بقلم/ ياسر الزعاترة

- الفقرة المثيرة في رسالة الزرقاوي
- القاعدة: تنظيم أم فكرة؟
- قتال طوائف الردة

فلنقل ابتداء إن هذا التحليل -واستنادا إلى جملة من المعطيات- سيفترض صحة الرسالة المنسوبة لأبي مصعب الزرقاوي -التي قيل إنها موجهة منه إلى أسامة بن لادن والدكتور أيمن الظواهري- وكانت قد وقعت بيد جهات أميركية أو أخرى تابعة لها في مارس/آذار الماضي.

وللتذكير فقد تحدثت الرسالة عن ضرب السنة بالشيعة من أجل أن يصحو الطرف الأول ويضعف الطرف الثاني الذي يستهدف في الرسالة على نحو واضح، إلى جانب كل الفئات التي تهادن الاحتلال من مختلف الأعراق والطوائف، بما في ذلك بعض مجموعات التيار السلفي الذي ينتمي إليه أبو مصعب الزرقاوي والتي وصفها بالإرجاء نسبة لمن عرفوا في التاريخ بالمرجئة.

لا حاجة للكثير من التفصيل في المعطيات المشار إليها، والتي تؤكد من وجهة نظر هذه السطور نسبة الرسالة إلى الزرقاوي، لكن مقارنة لغة الرسالة ورؤيتها وبرنامجها بعدد من النصوص والرسائل التي بثت بصوته لا زالت تشير إلى صحة الفرضية، دون أن ننفي تماما الاحتمال الآخر ممثلا في تلفيقها من قبل جهات محترفة لها أهدافها من اللعبة.

الفقرة المثيرة في رسالة الزرقاوي


لم يعد تنظيم القاعدة تنظيما بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما تحول إلى فكرة يمكن لأي أحد أن يتابع حيثياتها أو يستلهمها ومن ثم يحملها بطريقته الخاصة في الزمان والمكان الذي يراه
ما سنتوقف عنده في هذه السطور هو تحديدا الفقرة الأخيرة من الرسالة التي لم يتوقف عندها أحد -ونحن منهم في القراءة الأولى- تبعا لكونها جزءا من النص ولا تضيف إليه الكثير، على رغم ما تملكه من دلالات خاصة في سياق موقف بن لادن والزرقاوي من قضية حساسة، إضافة إلى طبيعة علاقة هذا الأخير بالرجلين اللذين يختفيان في مكان ما، هناك بين أفغانستان وباكستان أو داخل إحداهما.

تقول الفقرة "هذه رؤيتنا قد شرحناها وهذا سبيلنا قد جليناه، فإن وافقتمونا عليه واتخذتموه لكم منهاجا وطريقا واقتنعتم بفكرة قتال طوائف الردة فنحن لكم جند محضرون نعمل تحت رايتكم وننزل على أمركم، بل ونبايعكم علانية على الملأ وفي وسائل الإعلام إغاظة للكفار وإقرارا لعيون أهل التوحيد، (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله).

وإن بدا لكم غير ذلك فنحن إخوة لا يفسد الخلاف للود قضية، نتعاون على الخير ونتعاضد على الجهاد. وبانتظار جوابكم حفظكم الله مفاتيح للخير وذخرا للإسلام وأهله، آمين آمين".

هناك الكثير مما يمكن أن يستنتجه المحلل من هذه الفقرة في رسالة الزرقاوي، لعل أولها وأهمها تلك الندية التي يتحدث بها مع بن لادن والظواهري، على رغم الفقرة التي تسبقها ويقول فيها "ولا نرى أنفسنا أهلا لمنازعتكم"، فضلا عن إمكانية الاستنتاج بأن البيعة بينه وبين بن لادن لم تكن قد وقعت أو أنها كانت بيعة خاصة بفترة معينة أو مكان معين، في ما يبدو أن الرجلين لم يلتقيا في مكان واحد بصيغة جرى بعدها التوافق على أمر ما، وإنما هي الظروف التي دفعت كلا منهما إلى مكان لم يصله الآخر.

القاعدة: تنظيم أم فكرة؟
هذا الأمر يؤكد بعدا مهما في سياق قراءة قضية القاعدة من أصلها، وهي أن التنظيم لم يعد تنظيما بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما تحول إلى فكرة يمكن لأي أحد أن يتابع حيثياتها أو يستلهمها ومن ثم يحملها بطريقته الخاصة في الزمان والمكان الذي يراه.

والحال أن جملة المعطيات التي كانت متوفرة في حكاية القاعدة كانت تؤكد أن التنظيم لم يكن موجودا بالمعنى الحرفي للكلمة قبل تحالف بن لادن مع الظواهري في ما عرف بالجبهة العالمية لقتال اليهود والصليبيين، التي أدت إلى اندماج المجموعتين تحت ما عرف باسم قاعدة الجهاد، وهو الاسم الذي غاب عمليا عن وسائل الإعلام لحساب الاسم المعتمد وهو القاعدة، الذي تشير المعلومات المتوفرة إلى أن نواته الصلبة الحقيقية قد تشكلت ممن تبقى مع الظواهري من تنظيم الجهاد المصري مثل أبو عبيدة البنشيري الذي قضى غرقا في بحيرة فكتوريا وسيف العدل وآخرين من العناصر المدربة وذات الخبرة.

لقد بدا واضحا أن معظم العمليات التي نسبت إلى القاعدة بعد هجمات 11 سبتمبر/أيلول ليست ذات صلة مباشرة بالتنظيم بالمعنى الحرفي للكلمة، بقدر ما هي صلة الفكرة والإلهام، كما هو حال تفجيرات السعودية والدار البيضاء وإسطنبول، بل وحتى تفجيرات بالي في إندونيسيا وصولا إلى تفجيرات مدريد.


وضع الزرقاوي موافقة بن لادن على أولوية "قتال طوائف الردة" شرطا للبيعة، وفي حال عدم تحقق الشرط فإن الخيار هو "التعاون على الخير والتعاضد على الجهاد"
بل إن قصة تنظيم القاعدة في جزيرة العرب لا تبدو بعيدا عن هذه المعادلة، بدليل أن بن لادن قد بدا في آخر رسائله معترضا بشكل غير مباشر على التوجه العام للعمليات، وإن لم يكن بإمكانه تخطئة المسار بشكل علني وواضح. ولعل حثه الشبان السعوديين على التوجه إلى العراق يشكل شاهدا على عدم رضاه عما كان يجري.

هذه المعادلة تنطبق بشكل من الأشكال على الزرقاوي، وإن شاءت الأقدار أن يتحول هو إلى محور الاهتمام تبعا للأهمية البالغة للساحة التي وصلها وأخذ يتحرك خلالها وسهولة العمل من حيث توفر العدو ومعه الإمكانات والأتباع.

ولعل ذلك هو ما منح الزرقاوي تلك الثقة كي يخاطب "الشيخين" بتلك الطريقة التي خاطبهما بها، وتشير كما قلنا إلى ندية وليس إلى روحية شيخ ومريد أو قائد وجندي.

قتال طوائف الردة
على أن الجانب الأكثر أهمية من ذلك كله في دلالات الرسالة هو المتعلق بالموقف الذي رآه الزرقاوي عنوانا للالتقاء والافتراق بينه وبين "الشيخين" ممثلا في ما أسماه "قتال طوائف الردة"، الأمر الذي يفسح لنا مجال الاستنتاج بأن رسائل سابقة قد تم تبادلها بين الطرفين حول طبيعة التحرك في الساحة العراقية، وفيها لم ير بن لادن فائدة من القتال المشار إليه، الذي يمكن القول بكل بساطة إنه يعني قتال كل الجهات التي تعمل مع الاحتلال والمؤسسات التي تبنى تحت رعايته.

وإذا كان الشيعة قد تمتعوا بمقاطع مهمة من الرسالة فإن ذلك يبدو تابعا لما يمكن القول إنه نزوع قطاع واسع منهم إلى خيارات التعامل السلمي مع الاحتلال، سيما وأن كتابة الرسالة تبدو سابقة على صدامات تيار الصدر مع قوات الاحتلال الأميركية، في ما تقول جملة المعطيات الأخرى إن الرجل لا يفرق بين المتعاونين مع الاحتلال أو المراهنين عليه، بمن فيهم الإسلاميون السنَة.

وإذا كانت لغة التكفير المذهبية والعقائدية هي المعتمدة في الحالة الشيعية إلى جانب مسألة التعاون مع الاحتلال، فإن التعاون مع المحتل أو حتى التعامل السلمي معه يبدو كافيا لوقوع حكم الردة برأيه بالنسبة للآخرين.

في قراءة الموقف الحدي من الشيعة عند الزرقاوي يمكن القول إن النهج السلفي المتشدد عند الرجل قد وجد صداه في هذه المسألة، سيما وأننا بإزاء نهج له تشدده المعروف في مسألة العقيدة والسنة والموقف من الصحابة الذي يحظى أكثرهم بموقف هجائي في المذهب الشيعي.

بيد أن ذلك لا ينبغي أن يلفت الانتباه عن بعد آخر له علاقة بالسياسة، ونعني ما أبداه بعض الشيعة من مواقف مناهضة للمتطوعين العرب إبان الحرب، فضلا عن مواقف إيرانية من بعض مجموعات القاعدة التي فرت إلى إيران هربا من الأميركان عندما تقطعت بهم السبل ولم يجدوا غير المنفذ الإيراني.

ما يمكن استنتاجه في هذا السياق هو أن خلافا قد وقع بين الزرقاوي وبن لادن حول طبيعة العمل وأولوياته، ففي ما رأى الأول ضرورة التركيز على "قتال طوائف الردة"، كان للثاني رأي آخر عنوانه الثاني التركيز على قتال المحتلين قياسا على تجربة الصومال، وإدراكا لحساسية سقوط الجندي الأميركي في المعركة قياسا بسقوط العراقيين بصرف النظر عن قربهم أو بعدهم عن خيارات الاحتلال.

هكذا وضع الزرقاوي موافقة بن لادن على أولوية "قتال طوائف الردة" شرطا للبيعة، وفي حال عدم تحقق الشرط فإن الخيار هو "التعاون على الخير والتعاضد على الجهاد".

ولا يعرف بالطبع الموقف الذي أخذه بن لادن، لكن قراءة تحولاته الأخيرة كما تبدت في رسالتيه الأخيرتين بشأن الهدنة مع الأوروبيين والأخرى التي تحث المجاهدين على التوجه نحو العراق، قد تشير إلى أنه قد أخذ يدرس خياراته بعناية أكبر، الأمر الذي لا بد أن يعزز إيمانه بضرورة التركيز على قتال الأميركان دون سواهم، على اعتبار أن الوصول إلى الساحة الفلسطينية يبدو صعبا إلى حد كبير.

والحال أن القراءة الموضوعية لما يجري لا بد أن تدفع نحو الخيار الذي مال إليه بن لادن بسبب التأثيرات السيئة للمبدأ الذي تبناه الزرقاوي على المقاومة العراقية، سيما وهو يفتح بابا واسعا لكل الجهات التي تسعى إلى التلاعب بالوضع العراقي، ومن ضمنها الإسرائيلية التي ينشط ضباطها في الشمال بشكل غير عادي كما أشار "سيمور هيرش" في تقريره الشهير حول "الخطة بي" في مجلة "نيويوركر".

لقد بات واضحا لكل ذي عينين أن خيارات الزرقاوي في مقاومة الاحتلال والتعامل مع الشأن العراقي قد أخذت تلقي بظلال سيئة على المقاومة العراقية، سيما في الآونة الأخيرة، وحيث تمكنت سلطات الاحتلال من ضبط الإيقاع الإعلامي على نحو يركز على العمليات التي تصيب المدنيين العراقيين التي يتبناها الزرقاوي، والتي فتحت الباب واسعا أمام كل الجهات المشبوهة لكي تقتل من تشاء وتنسبها إليه دون أن يبادر هو إلى تحديد بوصلة واضحة لعمله.

بل إن ما جرى لتيار الصدر من تراجع في ساحة المقاومة قد جاء نتاجا لحديث الزرقاوي الحدي عن الشيعة، الذي لا يمكن إلا أن يدفع كثيرا منهم نحو خيار التعاون مع الاحتلال.


آن الأوان لكي تضبط المقاومة العراقية بوصلتها، سيما وهي تتعامل مع عدو ماكر يملك أدوات رهيبة على مختلف الأصعدة، ولن يحدث ذلك في ظل تلك الفوضى التي يمارسها الزرقاوي ومن معه
لقد آن الأوان لكي تضبط المقاومة العراقية بوصلتها، سيما وهي تتعامل مع عدو ماكر يملك أدوات رهيبة على مختلف الأصعدة، ولن يحدث ذلك في ظل تلك الفوضى التي يمارسها الزرقاوي ومن معه، من دون أن يعني ذلك إدانة أو حتى تقريعا للمتطوعين العرب أو حتى للزرقاوي نفسه حين يتحرك وفق أسس مدروسة كالتي تتبناها قوى المقاومة العراقية الواعية لمعادلات الصراع كما هو حال المقاومة الإسلامية الوطنية العراقية.

لأن المسألة في الأصل لا صلة لها بالجنسية بل بصواب البوصلة، فالعراق بوابة للأمة وعلى الجميع أن يسهم في الدفاع عنه، لكن ذلك يجب أن يحدث بالطريقة الصحيحة التي تخدم الصراع ولا تضع الحب في طاحونة الأعداء.

على أن ذلك لا ينفي أن تحولا قد يطرأ على تفكير الزرقاوي نفسه، قياسا على تحولات بن لادن، وذلك تبعا لقراءة أخرى أكثر دقة ووعيا لما يجري على الأرض، فضلا عن مواقف مخالفة للمقاومين العراقيين، أكانوا من الأطراف الأخرى الذين تهمهم سمعة المقاومة وصواب بوصلتها، أم من الذين يتعاونون معه بشكل مباشر، الذين لا يمكنه التحرك ضمن رؤية لا تروق لهم.

وعندما يحدث ذلك سيكون الزرقاوي رمزا من رموز المقاومة العراقية والجهاد ضد الغطرسة الأميركية وليس عبئا على تلك المقاومة كما يحدث الآن، سواء حصل ذلك بسبب عمليات حقيقية ينفذها أم بسبب إلقاء تبعة أعمال مشبوهة لم يرتكبها بالفعل عليه، الأمر الذي لا يمكن لأحد أن ينفيه عنه ما دامت خياراته تسمح بذلك، خلافا للحال لو أعلن مسارا يركز على قوات الاحتلال ومن يساعدونها بشكل مباشر، في ما يتعاون مع من يقاومون بصرف النظر عن انتماءاتهم.
ــــــــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف