د. عبد الوهاب المسيري

يسود في الخطاب التحليلي العربي تصور مفاده أن ما يصرح به رجال السياسة والحكم هو تعبير عن موقفهم وخططهم ومشروعاتهم. فالعقل، حسب هذا التصور، هو مرآة تعكس الواقع بشكل بسيط ومباشر، وكأن اللسان ينقل ما يعكسه العقل بنفس البساطة والمباشرة. ومثل هذا التصور يتجاهل ما أسميه "الخريطة الإدراكية"، فما الخريطة الإدراكية؟

على عكس ما يتصور البعض فإن الإنسان لا يدرك واقعه بشكل حسي مادي مباشر إلا في حالات نادرة تتسم بالبساطة، كأن تلسع يده سيجارة أو يدخل في عينيه جسم صلب. فالإنسان ليس مجموعة من الخلايا والأعصاب والرغبات والدوافع المادية (الاقتصادية أو الجسمانية) وسلوكه ليس مجرد أفعال وردود أفعال مشروطة، تتحكم فيها قوانين الميكانيكا أو البيولوجيا.

وعقل الإنسان ليس مجرد مخ مادي، صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزنة في الوعي واللاوعي.

لكل هذا فإن الإنسان لا يسلك كرد فعل للواقع المادي بشكل مباشر (مثير مادي تعقبه مباشرة استجابة)، وإنما كرد فعل للواقع كما يدركه هو بكل تركيبيته، ومن خلال ما يسقطه على الواقع من أفراح وأتراح، وأشواق ومعان، أو رموز وذكريات، وأطماع وأحقاد، ونوايا خيّرة وشريرة، ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيدولوجية.

وبسبب تركيبية الإنسان هذه، ونظرا لأنه لا يستجيب للواقع المادي مباشرة وإنما يستجيب له من خلال إدراكه له، فلا يمكن لأي دارس أن يحيط بأبعاد أي ظاهرة إنسانية -سياسية كانت أم اجتماعية أم اقتصادية- إلا بالغوص في أكثر مستويات التحليل عمقاً، أي المقولات والصور الإدراكية التي يدرك من خلالها نفسه وواقعه ومن حوله من بشر ومجتمعات وأشياء.


عقل الإنسان ليس مجرد مخ مادي وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستقر الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع الذكريات والصور المخزنة في الوعي واللاوعي
وهذه المقولات والصور تشكل خريطة يحملها الإنسان في عقله ويتصور أن عناصرها وعلاقات هذه العناصر بعضها ببعض تشكل عناصر الواقع وعناصره، وهذه هي الخريطة الإدراكية التي تحدد ما يمكن أن يراه الإنسان في هذا الواقع الخام، فهي تستبعد وتهمش بعض التفاصيل فلا يراها، وتؤكد البعض الآخر بحيث يراها مهمة ومركزية.

ومن الأمثلة الطريفة على الخريطة الإدراكية ما يروى عن ماري أنطوانيت ملكة فرنسا قبل الثورة والتي كانت تعيش عيشة مترفة منعزلة تماما عن العالم الخارجي، فقد قيل إن بعض الحراس وجدوا فلاحاً مغشياً عليه من فرط الجوع، فأتوا به إليها، فأشفقت عليه وقالت له "يا سيدي، يجب ألا تتبع هذا الريجيم القاسي". وفي رواية أخرى أنهم أخبروها أن الفلاح لم يجد خبزا يأكله مدة أسبوع، فقالت مستنكرة "لماذا لم تأكل غاتوه (الكعك)؟".

وليس ثمة غرابة في موقفها هذا، فظاهرة الفقر والجوع ليست جزءا من مخزونها الإدراكي، ولهذا لم تستطع إدراكها، ومن ثم نزعت ظاهرة الجوع من سياقها الحقيقي (الفقر) وربطتها بالأسباب التي تعرفها (الريجيم- الغاتوه بدلا من الخبز)، أي أنها فرضت مخزونها الإدراكي على ما رأته بعيونها (الموضوعية المادية)، وحددت خريطتها الإدراكية مجال الرؤية.

ولا يعني هذا أن الواقع المادي الخام غير موجود دون الإدراك الإنساني له، فهو بلا شك موجود هناك في ماديته وطبيعيته، وموضوعيته ولاشخصيته وعموميته (خلقه الله خارج وعينا وإدراكنا وإرادتنا)، وهو يؤثر دون شك في تحديد بعض جوانب فكر البشر وسلوكهم بدرجة تتفاوت في مقدار عمقها من إنسان إلى آخر ومن لحظة زمنية إلى أخرى.

ولهذا لا يمكن أن ندرس ظاهرة الإنسان والظواهر الإنسانية مثلما نرصد الأشياء أو الظواهر الطبيعية المادية، ولا يمكن أن نسجل سلوك الإنسان كفرد أو كجماعة كما نسجل سلوك النملة وجماعات النمل.

فمثل هذه الرؤية -بغض النظر عن لاإنسانيتها المقيتة- هي رؤية غير دقيقة، لأن الدوافع خيرةً كانت أم شريرة، وأشكال الوعي مهما كان زيفها وانفصالها عن الواقع المادي، والمعنى أي الدلالة الداخلية التي يراها الإنسان في ما يقع له من أحدات وفي ما يحيط به من ظواهر مهما كانت سطحيته أو عمقه.. هذه الثلاثة تشكل جزءا أساسيا من الواقع الإنساني، ولا يمكن لأي إنسان تجاوز هذه القاعدة.

وتتسم الخريطة الإدراكية بأنها غير واعية في معظم الأحيان، حيث يحملها الإنسان في عقله وهو يرى أنها الأكثر منطقية وطبيعية.

فالإنسان العنصري لا يرى إلا مساوئ الآخر وفضائل قومه، ويصدق هذا أيضا على الجندي الأوروبي الذي كان يرسل إلى أحراش أفريقيا بعدما يخبره قادته أنه يحمل عبء الرجل الأبيض، وأنه لم يذهب إلى هناك للسلب والنهب والاستيلاء على الأراضي وطرد سكانها واستغلالهم، وإنما إلى نشر الحضارة في ربوع القارة السوداء وتهذيب سكانها البرابرة الهمجيين الذين لا يستحقون الحياة.

فقد كان يستبطن الخريطة الإدراكية دون أن يدري، ولا يتورع عن ذبح السكان الأصليين لأنه يحمل لواء الحضارة المتفوقة.


من الصعب إقناع أي إنسان بأن يتحول إلى مجرد أداة، ولهذا يتعين تغيير خريطته الإدراكية حتى يمكنه أن يتحرك بحماس ويحمل السلاح دفاعا عما يتصوره ومما استبطنه
ولا يشكل الصهاينة أي استثناء، ولهذا ينبغي عند دراسة سلوكهم أن نذكر أنفسنا بأن ما يحدد سلوكهم ليس استجابتهم المباشرة للعناصر والملابسات المادية المختلفة المحيطة بهم، وإنما رؤيتهم وإدراكهم لها.

وقد أدرك الصهاينة أهمية الخريطة الإدراكية في تشكيل الرأي العام وفي تحريك الجماهير، فقد قامت الدولة الصهيونية باعتبارها دولة استعمارية استيطانية إحلالية تؤدي وظيفتين هما: تخليص أوروبا من اليهود ونقلهم إلى فلسطين ليشكلوا قاعدة للاستعمار الغربي، أي أن المشروع الصهيوني حوّل يهود أوروبا إلى مجرد أداة لتحقيق هدف إستراتيجي.

ولكن من الصعب إقناع أي إنسان بأن يتحول إلى مجرد أداة، ولهذا يتعين تغيير خريطته الإدراكية حتى يمكنه أن يتحرك بحماس ويحمل السلاح دفاعا عما يتصوره وعما استبطنه.

ولتحقيق ذلك تحركت القيادة الصهيونية على مستويين، فقد أكدت من ناحية أن اليهود كتلة بشرية قومية متماسكة لها تاريخها الخاص وخصائصها الفريدة، ولها حق مطلق في فلسطين بوصفها الوطن القومي، ومن ثم يصور توجههم لغزو فلسطين باعتباره "عودة" إلى أرض الأجداد وليس احتلالا أو استعمارا، وهذه "العودة" تتم بناء على الوعد الإلهي وليس بناء على وعد بلفور، بل إن فلسطين طبقا لهذا التصور هي "إرتس يسرائيل".

ومن ناحية أخرى أخذ المتحدثون الصهاينة -ومعظمهم ملاحدة- يتحدثون عن التوراة والتلمود، واتخذت الدولة الصهيونية بعض الرموز الدينية، حتى تصور الكثيرون أنها بالفعل دولة يهودية، وراحوا يدركونها على هذا النحو، وينظرون إلى ما ترتكبه من بطش ومذابح على أساس هذا الإدراك.

وفي هذا الإطار تصبح المقاومة الفلسطينية مسألة غير مشروعة وغير مفهومة، بل وتصبح إرهابا، ويصبح البطش الصهيوني دفاعا مشروعا عن النفس أو عن أرض الأجداد أو عن الهوية اليهودية للدولة.

غير أن الخريطة الإدراكية قد تتغير عندما يتحدى الواقع هذه الخريطة ويبين قصورها، إذ يهتز أساس الرؤية وأسلوب الإدراك ذاته فتميد الأرض من تحت قدمي صاحبها.

هذا ما حدث للمستوطنين الصهاينة، حيث كان محور خريطتهم الإدراكية أن فلسطين أرض بلا شعب، أو على الأقل شعب يشبه الهنود الحمر يمكن القضاء عليه عن طريق الإبادة أو النقل أو الحصار أو التجاهل.

وقبل اندلاع الانتفاضة الأخيرة أصدر المجلس الإقليمي لمستوطنات غور الأردن الاستعمارية خريطة سياحية لا تظهر عليها أي قرى أو مدن عربية، كأنها قد أزيلت، أو كأنها لم توجد أصلا أي أنها أرض بلا شعب.

ولكن ما حدث هو العكس، إذ ظهر أن فلسطين أرض عليها شعب، وهو شعب عريق ينتمي إلى تشكيل حضاري قديم ومركب، وهو يتزايد كما وكيفا بطريقة مزعجة، فاهتزت الخريطة الإدراكية وبدأت العصبية تظهر في ما أسميه "المرحلة الشارونية"، وهو تصور المستوطنين أنه يمكن تغيير الواقع بالقوة حتى يتسق مع خريطتهم الإدراكية، ولكن الواقع يتحدى بشكل مستمر الخريطة الإدراكية الأسطورية الصهيونية، فالانتفاضة مستمرة ومقاومة أصحاب الأرض تتصاعد رغم البطش الصهيوني.

وبالإضافة إلى ذلك فإن الخريطة الإدراكية ليست أمرا حتميا، إذ يمكن تغييرها، وقد بدأت قطاعات لا بأس بها من الجماهير الإسرائيلية تدرك عبث محاولة فرض الأسطورة الصهيونية على الواقع الفلسطيني.

ومن أهم الأمثلة على إمكانية تحرر الإنسان من خريطته الإدراكية القاصرة ما حدث للمفكر الصهيوني نيثان بيرنباوم الذي شارك في تأسيس الحركة الصهيونية، بل ونحت كلمة "صهيونية" نفسها واشترك في المؤتمر الصهيوني الأول، ولكنه بدأ يكتشف تدريجيا حقيقة الصهيونية بوصفها حركة تقوض الانتماءات الحقيقية ليهود العالم، فترك الحركة الصهيونية وانضم إلى دعاة اليديشية، لغة يهود شرق أوروبا الذين كانوا يطالبون بالحفاظ على الهوية اليهودية الشرق أوروبية التي يمكن أن تتحقق في وطنها روسيا وبولندا (وهذا يختلف عن نقطة الانطلاق الصهيونية التي ترى أن ثمة هوية يهودية عالمية لابد أن تتحقق في أرض الميعاد).

وقد عاش بيرنباوم إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، ورأى الكارثة وهي تقترب وأدرك أن الحضارة الغربية الحديثة مدمرة، فاقترح أن يوطن أعضاء الجماعات اليهودية في أوروبا في أماكن زراعية بين البلدان المختلفة، أي أنه أعطى ظهره للتاريخ لإحساسه باقتراب الكارثة.

وأعتقد أن حكم محكمة العدل الدولية الذي صدر مؤخرا بخصوص عدم شرعية جدار الفصل العنصري الذي تشيده الدولة الصهيونية، يمكن أن يشكل بداية لتغيير الخريطة الإدراكية في العالم الغربي، فهو يعيد الأمور إلى نصابها ويبين هوية الدولة الصهيونية بوصفها دولة محتلة -وليس بوصفها دولة يهودية- ومن ثم تتساقط الادعاءات.


آن للإعلام العربي كي يسعى للتأثير في الخريطة الإدراكية للشعوب الغربية عبر الحوار المسلح، أي المقاومة المسلحة المستمرة التي يصاحبها إعلام قوي يبين حقيقة الدولة الصهيونية
وهذا ما أدركه كثير من المعلقين الإسرائيليين أنفسهم، فقد بدؤوا باستنكار هذا الحكم واتهامه بمعاداة السامية، وأنه تعبير عن كره الأغيار -أي غير اليهود- لليهود، إلى آخر هذا المخزون من السباب في خريطتهم الإدراكية.

ولكنهم أقروا في الوقت نفسه بأن "الكراهية لإسرائيل تتزايد وتخترق الحدود، وقرار المحكمة الدولية في لاهاي يرفرف كراية حمراء فوق الجدار" (صحيفة معاريف 11/7/2004)، وأن القرار سيضفي شرعية على عمليات المقاومة الفلسطينية، وهو بذلك يمثل انتصارا للفلسطينيين، وربما كان النجاح الأكبر لهم منذ قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1975 الذي وسم الصهيونية بالعنصرية (صحيفة يديعوت أحرونوت 11/7/2004).

ثم يمضي نفس الكاتب ليؤكد أن القرار يعني إعادة تصنيف الدولة الصهيونية، أي تغيير الخريطة الإدراكية بخصوصها، "فبعد 37 عاما من الاحتلال تتحول إسرائيل في نظر قسم كبير من العالم إلى دولة منبوذة، إنها ليست دولة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا ولكنها بالتأكيد من العائلة نفسها". ويذهب كاتب آخر هو ألوف بن، إلى أنها قد تلاقي مصير "جنوب أفريقيا" (صحيفة هآرتس 11/7/2004).

وأعتقد أنه قد حان الوقت لأن يتوجه الإعلام العربي إلى هذه القضية، ساعيا إلى التأثير في الخريطة الإدراكية للشعوب الغربية، من خلال ما أسميه الحوار المسلح، أي المقاومة المسلحة المستمرة التي يصاحبها إعلام قوي يحاول أن يبين حقيقة الدولة الصهيونية في المنطقة بوصفها جيبا استعماريا استيطانيا إحلاليا يمثل الاستعمار الغربي ويخدم مصالحه، والله أعلم.
_________
مفكر مصري

المصدر : غير معروف