بقلم/ خليل العناني

ليس ثمة خلاف على حيوية الدور الذي تلعبه مصر في المنطقة العربية والذي أكسبها إلى حد بعيد الكثير من زخمها وهيبتها منذ أمد طويل. بيد أنه في الآونة الأخيرة ثارت علامات استفهام كثيرة حول طبيعة هذا الدور، خصوصا في ظل ما يعتريه من تغيرات صبت في مجملها في انحساره وتراجعه بشكل غير معهود، وتحديدا منذ بداية عقد التسعينات من القرن الماضي، الأمر الذي اعتبره البعض خروجا عن المألوف.

وحقيقة الأمر فإنه يصبح من الصعب استثناء تراجع الدور الإقليمي لمصر عربيا عنه على المستوى الأفريقي، أو الدائرة الأفريقية كما جرت العادة في تصنيف دوائر السياسة الخارجية المصرية.

وإذا كان البعض يعزو هذا التراجع إلى تغير في ديناميات البيئتين الإقليمية والدولية، وهو ما يصعب إغفاله بالطبع، فإن هناك عوامل أخرى داخلية –أغلبها إرادي- نعتقد بدورها القوي في تفسير هذا التراجع والانحسار.

ولأغراض التحليل يمكن الحكم على مدى قوة أو ضعف الدور الإقليمي المصري من خلال التعرض لملفين أساسيين باعتبارهما أحد المؤشرات الهامة علي قياس حركة هذا الدور ومساره صعوداً وهبوطاً وهما: ملف الصراع العربي الإسرائيلي، والذي ينظر إليه الكثيرون باعتباره المرآة العاكسة لسطوع الدور المصري أو خفوته، وذلك بغض النظر عن مدى صحة هذا الاعتقاد أو خطئه، فهذا هو ما جرى عليه العرف -العربي- في تقييمه للدور المصري، أو هكذا فُهم. والثاني هو الملف الأفريقي بشقيه المائي والسياسي.

وفيما يخص الملف الأول فيمكن القول إنه إذا كان الدور المصري في الصراع العربي الإسرائيلي قد خفُت منذ نهاية السبعينات من القرن الماضي، وتحديداً منذ توقيع اتفاقية السلام بين مصر وإسرائيل في العام 1979، فإن هذا الدور قد تراجع –فلسطينياً- بشكل واضح إبان عقد التسعينات من نفس القرن.

وقد تجلت ذروة التراجع في الدور المصري فيما يخص هذا الملف في العام 2000 وتحديداً منذ اندلاع الانتفاضة الثانية (انتفاضة الأقصى)، واكتملت بوصول أرييل شارون إلى رئاسة الحكومة في إسرائيل عام 2001.


إذا كان الدور المصري في الصراع العربي الإسرائيلي قد خفت منذ نهاية السبعينيات من القرن الماضي, فإن هذا الدور قد تراجع فلسطينياً بشكل واضح إبان عقد التسعينيات من نفس القرن
من ناحية أخرى فقد نجحت إسرائيل من خلال استغلال علاقتها القوية بواشنطن في تحجيم أي دور عربي فيما يخص تطورات الصراع مع الفلسطينيين، بما فيها الدور المصري. ولا ينكر أحد مدى التأثير الذي تركته العلاقات بين القاهرة وواشنطن فيما يخص قوة الموقف المصري من هذا الصراع.

ولم يكن الموقف الأخير للرئيس الأميركي جورج بوش من قضايا الحل النهائي إلا دليلا دامغا على التعمد الأميركي بتجاهل الدور المصري ووضعه علي الساحة العربية، فبعد ساعات قليلة من لقاء الرئيسين الأميركي والمصري أواخر أبريل/نيسان الماضي، أصدر بوش "وعده" التاريخي لشارون والذي اعتبره البعض بمثابة أكبر خسارة يتعرض لها الشعب الفلسطيني منذ ضياع أرضه عام 1948، ونظر إليه البعض الآخر باعتباره تأسيسا لحقبة جديدة من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

في هذه اللحظة اعتبر البعض أن بوش لم يبد احتراماً يُذكر للدور المصري أو اكتراثاً بأهميته التاريخية. ولعل هذا ما حدا بالبعض إلى القول بأن مصر لم يعد لها نفس الثقل المفترض فيما يخص دورها في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو ما قد يُعد بالفعل أمراً واقعياً في ظل الإصرار الإسرائيلي على إضعاف هذا الدور أو على الأقل تحييده إلى الدرجة التي تخلع عنه رداءه العربي.

واقعياً لم يعد لمصر نفس قدرة التأثير على طرفي النزاع خاصة الطرف الإسرائيلي، وهي التي كان يُنظر إليها دائما باعتبارها "سفينة" الحوار بين الطرفين وكان يُعول على دورها في تليين مواقف الطرفين بشكل كبير، بل وكان يُراعى موقفها بشكل جدي فيما يحدث على أرض الصراع.

وما حدث للدور المصري إسرائيلياً يكاد يقترب الأمر منه فلسطينياً، فرغم التعويل الفلسطيني على الدور المصري في الحفاظ على الحقوق الفلسطينية فإن درجة هذا التعويل لم ترافقها استجابة للضغط المصري فيما يتعلق بتهدئة الساحة الفلسطينية الداخلية.

فحتى اللحظة لم يحدث الوفاق الفلسطيني بين مختلف التيارات والقوى السياسية الفلسطينية، وفشلت جولات الحوار التي رعتها القاهرة مراراً وتكراراً، وهو ما قد لا يعود إلى ضعف الدور المصري بقدر ما يرتبط بمدى تقبل جميع الأطراف الفلسطينية لفكرة التهدئة والحوار.

كل ذلك صب في نتيجة واحدة مفادها أن مصر لم يعد لها نفس الثقل الموروث في قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وارتبط هذا بنظرة عربية أقل اكتراثاً بحيوية الدور المصري وقدرته على الخروج بالقضية من جمودها الحالي، خاصة في ظل تطابق الموقفين الأميركي والإسرائيلي من العلاقة مع الفلسطينيين بدرجة غير مسبوقة، والتي تقطع الطريق على أي محاولة مصرية لتسوية الأمور.

بيد أن من الظلم القول إن تراجع الدور المصري –في هذا الملف- كان بدافع ذاتي أكثر من كونه مرتبطاً بمحددات تتعلق بطرفي النزاع، فعملياً ارتبط انكماش الدور المصري مؤخراً تجاه القضية الفلسطينية بشكل عام بمحددين رئيسيين أولهما: تولي شارون منصة القرار في إسرائيل وهو ما قد أذهب بكل المحاولات المصرية لتهدئة الأوضاع بين الجانبين أدراج الرياح.

والثاني عدم استعداد الإدارة الأميركية الحالية بقيادة بوش ورجاله المحافظين على بذل أي مجهود للضغط على شارون للتخلي عن كبره وعناده، وهو ما ينعكس بلا شك على فاعلية الدور المصري الذي يستمد زخمه من الأوضاع الدولية المهيأة للتحرك.


شهد الدور الإقليمي لمصر في الملف الأفريقي تراجعاً غير مسبوق خاصة منذ منتصف عقد التسعينيات فيما يخص قضية مياه النيل وما يحدث في جنوب السودان, وهو تراجع غير مبرر
أما فيما يخص الملف الأفريقي فيمكن القول إن الدور الإقليمي لمصر شهد تراجعاً غير مسبوق خاصة منذ منتصف عقد التسعينات. وإذا كان هذا التراجع مبرراً –في جزء منه- على صعيد الملف السابق وهو ملف القضية الفلسطينية، وذلك باعتبار أن محددات الصراع قد تكون خارجة عن سيطرة الموقف المصري، فهو ليس كذلك فيما يخص قضية مياه النيل وما يحدث في جنوب الوادي من تحركات غير معهودة.

ففيما يتعلق بملف المياه يمكن القول إن الدور المصري دخل في حالة من الهذيان نتيجة لعدم وجود سياسة مائية واضحة ومحددة. وزاد الأمر سوءاً تحويل ملف المياه من وزارة الخارجية إلى وزارة الموارد المائية، وهو ما يعني إغفال الطبيعة السياسية لهذا الملف.

ولا مجال للمبالغة في القول بأن خطورة ملف المياه –بالنسبة للأمن القومي المصري- قد تفوق في أهميتها ما عداها من ملفات بما فيها ملف الصراع في الشرق الأوسط.

ولم تكن الأزمة الأخيرة التي شهدها هذا الملف سوى دليل بسيط على صحة ما سبق، فبدلاً من أن تستوعب مصر اعتراضات دول حوض النيل على حصتها من مياه النيل وتحاول إيجاد إجابات مقنعة لهذه الأطراف، بدا الأمر وكأنه مشكلة طارئة، ولم نسمع سوى بعض التطمينات الرسمية حول هذا الملف.

يزيد من عمق المسألة أن دول الحوض لم تعد مقتنعة بالحق التاريخي لمصر في مياه النيل، وتحاول التنصل من اتفاقية 1929 المنظمة لحصص دول الحوض.

أما على الصعيد السياسي الأفريقي فيمكن تسجيل موقفين هامين يوضحان مدى التراجع الذي شهده الدور المصري إقليمياً، أولهما: ما يخص مسألة جنوب السودان وما تم التوصل إليه من اتفاقات بين جون قرنق وحكومة الرئيس عمر البشير.

فرغم الرابطة التاريخية بين مصر والسودان والنظرة الدائمة لهذه الأخيرة باعتبارها امتداداً للأمن القومي المصري، فقد غابت مصر تماماً عن مفاوضات السلام التي من شأنها التأثير مستقبلاً على طبيعة العلاقات المصرية السودانية. وكان من المثير للحنق أن تقوم كينيا بدور البديل لمصر في رعاية هذه المفاوضات.

أما الموقف الثاني فهو ما يتعلق بالاتحاد الأفريقي، فعلى عكس الدور القوي الذي لعبته مصر في تأسيس الجامعة الأفريقية قبل 40 عاماً، لم نسمع عن أي دور مصري في تدشين الاتحاد الأفريقي الذي حل محل الجامعة الأفريقية، وتكفلت ليبيا بلعب الدور الأكبر في تبني فكرة الاتحاد، فضلاً عن الدفع باتجاه تأسيسه.

وتظل كل هذه الشواهد دليلا واضحا على انحسار الدول الإقليمي لمصر عربياً وأفريقياً، وهو ما يدفعنا بالضرورة للبحث في محددات وأسباب هذا الانحسار أملاً في استدراكه ورغبة في عودة مصر إلى مكانها الطبيعي.

وبعيداً عن التعميمات والمساحات الرمادية، يمكن تفسير هذا التراجع بنوعين من المحددات: أولهما خارجي ويجب عدم التعويل عليه كثيرا حتى لا يفتقد التحليل جدواه، والثاني داخلي وهو ما يتطلب وقفة جادة إذا كانت هناك نية لاستدراك هذا التراجع واستعادة ذلك الدور.

وفيما يخص المحددات الخارجية –ونقصد بها الخارجة عن سيطرة الدور المصري- فيمكن الإشارة إلى عدة حقائق أولها التغيرات التي حدثت في البيئة الدولية، والتي شكلت منعطفاً هاماً في توازنات القوى العالمية، رآه البعض انقلاباً في مكونات هذه البيئة وخروجاً عن عناصرها الحاكمة منذ مطلع التسعينات من القرن الفائت، وتمثل ذلك في انهيار المنظومة الاشتراكية من جهة، وبروز الدور الأميركي العالمي بشكل لا سابق له من جهة أخرى، وهو ما يُفترض معه -نظرياً- إعادة فك وتركيب الأدوار الإقليمية للدول بما فيها مصر.

ثانياً: التغيرات التي ألمت بالبيئة الإقليمية والتي حدثت إثر اندلاع حرب الخليج الثانية، وتغير معادلات القوى الإقليمية، بحيث لم يعد هناك دولة كبيرة أو صغيرة بعدما تهرَّأ الصف العربي وانقسم إلى معسكرين متنافرين، وعليه بدا الدور المصري أقل جاذبية وإقناعاً باعتباره ضمن أحد المعسكرين، ورغم حيوية هذا الدور في تلك الأزمة، إلا أنه سرعان ما توارى خلف التدخل الأميركي الفج في المنطقة وارتباطه بعلاقات وثيقة جداً مع دول أخرى غير مصر.

ثالثاً وهو الأهم: الانعطافات التي شهدتها قضية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي التي بدأت بالفعل عقب توقيع اتفاقات أوسلو، والتي قللت إلى حد بعيد حيوية الدور المصري في رعاية مفاوضات السلام التي قادتها بكفاءة الولايات المتحدة.

ورغم أن مصر لم تغب عن تلك المفاوضات فإن قوة الدفع كانت مركزة بالأساس في الأيدي الأميركية، ولم تعد مصر هي حلقة الوصل الأولى بين إسرائيل والفلسطينيين كما كانت من قبل، وهو ما وضح بعد ذلك طوال فترة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون.


رغم انحسار الدور المصري وخفوته، يظل يحمل بريقاً خاصاً تجد صداه في نفوس عربية عديدة، دون أن يقلل ذلك من حتمية إعادة النظر في طبيعة هذا الدور كي يتناسب ومكانة مصر التاريخية
ورغم وجاهة هذه المحددات الخارجية وتأثيرها على حدود الدور الإقليمي لمصر، فإنه يجب عدم التذرع بها لتبرير تراجع هذا الدور، فتغير الظروف الدولية والإقليمية قد لا يعني بالضرورة النيل من دور الدولة الإقليمي بقدر ما هو مرتبط بمدى قدرة هذه الدولة على تكييف أوضاعها بحيث تتناغم مع هذه التغيرات الجديدة، وحتى لا تفقد بريقها.

أما فيما يخص المحددات الداخلية لتراجع الدور المصري، فيمكن الحديث -باختصار- عن ثلاثٍ منها: الأول هو ضعف الأداء الداخلي للحكومة المصرية والذي يؤثر بلا شك على قوة دورها الإقليمي. فمن المنطقي أن يؤثر وضع الدولة الداخلي علي هيبتها الخارجية بوجه عام، وأشكال التراجع المصري داخلياً عديدة بدءاً من الاقتصاد ونهاية بالرياضة.

وثاني هذه المحددات هو الارتباط القوي بين القاهرة وواشنطن والذي أثر بشكل سلبي على حيوية الدور المصري وفاعليته، وقدرته على الانعتاق من الضغوط الأميركية التي تحدد –بشكل غير مباشر- مسارات حركته.

أما ثالثها فهو التحولات التي طرأت على العقل المصري وصبت في مجملها في الاقتناع بضرورة الاهتمام بما يدور في الداخل قبل الالتفات إلى الخارج العربي وحمل همومه، باعتبار أن هذا الخارج قد استنفذ القدرات المصرية ونال منها بشكل كبير، والمطالبة بتوقف مصر عن لعب دور "البطل".

وتبقى كلمة واحدة هي أن الدور المصري رغم انحساره وخفوته، يظل يحمل بريقاً خاصاً تجد صداه في نفوس عربية عديدة، دون أن يقلل ذلك من حتمية إعادة النظر في طبيعة هذا الدور كي يتناسب ومكانة مصر التاريخية.
ـــــــ
كاتب مصري

المصدر : غير معروف