بقلم: ياسر الزعاترة*

- الملاذ الآمن
- حجم الخسائر
- المدد القادم

- شهادات إسرائيلية
- تداعيات أخرى
- خيارات شارون القادمة

شهر كامل مر على انطلاق عملية "السور الواقي" التي أعلنها رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون إثر أعنف موجة تصعيد في العمل المقاوم تعرفها الدولة العبرية طوال تاريخها.

حتى كتابة هذه السطور لم يعلن شارون نهاية العملية، وإنما تحدث عن نهاية المرحلة الأولى، ما يوحي بوجود مراحل أخرى وإن بقي ذلك في دائرة الاحتمالات، مع مواصلة إعلانه في سياق التهديد. والحقيقة أن قطاع غزة هو ما تبقى أمام الحملة، ويبدو أن شارون متردد في اجتياحه خوفاً من تكرار سيناريو مخيم جنين على نحو أوسع.

وفي العموم فإن عمليات التوغل المفاجئة في هذه المنطقة أو تلك ما زالت متواصلة، تبعاً للمعلومات الاستخبارية عن تحركات من تبقى طليقاً من رموز المقاومة.
مع ذلك، يبقى بالإمكان بعد هذه المرحلة الحديث عن نتائج العملية من زاوية المقاومة وما أصابها من خسائر، ثم إمكانات النهوض القادمة، إضافة إلى التداعيات السياسية التي يمكن أن تترتب على الحملة الإسرائيلية وما خلفته على الساحة الفلسطينية والعربية.

الملاذ الآمن

دبابات الاحتلال في مواجهة شبان بالخليل
طوال ثمانية عشر شهراً مرت قبل انطلاق عملية "السور الواقي" أي منذ اندلاع انتفاضة الأقصى. يمكن القول إن معادلة "الملاذ الآمن" لقوى المقاومة قد توفرت في مناطق (أ) التابعة للسلطة الفلسطينية، وإن حدثت خروقات في جدار ذلك الملاذ أكثر من مرة خلال المرحلة المذكورة عبر عدد من الاجتياحات المحدودة والاغتيالات وعمليات الاختطاف التي استهدفت نشطاء المقاومة، وضبط كميات من الأسلحة وما تقول إسرائيل إنه معامل متفجرات.

إبان انتفاضة الأقصى انسجمت السلطة إلى حد ما مع خيار المقاومة وإن لم يكن ذلك واضحاً من طرفها، حيث غضت الطرف عن عمليات المقاومة، ما مكن الأخيرة من تحقيق إنجازات كبيرة على صعيد العمل المقاوم.

كما أتاح موقف السلطة للمقاومة مراكمة إنجازات خلال هذه الفترة سواءً من ناحية تجنيد وتدريب الكوادر العاملة، أو من زاوية إقامة بنية تحتية تشمل معامل تصنيع المتفجرات وتجميع الأسلحة وتخزينها، وهي انجازات أججت المقاومة ومكنت المقاومين من التحرك الفاعل ضد المحتل.

لكن موقف السلطة المتهاون في كبح جماح العمل المقاوم دفع من ناحية ثانية أجهزة المقاومة للتساهل نسبيا في القيود الأمنية التي تفرضها عادة على نشطائها، وهو ما مكن الاحتلال من تنفيذ سلسلة اغتيالات بحق أبرز قادة المقاومة وكوادرها الميدانيين تارة عبر قصف المروحيات وأخرى بقذائف الدبابات والمدفعية، مستفيدة من شبكة العملاء المنتشرين في صفوف الفلسطينيين، والذين لم تسع السلطة لتفكيكها على نحو فاعل.

حجم الخسائر

هدى شلوف طفلة قتلتها قذائف الدبابات في رفح
كل ذلك الإنجاز تمت إصابته على نحو مباشر خلال عملية "السور الواقي". فعلى صعيد رجال المقاومة يمكن القول أن خسارة فادحة قد أصابت الفلسطينيين، فقد اعتقل حسب الإحصاءات الإسرائيلية حوالي 5000 شاب، من بينهم حوالي 1400 من كوادر المقاومة، كما استشهد 200 شاب من شبان المقاومة أثناء المواجهات.

ولا شك أن الاعتقالات الواسعة وسقوط هذا العدد الكبير من الشهداء في فترة قصيرة أفضت إلى تفكيك معظم الخلايا المسلحة وربما الوصول إلى كم رهيب من المعلومات بشأن آليات عملها على الأرض.


اعتقلت قوات الاحتلال حوالي 5000 شاب، من بينهم حوالي 1400 من كوادر المقاومة، كما استشهد 200 شاب من شبان المقاومة أثناء المواجهات

وصادر المحتل خمسة آلاف قطعة سلاح أثناء عمليات الاجتياح، إضافة إلى تدمير 23 معملاً لتصنيع المتفجرات ومعها 430 عبوة جاهزة للاستعمال وعدد من صواريخ القسام ومنصات إطلاقها.

بيد أن ذلك كله لا يعني أن كل شيء قد جرى تدميره، فلا بد أن شيئاً من ذلك قد نجا، إضافة إلى ما هو موجود في قطاع غزة. وقد أكدت العمليات التي نفذها رجال المقاومة مثل عملية مستوطنة أدورا في مدينة الخليل لكتائب القسام والعمليات المشابهة التي لم تنجح، أن شيئاً بالفعل من إمكانات المقاومة قد نجا من التدمير، مع أنه قد يكون من باب التفاؤل المبالغ فيه الاعتقاد أن ما نجا من القبضة الإسرائيلية كبير قياسا بما أمكن تجميعه وإقامته في شهور الانتفاضة الثمانية عشر.

لكن السؤال يبقى قائما ومشروعا حول ما إذا كان ذلك يعني نهاية المقاومة، وما هي الآفاق القادمة؟

المدد القادم



ما جرى خلال عملية "السور الواقي" سيما تلك المعارك البطولية في مخيم جنين وحي القصبة في مدينة نابلس أفرز انحيازاً كبيراً لخيار المقاومة فلسطينياً

من المؤكد أن ما جرى خلال عملية "السور الواقي" سيما تلك المعارك البطولية في مخيم جنين وحي القصبة في مدينة نابلس قد أفرز انحيازاً كبيراً لخيار المقاومة فلسطينياً، وعموما فإن من الثابت تاريخياً أن الشهداء يلهمون دائما أجيالاً جديدة، وهو ما يدفع إلى القول أن مشكلة تعويض الرجال تبدو سهلة إلى حد كبير، بل إن إقبال الأطفال على الشهادة قد وصل حداً مقلقاً كما في قطاع غزة حيث اضطرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" إلى انتقاد الظاهرة والمطالبة بوقفها وترشيدها نظراً لسقوط العديد من الأطفال على أسوار المستوطنات المحصنة.

لقد تجذر فكر المقاومة وبرنامجها في الوعي الفلسطيني على نحو غير مسبوق في الشهور الأخيرة، وهو تحول لا ينبغي الاستهانة به على الإطلاق، ذلك أنه سيعني أن العودة إلى اللغة القديمة لن تكون ممكنة إلا بسطوة القوة التي لن تكون قادرة أيضا على ذلك بعد كل البطولات والتضحيات التي قدمها الشعب.

تبقى مسألة الإمكانات, وهذه يمكن الحديث عن عملية تجديد لها مع الوقت. ومن الضروري التذكير هنا بما كان عليه الحال قبل انتفاضة الأقصى، وكيف جرى ترميم خلايا المقاومة وتفعيلها خلال مدة لم تتجاوز الشهرين.

وزير الدفاع الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر أكد هذه المعادلة حين أوضح أن أربعة شهور ستكون كافية للعودة إلى النقطة التي انطلقت منها عملية "السور الواقي"، ما دفعه إلى القول بضرورة وجود مسار سياسي.

شهادات إسرائيلية


أفنيري :

"البنية الإرهابية موجودة في روح ملايين الفلسطينيين. كلما قتلوا المزيد من المقاتلين والانتحاريين ازداد المستعدون لاحتلال مكانهم. رأينا في مشاغل العبوات الناسفة عدة أكياس من المواد يمكن الحصول على مثلها في كل مصنع في إسرائيل. الجيش يتفاخر بأنه ضبط عشرات كهذه. بدلاً عنها سيأتي مئات"

(عامي أيالون) الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الداخلية الإسرائيلي (الشاباك) يؤكد أن "فرض الاستسلام على الشعب الفلسطيني لن يحدث مطلقاً، وأنه مجرد "فرية يحاول (شارون) وجنرالات الجيش تسويقها"، أما "الحقيقة المرة" حسب رأيه فهي أنه لن يكون هناك أمن لليهود عبر استخدام القوة.

(رعنان ألياهو) أحد الذين عملوا في قسم الأبحاث التابع لجهاز العمليات الخارجية الإسرائيلي (الموساد)، يرى أن ما فعله (شارون) "قد صنع واقعاً سيجعل كل الشعب الفلسطيني يتحول إلى تأييد حركة "حماس" ومواقفها وعندها لا يمكن لأحد أن يحسدنا على ما سيحل بنا من مصائب".

ونسبت صحيفة يديعوت أحرونوت لمصادر عسكرية من الجيش ومن (الشاباك) القول إن بنية فصائل المقاومة الفلسطينية قد "تعرضت لضربة قوية ولكن لم يتم القضاء عليها وإذا استؤنفت العمليات لن يكون هناك بد من عملية أخرى في المناطق على نطاق واسع".

أما رئيس ما يعرف بكتلة السلام الإسرائيلية يوري أفنيري فيرى أن تعبير "تدمير البنية الإرهابية يدل على الغباء"، لأن "البنية الإرهابية موجودة في روح ملايين الفلسطينيين. كلما قتلوا المزيد من المقاتلين والانتحاريين ازداد المستعدون لاحتلال مكانهم. رأينا في مشاغل العبوات الناسفة عدة أكياس من المواد يمكن الحصول على مثلها في كل مصنع في إسرائيل. الجيش يتفاخر بأنه ضبط عشرات كهذه. بدلاً عنها سيأتي مئات".

وهو ما أكدته مصادر عسكرية لصحيفة هآرتس إذ قالت "إن عملية الجيش في مدن الضفة الغربية قد عززت الروح العسكرية وسط الفلسطينيين وعمقت الكراهية لإسرائيل". وتقول تلك المصادر التي لم تسمها الصحيفة "إن الإيمان بطريق الجهاد يزداد".

تداعيات أخرى


يمكن القول أن ما جرى في الأسابيع الماضية قد أفرز إضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه حالة غير مسبوقة من التعاطف مع الشعب الفلسطيني، ليس في الشارع العربي والإسلامي، بل وفي الأروقة الخارجية أيضا، ولعل الموقف الأوروبي الشعبي والرسمي هو الأهم على هذا الصعيد. ويصف أحد كتاب صحيفة هآرتس وهو عوزي بنزيمان وضع الدولة العبرية إثر عملية السور الواقي بأنها غدت "في عزلة دولية لم يعرف مثلها منذ حملة سيناء عام 1956"، فيما يتدهور الاقتصاد إلى درك يقترب من فترة الركود في الأعوام 1965-1967".

من العبث بالطبع تهميش موقف الشارع العربي والإسلامي، وهو الذي قدم مساندة للشعب الفلسطيني، وأثبت له أن وراءه جماهير لا حصر لها تملك الاستعداد الوافر للذهاب بعيداً في دعمه بكل الوسائل حين تتضح صورة المعركة وتكون المقاومة هي السبيل الوحيد وليس التفاوض.

خيارات شارون التالية

ستبقى أصابع الإسرائيليين على الزناد لفترة طويلة
من الواضح أن خيار البقاء في المدن الفلسطينية ليس وارداً بالنسبة لشارون، ليس لأن الإدارة الأميركية تريد ذلك ولكن لأن المصلحة الإسرائيلية تقتضيه. فالبقاء في المدن الفلسطينية سيغدو مكلفاً مع الوقت بعد التقاط المقاومة لأنفاسها، حيث سيغدو الصدام مع قوات الاحتلال داخل المدن أكثر سهولة من مواجهتها وهي تتسلح بالطائرات والصواريخ والدبابات.

ولكن ألا يدرك شارون وجنرالاته أن المشكلة لن تحل، وأن "العنف" سيطل برأسه من جديد؟ لا شك أنه يدرك ذلك، ولكنه يدرك بالمقابل أن المسار السياسي يتطلب تنازلات لا يقبلها، لا هو ولا حتى قادة حزب العمل. فما هي الخيارات المتاحة؟

من المؤكد أن انتظار الضربة الأميركية للعراق هي الخيار الأفضل على أمل أن تؤدي إفرازاتها إلى الهبوط بالسقف العربي والفلسطيني، وتجعل فرص "الحل المرحلي بعيد المدى" الذي يريده شارون ممكناً.

إلى أن يحدث ذلك على شارون أن يضمن بقاء "العنف" في حده الأدنى، ولتحقيق ذلك، فلا بأس من الدخول في مناورات سياسية على قاعدة تينيت وميتشل تعيد السلطة إلى مربع التعاون الأمني. وهنا يمكن القول أن المقترحات السعودية الجديدة ربما وفرت فرصة للدخول في مسار من هذا النوع، سيما وأن عرفات قد بات أكثر قابلية لدخولها أيضا، إثر الضغوط العربية والأميركية، إضافة إلى التهديد بترحيله إلى غزة، وهو الأمر الذي يدخل بالفعل في باب التهديد الهادف إلى تهبيط السقف.

هذا ما جرى خلال الأيام الأخيرة إثر زيارة الأمير عبد الله إلى الولايات المتحدة وقبول الرئيس الفلسطيني للصفقة المتعلقة بـ "قتلة" الوزير الإسرائيلي المتطرف رحبعام زئيفي والقاضية بوضعهم في سجن فلسطيني بإشراف أميركي بريطاني مقابل رفع الحصار عنه.

من المؤكد أن ما فعله الرئيس الفلسطيني ينطوي على مغامرة سياسية تأتي بعد كم كبير من التضحيات ومسار مميز من البطولات، وهو ما يمكن أن يؤثر سلباً على وحدة الشارع الفلسطيني ويضرب الشعبية التي حصل عليها ياسر عرفات إثر رفضه الاستسلام للشروط الإسرائيلية. بيد أن تراجعه على نحو ما أمام الضغوط لن يعني العودة إلى نقطة الصفر، وإنما هي جولة أخرى من تلك الجولات التي تابعناها منذ اندلاع انتفاضة الأقصى، بل منذ أوسلو. وقد أكدت جميعاً أن مسار المقاومة هو الوحيد القابل للحياة، كما أنه الوحيد القادر على تحقيق الإجماع في الشارع الفلسطيني ومن ورائه الشارع العربي والإسلامي حتى لو بدا مخيفاً في حسابات بعض الأنظمة العربية التي ترفض منطق الاستسلام الفلسطيني، في ذات الوقت الذي تخشى من مخاطر التصعيد وتسعى إلى تجنبه، لتبقى المراوحة بين التفاوض والانتفاضة هي عنوان المسار، بما ينطوي عليه ذلك من تضييع للوقت والجهد.

________________
*كاتب وصحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف