في العقود الماضية عوامل عديدة جعلت من الاقتصاد الأميركي أضخم اقـتصاد في العالم وبدت الاقتصاديات الأخرى إزاءه أقـزاما. فلقد كانت سوقا ضخمة مع تكنولوجيا متفوقة ورأس مال وفير وأيد عاملة أكثر تعليما ومديرين متفوقين بإزاء اقتصاديات عالمية أخري مدمرة. إلا أن الأميركيين شغلهم الصراع العسكري مع الاتحاد السوفياتي، ولم يتابعوا بما فيه الكفاية التطورات في دول أخرى ولم يغيروا سلوكهم. فبدأ الأوروبيون على سبيل المثال في رفع مستويات دخولهم للحاق بمستوى الدخل الأميركي، في الوقت الذي بدا فيه الحجم النسبي للسوق الأميركية يتضاءل بالتدريج.


أميركا يساورها القلق من أن يجعل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي بيع منتجاتها في أوروبا أكثر مشقة
بدأ الأوروبيون بتحقيق حلمهم في الاتحاد لرفع التحديات المتعلقة بعجزهم فرادى عن توليد ثروات الحجم الكبير بدرجة تتكافأ مع مثيلاتها في أميركا. وتم لهم هذا الحلم وتم تتويجه باكتمال مسارهم الاندماجي بتحقيق الوحدة الاقتصادية والنقدية وتم تداول الـ(يورو) كعملة موحدة منذ الفاتح من يناير 2002. إلا أن اكتمال المسار الاندماجي الأوروبي زاد من حدة الصراع الأوروبي الأميركي.

فأميركا يساورها القلق من أن يجعل الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي بيع منتجاتها في أوروبا أكثر مشقة. فالولايات المتحدة لم تعد تقود في كل المجالات الاقتصادية, فعلى سبيل المثال هناك بعض المجالات مثل السيارات تعتبر تابعا، وفي مجالات أخرى مثل الإلكترونيات الاستهلاكية ليست لاعبا.

ولبيان ذلك نذكر أنه في عام 1970 كانت توجد في الولايات المتحدة 64 شركة من بين كبرى الشركات الصناعية المائة في العالم وفي أوروبا 26 شركة. وفي عام 1988 لم يكن يوجد في الولايات المتحدة غير 42 شركة فقط من الشركات الكبرى المائة على حين كانت توجد في أوروبا 33 شركة. وفي الصناعات الكيميائية فإن المؤسسات الثلاث الكبرى توجد جميعا في أوروبا بالخصوص ألمانيا. وفي القطاع المالي نذكر أيضا أنه في عام 1970 كان الـ 19 بنكا من البنوك الخمسين الكبرى في العالم بنوكا أميركية، كما توجد في أوروبا 16 منها. وبحلول 1988 لم تكن توجد في الولايات المتحدة غير 5 بنوك منها على حين كان يوجد في أوروبا 17 بنكا, وفي عام 1990 لم يعد يوجد بنك أميركي بين بنوك القمة العشرين. ولتجاوز هذا التحدي فإننا لاحظنا سلسلة اندماجات بين المصارف الأميركية لرفع هذا التحدي في نهاية التسعينيات. وأما على مستوى صناعة الطائرات ففي عام 1990 هبطت حصة بوينغ في السوق من الطلبيات الجديدة إلى 45%, وكانت تلك أول مرة منذ عشرات السنين تنزل فيها حصتها إلى أقل من 50%. وتعتبر مؤسسة إيرباص قد تفوقت من الناحية الفعلية على بوينغ في نسبة المبيعات. وما الاندماج بين شركة بوينغ وماكدونال دوغلاس إلا محاولة لرفع تحدي المنافسة الأوروبية.

مشروع السماء الأوروبية الموحدة أمام حركة الطيران المدني بين دول الاتحاد الأوروبي

ومن تجليات الصراع الأوروبي الأميركي التنافس الذي حدث في مؤتمر منظمة التجارة العالمية بسياتل, فقد عمل كل من الطرفين على حشد التأييد لخطته. فلقد سعى الاتحاد الأوروبي لدعم مركزه التفاوضي من خلال البحث عن أوسع دعم من الأعضاء المشاركين لدعم مطلبه بتوسيع أجندة المفاوضات لتشمل أكبر عدد ممكن من القضايا, وهو ما فسره البعض بأنه محاولة أوروبية لتمييع المطلب الأميركي بفتح الأسواق الزراعية الأوروبية, وبالتالي تحويل الانتباه عن الملف الزراعي الذي توليه اهتماما كبيرا.

ولبيان تناقض المصالح الأميركية والأوروبية, نستطيع أن نقول إن نظرة سريعة على ميزانية الاتحاد الأوروبي واكتشاف 50% من هذه الميزانية في عام 1998 كانت مخصصة وموجهة لضمان تنفيذ السياسة الزراعية العامة للاتحاد الأوروبي والقائمة على الدعم الواسع النطاق للزراعة, وهو ما تعارض مع دعوة أميركا لإلغاء الدعم جملة وتفصيلا عن السلع الزراعية الأوروبية.

ويهدف الأميركيون من وراء ذلك لتحقيق النجاحات لتخفيض العجز في معاملاتهم الخارجية مع كبار الشركاء التجاريين, من خلال ما تحققه من تحرير إضافي لتجارة الخدمات الدولية والتي تحتكر أميركا نحو 80% منها، ومن خلال إمكانياتها الواسعة في تصدير السلع الزراعية إلى السوق الدولية والتي تصل قيمتها إلى نحو 70 مليار دولار عام 1998 وتمثل حوالي 13% من جملة الصادرات الزراعية العالمية.

تجليات الصراع الأوروبي الياباني
إن إقامة اتحاد اقتصادي ونقدي أوروبي مكن وسيمكن من تحقيق الكثير من المزايا للدول الأعضاء، كما أن الحاجة إلى المنافسة ضد الأميركيين في اقـتصاد كوني تكاد تحتم بناء البيت الأوروبي. إلا أن اليابانيين يتهمون الاتحاد الأوروبي بأنه يتجه إلى أن يصبح قلعة مغلقة. وغالبا ما تكون الإجابة الرسمية للاتحاد الأوروبي أنه لا يطلب غير تدابير لفتح الأسواق تطبق دوليا على أساس وطيد وواضح من المعاملة بالمثل. ومخاوف اليابانيين هي نتيجة لما يسمع من تصريحات رجال الأعمال في القطاع الخاص والمسؤولين الحكوميين الذين يصرحون بأنهم لن يسمحوا لليابانيين أن يفعلوا في أوروبا ما فعلوه في الولايات المتحدة.

هذه التصريحات كانت واضحة مثلا أيام رئيسة الوزراء الفرنسية إيديث كريسون إذ صرحت قائلة: "إن اليابان خصم لا يلتزم قواعد اللعبة ولديه رغبة مطلقة في غزو العالم ولا بد أن يكون المرء ساذجا أو أعمى البصيرة لكي لا يعترف بذلك. إن لدى اليابانيين إستراتيجية لغزو العالم ولقد أنهوا مهمتهم في الولايات المتحدة وهم الآن بسبيلهم إلى التهام أوروبا".

واليابانيون من جانبهم يتهمون أوروبا في كونها تتجه إلى تكوين كتلة تجارية مغلقة تتحصن بإجراءات حمائية وإن الأوروبيين عقدوا العزم على حماية أسواقهم الوطنية.

أثر الصراع ومستقبله

أثر الصراع
لقد عرف العالم عصر المنافسة الهادئة في النصف الأخير من القرن العشرين وسيعرف منافسة الند للند في النصف الأول من القرن الواحد والعشرين. ومنافسة الأنداد معناها أن يكسب طرف ويخسر الآخر أو الآخرون. فالصراعات الاقتصادية ستكون أكثر حدة ولن يتعين على أحد تهدئة مواقفه الاقتصادية للحفاظ على التحالفات العسكرية. فعلى التعاون الاقتصادي اليوم أن يمضي بقواه الذاتية ولن يدعم تماسك الترتيبات الاقتصادية بغراء عسكري.

ففي ظل التغيرات الدولية وميلاد منظمة التجارة الدولية, فإن على الأقطاب الاقتصادية القيام بمباراة اقتصادية تنافسية تعاونية من أجل تحقيق رخاء متبادل وخلق اقتصاد عالمي يسهل تسييره وبنية عالمية تسمح بالتمتع بما ينتج عالميا, وإلا فإن الحروب الاقتصادية ستؤدي إلى مزيد من الحمائية ونسف للمواثيق الدولية وربما تؤدي إلى حروب عسكرية مدمرة.

عملة الاتحاد الأوروبي اليورو مع الفرنك الفرنسي
مستقبل الصراع
بناء على العرض السابق فإنه يتبين أن للأقطاب الاقتصادية الثلاثة المتصارعة نقاط تكافؤ ونقاط قوة لكل منهم. فالمتصارعون الثلاثة يتمتعون بسجلات متكافئة (الناتج القومي الإجمالي للفرد في كل منهم متكافئ تقريبا إذا أخذنا متوسط القوة الشرائية الخارجية والداخلية).

أما على مستوى نقاط القوة لكل منهم فإننا نجد أن اليابان استطاعت خلال العقدين الماضيين أن تحقق معجزة اقتصادية على الرغم من أن السوق الداخلية في اليابان هي أصغر سوق بين الأقطاب الاقتصادية المتنافسة الرئيسية الثلاثة. إلا أنها تمتاز بالتماسك والتجانس كما تمتاز باستثمارات كبيرة بالمقارنة مع الأقطاب الأخرى في رسم مستقبلها. إلا أنها لكي تنمو بأسرع مما تنمو به بقية العالم، فإن صناعاتها التصديرية لا بد أن تستولي على حصص متزايدة في الأسواق العالمية لكي يكون في استطاعتها دفع ثمن وارداتها من المواد الأولية اللازمة لاستمرار عجلة اقتصادها في الدوران.

وعموما فإن الزخم مازال إلى جانب اليابانيين ومن الصعب المراهنة ضدهم. أما الولايات المتحدة الأميركية فإن لديها مرونة منقطعة النظير وقدرة على التنظيم إذا ما كانت هناك تحديات خارجية. وهي مازالت القوة العظمى العسكرية الأولى وستظل في القرن الواحد والعشرين, إلا أن الحفاظ على هذه المكانة سيحرمها من أن تظل قوة عظمى اقتصادية في الترتيب الأول لما يحتاجه الجانب العسكري من استثمارات ضخمة.

أما الأوروبيون فإن المؤشرات إيجابية في صالحهم والأرجح أن يحمل القرن الحادي والعشرون اسمهم, فبإصدار العملة الموحدة الـ "يورو" تم اكتمال مسارهم الاندماجي. فأوروبا مرشحة إلى أن تصل سوقها في المستقبل إلى 850 مليون نسمة وتمتاز بنظامها التعليمي الجيد.

وفي الختام يجب أن نشير إلى أن انضمام الصين إلى منظمة التجارة العالمية في مؤتمر الدوحة يعني قبولها بآليات اقتصاد السوق والتبادل الحر, وبالتالي دخول هذا العملاق ساحة الصراع والمنافسة الاقتصادية الدولية وهي تمثل ثقلا اقتصاديا واستهلاكيا وسكانيا وإستراتيجيا لا يستهان به. وستعمل الصين على خلق ليبرالية تنطلق من الخصوصيات الثقافية والحضارية الصينية.

وهناك احتمالات للصراع بين الصين والولايات المتحدة التي ما فتئت تؤكد على هيمنتها على العالم، إذ يؤكد علماء المستقبليات أن الصين عام 2030 ستكون أكثر الأمم سكانا وأكبر اقتصاد عالمي وقوة عظمى بكل ما في الكلمة من معنى وقطبا له دوره في رسم تاريخ البشرية في الألفية الثالثة.

_______________
* باحث في مختبر إدارة الأعمال بكلية العلوم الاقتصادية في تونس

المصدر : غير معروف