بقلم/ خليل العناني

- رد الفعل العربي
- دلالات اعتقال صدام
- نظرية المؤامرة واعتقال صدام
- دروس وعبر اعتقال صدام

لم تختلف الرؤية العربية لاعتقال الرئيس العراقي السابق صدام حسين كثيراً عن غيرها من الرؤى التي عادة ما تحدث للعالم العربي أوقات الملمات والنكبات، فإما ترتفع نبرة الشجب والإدانة والتنديد الممزوجة بالانفعالية والعاطفة الحماسية، وإما تنحني للسلبية واللامبالاة وترك الأمر لذويه انطلاقاً من الاعتقاد ببقاء الحال كما هو عليه دون تبديل أو تعديل.

رد الفعل العربي
اتسمت ردة الفعل العربي على نبأ اعتقال صدام ببعض من الحيرة والتردد وكثير من التحفظ والتأني بشكل يجعل من الصعب -علي الأقل حتى الآن- الإمساك بموقف محدد من عملية الاعتقال، وإن امتزجت ردود الفعل في مجملها بالدهشة والانفعالية، يصاحبها في ذلك شعور عام بالانهزامية واليأس كما هي العادة العربية.

بيد أن ذلك لا ينفي وجود اختلاف واضح بين كلا الموقفين الرسمي والشعبي من نبأ الاعتقال. وفي هذا الصدد يمكن الإشارة إلى أن رد فعل الشارع العربي على اعتقال صدام قد اكتسى في البداية بشعور جارف بالمهانة والعجز، عمقته تلك الصور التي بثتها وسائل الإعلام لصورة الرئيس المخلوع والتي جعلت البعض يتعاطف معه على الرغم من الإقرار بجرائمه في حق الإنسانية، وذلك بالطبع دون إغفال الفرحة الكويتية باعتقال صدام ودوافعها المنطقية. وقد وصل الأمر في بعض الأحيان إلى تفعيل نظرية المؤامرة والجزم بأن الشخص المعتقل ليس هو صدام بالفعل، ولكنه أحد بدائله وأشباهه.


اتسمت ردة الفعل العربي على اعتقال صدام ببعض من الحيرة والتردد وكثير من التحفظ والتأني، بشكل يجعل من الصعب الإمساك بموقف محدد من عملية الاعتقال
ورغم الاختلافات الطفيفة التي قد تبدو في مواقف الشعوب العربية المختلفة من اعتقال صدام فإنها انطوت على أمرين بارزين:

أولهما الإقرار بأن ما حدث لصدام يعد نوعاً من الإذلال الآدمي للعرب جميعاً، وبدا أن هناك إجماعاً شعبياً على رفض الطريقة التي عومل بها الرئيس المخلوع باعتبار أنه وفي كل الأحوال يعتبر رئيسا عربيا شأنه في ذلك شأن بقية الرؤساء والزعماء العرب، ورآه البعض بمثابة دليلاً دامغاً على الاستهانة الأميركية بالنظم العربية، وذلك بغض النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع الرئيس المعتقل.

والثاني هو دعوة قطاعات عريضة من الشعب العربي إلى ضرورة عدم توقف المقاومة العراقية ضد الاحتلال بعد اعتقال صدام، بل والمطالبة برفع وتيرتها للنيل من القوات الأميركية في العراق، وذلك دون الفصل بين حقيقة هذه الدعوة والإحساس الشعبي المتجذر بالعجز العربي عن اتخاذ أي رد فعل عملي على التعاطي الأميركي مع المنطقة ككل، والنظر للمقاومة العراقية باعتبارها الرادع الوحيد للولايات المتحدة.

بيد أن هذا لا ينفي احتقار البعض العربي ونقمته على الرئيس المعتقل، وذلك انطلاقاً من الطريقة المخجلة التي استسلم بها دون أدنى مقاومة، وذلك على العكس من الشعارات التي كان يرددها من قبل وأفضت إلى الاعتقاد بأنه يفضل الموت على الوقوع في الأسر الأميركي. فضلاً عن اقتناع البعض الآخر بأن هذا هو المصير المنطقي لشخص مثل صدام حسين والدعوة الخفية لأخذ العبر والعظات من مشهد اعتقاله.

وإذا كان هذا هو الموقف الشعبي العربي، فقد اختلفت مفردات الموقف العربي الرسمي عنه في بعض الملامح. وبوجه عام اتسمت ردة فعل هذا الموقف بالتحفظ في كثير من الأحيان وصل في بعضها إلى السكوت وعدم التعليق أو تجاهل الأمر برمته وكأن شيئاً لم يكن.

وربما يرى البعض في هذا التحفظ نوعاً من الخجل أو الهروب من الواقع الأميركي في المنطقة ككل، باعتبار أن ما حدث لصدام قد يصبح مثلاً يحتذى به فيما بعد. وفي كل الأحوال اتفقت ردود فعل الحكومات العربية -سواء المتعاطفة مع صدام أو المعارضة له من قبل- في أمرين: أولهما ضرورة النظر للأمام والبدء في إعادة بناء العراق من جديد لتحقيق الأمن والاستقرار هناك. والثاني اعتبار القبض على صدام بمثابة اختبار حقيقي لنوايا الولايات المتحدة في العراق والمنطقة ككل، وإذا ما كانت واشنطن ستعجل بنقل السلطة للعراقيين –كما ادعت من قبل- أم سيظل الحال كما هو عليه من الاحتلال والتجاهل للوضع الجديد في العراق.

في الوقت نفسه صاحب هذين الأمرين نوعاً من التخوف غير المعلن من أن يؤدي اعتقال صدام إلى استمرار الدور الأميركي وتعاظمه في المنطقة، وما قد ينبثق عنه من احتمالات التفرغ الأميركي لإدارة العلاقات مع العرب دون قلق أو هاجس من خطر محتمل، بمعنى آخر يرى البعض أن لسان حال النظم العربية يتساءل الآن: ماذا بعد اعتقال صدام؟!

في المقابل يرى البعض الآخر أن اعتقال صدام قد أزاح هماً ثقيلاً من على الصدور العربية باعتباره كان مصدر جذب للعديد من الأزمات والكوارث العربية، ليس أقلها جلب الولايات المتحدة بكامل عتادها للمنطقة. ومن هذه الزاوية فقط فرح البعض –دون الإفصاح عن ذلك بالطبع- بسقوط صدام واعتقاله حتى وإن تم هذا بيد "عمرو" لا بأيديهم.


من دلالات اعتقال صدام تعميق حال التشتت العربي الرسمي والإقرار بالاستسلام للأقدار السياسية وما ينطوي عليه ذلك من احتمالات الإذعان للخارج وضغوطه
دلالات اعتقال صدام
لم يخل اعتقال صدام من دلالات عربية عديدة تبدأ من عملية الاعتقال ذاتها وتنتهي بالمعاني البعيدة التي ينطوي عليها أسر صدام. ولا تقتصر الدلالات على الجانب الحماسي الذي فجرته عملية الاعتقال والانطباعات التي تولدت عنها، والتي لن تُمحي من المخيلة العربية بسهولة، بل تتعداها لتصل إلى حد الاعتقاد بأن ما حدث يعد بمثابة كارثة عربية جديدة تضاف إلى السجل العربي المتخم بالنكبات والكوارث.

ولعل أولى هذه الدلالات تتمثل في تأكيد حالة الانقسام السياسي المزمنة التي بدت واضحة بين كلا الموقفين الرسمي والشعبي من الاعتقال، ففي حين نظرت الشعوب العربية في مجملها لسقوط صدام باعتباره حلقة جديدة في مسلسل الهوان العربي المستمر ورمزاً للعجز العربي في مواجهة الولايات المتحدة، رأته بعض النظم والقوى السياسية العربية أمراً طبيعياً وذلك في ظل الدراية السياسية بحقيقة الموقف الأميركي من صدام ونظامه البائد. وعليه فقد اختلفت ردة الفعل بين كلا المستويين بشكل عمق الهوة السحيقة بين نظم المنطقة وشعوبها، وإن اتفقتا في طبيعتهما السلبية.

وتنبع ثاني الدلالات من الحقيقة الهامة التي بات يخجل منها الشعب العربي بمختلف طبقاته وفئاته والمتمثلة في ضعف الوزن السياسي للدول العربية فرادى وجماعات في مواجهة الولايات المتحدة، ولم تكن معاملة صدام بهذا النحو سوى تعبير بسيط عن هذه الحقيقة. فوضع صدام قد لا يختلف كثيراً عن وضع سلوبودان ميلوسوفيتش سفاح الصرب أو بينوشيه طاغية تشيلي، فكلهم في الاستبداد سواء، ورغم ذلك لم يُعاملا بنفس الطريقة المذِلة التي لقيها صدام حسين.

أما ثالث الدلالات وأثقلها على النفس العربية فهو تعميق حال التشتت العربي الرسمي والإقرار بالاستسلام للأقدار السياسية وما ينطوي عليه ذلك من احتمالات الإذعان للخارج وضغوطاته، مع بعض النسبية. فلم يكن اعتقال صدام سوى تعبير صريح عن ابتعاد النهج الواقعي البراغماتي في تفكير السياسيين العرب، ليس لجهلهم بحقيقة ما يحاك لهم وللمنطقة بقدر ما هو ناجم عن حال الشتات والفرقة المهيمنة على القرار السياسي العربي، والتي أفضت في مجملها إلى الوصول بالعرب إلى هذا الوضع المزري، سواء في النموذج "الصدامي" الفاشي أو في النموذج الأميركي المتعالي.

أما آخر الدلالات فهو أن التعاطي الأميركي مع صدام قد يصبح نموذجاً يحتذى به في غيره من الحالات المشابهة، خاصة في ظل حال الكبت التي تسيطر على الشارع العربي بسبب جمود العملية السياسية وتضاؤل آمال الإصلاح السياسي العربي. وغير خاف مدى الثقة التي حصدتها الولايات المتحدة بعد اعتقال صدام واعتباره بمثابة رسالة رمزية لكل نظم المنطقة ببطش اليد الأميركية وطولها.


التعاطي الأميركي مع صدام قد يصبح نموذجاً يحتذى به في غيره من الحالات المشابهة، خاصة في ظل حال الكبت التي تسيطر على الشارع العربي وتضاؤل آمال الإصلاح السياسي
نظرية المؤامرة واعتقال صدام
لم يغب الفكر التآمري عن مشهد اعتقال صدام، فمنذ اللحظة الأولى لاعتقاله راجت في الأوساط العربية ادعاءات –ممزوجة بالأمنيات- تقلل من هالة الحدث ووطأته. وتجلت هذه الحقيقة في أمرين: أولهما الاعتقاد بأن الشخص المعتقل ليس صدام حسين ولكنه مجرد بديل له. والثاني أن ما حدث لا يعدو أن يكون مجرد تمثيلية أميركية جديدة، وأن صدام كان محتجزاً لدى الأميركان منذ شهور ولم يُفرج عنه إلا مؤخراً كنوع من الدعاية الانتخابية التي تصب في مصلحة الإدارة الأميركية الحالية.

وربما يكون مرد هذين الأمرين هو حال الدهشة ووقع مفاجأة الاعتقال على الرؤوس العربية لدرجة جعلت من الواقع خيالاً. في الوقت ذاته شطح البعض بخياله لتفسير ما حدث وقال إن صدام قد عقد صفقة مع الولايات المتحدة كي ينجو بنفسه من عذابات الاختباء ومرارة التخفي. ولم يستبعد البعض أن يكون صدام قد تعرض لخيانة ومؤامرة أميركية عراقية مشتركة أسفرت عن وقوعه في الأسر، وفي هذا الصدد ترددت روايات مختلفة لتفسير –وربما تبرير- ما حدث، منها من يقول بضلوع زوجة صدام "سميرة الشهبندر" –دون قصد- في إلقاء القبض عليه عبر اتصالاتها الهاتفية المتكررة به، ومنها من يجزم بوشاية أحد أقرباء صدام به لدى القوات الأميركية، وذلك تحت الضغط والتهديد الأميركي له وهو الأرجح.

بيد أن ما يلفت النظر ويتطلب التمحيص في علمية اعتقال صدام هو حال الاستسلام التي بدا عليها الرئيس العراقي والتي تلقي بشكوك مشروعة إزاء الوسيلة التي استخدمتها القوات الأميركية في الإيقاع به وألمحت إليها بعض التفسيرات الغربية، ومفادها أن يكون صدام قد تعرض لحالة من التخدير عبر غازات خاصة نشرتها الفرقة الرابعة الأميركية في محيط المنطقة التي وجد بها صدام.

ويدعم هذه الشكوك تلك اللهجة التي تحدث بها صدام عقب إفاقته من حال التخدير –بافتراض وقوعها- ودلت على استمرار المكابرة والعناد لديه رغم اعتقاله. وبغض النظر عن ملابسات ما حدث فالمحصلة النهائية واحدة وهي اعتقال صدام ووضع حد لنهاية مسلسل المطاردة الأميركية له.

دروس وعبر اعتقال صدام


ينبغي على النظم العربية أن تدرك أن الضمانة الوحيدة لبقائها حية هي الاحتماء بشعوبها والرهان عليها في مواجهة ضغوط الخارج ومخاطره، وعكس ذلك يُعد جهلاً بحقائق التاريخ ودلالاته

من غير المقنع أن يمر اعتقال صدام دون إعمال العقل وتمحيص الفكر لاستخلاص العبر والعظات من هذا الحدث الجلل والفريد عربيا ودولياً، وهي دروس ربما تتجلى في كل نكبة تمر بالأمة العربية وإن اختلف شكلها ووقعها من وقت لآخر.

ولعل أول هذه الدروس وأهمها على الإطلاق هو أن تدرك النظم العربية أن الضمانة الوحيدة لبقائها حية هي في الاحتماء بشعوبها فقط والرهان عليها في مواجهة ضغوط الخارج ومخاطره، وعكس ذلك يُعد جهلاً بحقائق التاريخ ودلالاته.

وثانيها أن الاستبداد والقهر مهما طال واستمر فإن مصيره الزوال ومآله الهزيمة دون ترحم عليه. ودون الاستماع لصوت الشعوب ومطالبها فلن ينجو المستبد من مقصلة التاريخ التي لا ترحم.

وثالث العبر أن حال الهوان المسيطرة على العالم العربي لن تزول طالما ظل العرب على نفس الحال من اللامبالاة والسلبية التي أكدها اعتقال صدام.

أما رابع الدروس فهو ضرورة التيقن بأن ما حدث لصدام ليس مستبعداً للحدوث في أي مكان آخر وإن اختلف الأسلوب والتكتيك.

ولا يبقى لنا سوى القول إن ما حدث لصدام ما هو إلا مجرد وضع منطقي لجرائمه وحصاد طبيعي لسياسات نظامه الفاشي، وإذا كان البعض يرى في اعتقال صدام حسين نهاية لحقبة مظلمة من القهر والاستبداد، فإنه قد يصبح أيضا بمثابة الإعلان عن مرحلة جديدة من التعاطي الأميركي مع المنطقة ربما تكشف عنها الشهور القليلة المقبلة، وما خفي كان أعظم.
ــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف