د. نجيب الغضبان*

مع انتشار التظاهرات المناهضة للحرب ضد العراق في كل أنحاء المعمورة، يُثار تساؤل حول نكوص الشعوب العربية عن المشاركة في هذه الحركة العالمية بحق. ساورني هذا التساؤل وأنا أشارك في المظاهرة التي شهدتها بلدتنا الجامعية في ولاية آركنسا في جنوب الولايات المتحدة..التظاهرة هذه هي الثانية في هذه المدينة التي لا يتجاوز تعدادها ستين ألف نسمة. وهاتان المظاهرتان ليستا الأنشطة الوحيدة في هذه المنطقة، إذ تنشط جمعية أهلية يرأسها أستاذ جامعي متقاعد في تنسيق أنشطة شبه أسبوعية لتوعية المجتمع بمخاطر الحرب المحتملة. وبالعودة إلى التظاهرات، فقد لاحظت بشكل واضح قلة المشاركين من العرب الموجودين في هذه المنطقة. ولعل ضعف مشاركة العرب في التظاهرات -على مستوى الولايات المتحدة- يعود إلى العامل الرئيسي الذي يمنع المواطن العربي في وطنه من المشاركة، إنه الخوف الذي بدأ ينتشر بين أوساط الجالية، خاصة الطلبة العرب.


هناك تخوف من الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة في المنطقة، حيث يرى كثير من المحللين أنه لن يقف عند بغداد، بل هو بداية سيتم بعدها استهداف دول أخرى، بعضها له ميول ثورية وأخرى محافظة، القاسم المشترك بينها أنها عربية أو مسلمة
وقبل الغوص في تحليل ضعف مشاركة الجماهير العربية، قد يكون من المفيد الإشارة إلى نوعية ودوافع المشاركين في تظاهرات الولايات المتحدة.

  • الملاحظة الأولى: حول هوية المشاركين، هي التنوع في خلفيتهم. فهناك دعاة السلام الذي يعارضون كل الحروب، إضافة إلى مناهضي العولمة واليساريين المتعاطفين مع العالم الثالث وأنصار البيئة خاصة أنصار حزب الخضر، ومناهضي التمييز العنصري، وأخيراً بعض الأميركيين من الأصل العربي والمسلم. فما الذي يجمع بين كل هؤلاء؟ أولاً هناك قناعة بأن هذه الحرب ليست عادلة، فحجج الإدارة الأميركية بأنها محاولة لتجريد العراق من أسلحة الدمار الشامل غير مقنعة، كما أن الحديث عن صلة النظام العراقي بالقاعدة لم يثبت منه أي شيء حتى الآن.
  • ثانياً: هناك رفض للمبدأ الذي تحاول الإدارة الأميركية تسويق الحرب على أساسه، وهو مبدأ الحرب الوقائية. مرد معارضة هذا المبدأ يتمثل في أنه سابقة خطيرة في العلاقات الدولية، إذ يعطي الدول الحق في مهاجمة مناوئيها إذا اعتقدت أنها تشكل خطراً عليها.
  • وأخيراً: هناك حالة من عدم الثقة بالخط المتشدد داخل الإدارة الأميركية، ينم عن نزعة استعلائية ممزوجة بروح عنجهية القوة، وستكون له نتائج لا تحمد عقباها للعالم أجمعه.


أغلب الأنظمة العربية تمنع التظاهرات العفوية أو حتى التجمعات غير الرسمية، وتوظف أجهزتها الأمنية بكامل فعاليتها للتعامل معها
أين الشعوب العربية من هذه القضايا؟ المؤشرات المتوافرة حول الرأي العالم العربي تدلل على أن أغلبية قد تصل إلى درجة العظمى، تعارض حرباً أمريكية ضد العراق. ولعل بعض فصائل المعارضة العراقية، ودولة الكويت -ولأسباب مفهومة- هي الوحيدة التي لا تعارض حرباً قد تقود إلى تغيير النظام العراقي واستبداله بنظام آخر يحترم حقوق الإنسان وحقوق الجوار. الإشكالية بالنسبة لهؤلاء، أن الولايات المتحدة لديها حساباتها المختلفة التي قد لا تتوافق مع آمال المعارضة ودول الجوار.

أغلبية الشعوب العربية العربية تنطلق من رفض مبدئي لقيام الولايات المتحدة بحرب ضد العراق، لأسباب شتى منها:

  • أولاً: التعاطف مع الشعب العراقي الذي سيكون الضحية الأولى لأي حرب، كما أثبتت حرب الخليج الثانية عام 1991، والحصار الذي أعقبها.
  • ثانياً: هناك حالة مناهضة، تصل عند البعض إلى درجة العداء تجاه الولايات المتحدة، بسبب مواقفها المتحيزة الصارخة لإسرائيل، وتاريخها المتحيز للأنظمة الاستبدادية ضد الشعوب.
  • ثالثاً: هناك تخوف من الأهداف الحقيقية للولايات المتحدة في المنطقة، حيث يرى كثير من المحللين أنه لن يقف عند بغداد، بل هو بداية سيتم بعدها استهداف دول أخرى، بعضها له ميول ثورية وأخرى محافظة، القاسم المشترك بينها أنها عربية أو مسلمة.

إذا كان الأمر كما وصفنا، فلِم لا تنضم الشعوب العربية إلى الحركة العالمية المناهضة للحرب؟ هناك ثلاثة عوامل رئيسية لغياب المشاركة الشعبية في مناهضة الحرب:


  • الحالة الاقتصادية والاجتماعية لأغلب المواطنين العرب تجذبهم بعيداً عن المشاركة السياسية التي تتطلب وقتاً وجهداً، سيكون على حساب تأمين الحاجات الأساسية من لقمة العيش لتأمين السكن وقسط من العمل والتعليم والصحة
    العامل الأول:
    هو بمثابة الخلفية لأي فعل سياسي بما فيه المشاركة في القضايا العامة، وهو حالة الاستبداد القائمة في كل الدول العربية، مع اختلاف في الدرجة.
  • العامل الثاني: هو الشعور بالعجز وانعدام الجدوى من المشاركة السياسية.
  • وأخيراً: انشغال الغالبية العظمى من الشعوب العربية بتأمين احتياجاتها الأساسية، وعلى رأسها لقمة العيش.

والخلفية لانعدام المشاركة السياسية في العالم العربي هي الحالة الاستبدادية التي ساهمت على مدى السنين بقتل روح المبادرة، ومعاقبة أي شكل من أشكال التعبير السياسي الذي لا يأتي من قمة الهرم السياسي.

وفي بعض دول العالم -خاصة الولايات المتحدة- فإن معارضة الحرب تندرج ضمن معارضة السياسية الرسمية، وهو أمر مقبول. فعلى سبيل المثال، أثنى الرئيس الأميركي على الحيوية الديمقراطية، في معرض تعليقه على التظاهرة الكبيرة التي شهدتها العاصمة الأميركية واشنطن. المفارقة أن التعبير عن المعارضة للحرب في أغلب الدول العربية لا يتناقض مع توجه النخب الحاكمة، خاصة تلك التي تشعر بأنها مستهدفة من قبل أميركا. لكن التخوف من تحول التظاهرات عن أهدافها يمثل مخاطر لا تتحملها العقلية الأمنية التي تسيطر على الأنظمة العربية. فأغلب تلك الأنظمة يمنع التظاهرات العفوية أو حتى التجمعات غير الرسمية، ويوظف أجهزته الأمنية بكامل فعاليتها للتعامل معها.

  • العامل الثاني هو الشعور بأن التظاهرات وأشكال التعبير السياسي الأخرى غير مجدية، ولن تستطيع إيقاف الآلة العسكرية الأميركية. وإذا أضفنا إلى ذلك تجربة الشعوب العربية المريرة مع التظاهرات، فالنتيجة المتوقعة المزيد من السلبية. فمثلاً شهدت المنطقة العربية تجربتين مريرتين مع التظاهرات، أولاها التظاهرات التي اجتاحت العواصم العربية الرئيسية ضد الحرب الأميركية ضد بغداد عام 1990، والتي غذتها الدعاية الفارغة للنظام العراقي بقدرته على هزيمة المعتدين. لكن أم المعارك تحولت إلى هزيمة نكراء. لقد أصابت صور الجيش العراقي المستسلم أمام "الغزاة" الكفرة الشعوب العربية المسيسة المتعاطفة مع العراق بإحباط شديد. والتجربة الثانية كانت في الأشهر الأولى من الانتفاضة الفلسطينية الثانية. فعلى الرغم من روح التعاطف والاستعداد لمؤازرة الشعب الفلسطيني، فإن فشل النظام الرسمي العربي في تحويل هذه الإرادة الشعبية إلى خطوات عملية، قد أصاب الشعوب العربية بإحباط يضاف إلى السجل التراكمي للعرب في مواجهة إسرائيل شعوبا وحكومات.

  • العالم العربي بشقيه الرسمي والشعبي سيتم تغييبه عن المشاركة في تقرير مصير المنطقة، خاصة إذا ما نجحت الحرب القادمة بالتصور الذي يريده المتشددون داخل الإدارة الأميركية
    أخيراً،
    فإن الحالة الاقتصادية والاجتماعية لأغلب المواطنين العرب تجذبهم بعيداً عن المشاركة السياسية التي تتطلب وقتاً وجهداً، سيكون على حساب تأمين الحاجات الأساسية من لقمة العيش لتأمين السكن وقسط من العمل والتعليم والصحة... وإذا أضفنا إلى ذلك السجل المخزي للنظام العربي في مقارعة الأمية والفقر التخلف والمرض، فمن غير المنطقي توقع حيوية سياسية عربية واعية تضاهي تلك القائمة في الدول الأوروبية أو الولايات المتحدة.

العالم العربي الشعبي مغيب عن المشاركة السياسية، وبشقيه الرسمي والشعبي سيتم تغييبه عن المشاركة في تقرير مصير المنطقة، خاصة إذا ما نجحت الحرب القادمة بالتصور الذي يريده المتشددون داخل الإدارة الأميركية. أمام الأنظمة العربية فرصة للتصالح مع شعوبها، فالمنطقة بأكملها مقبلة على مرحلة يتم الإعداد لتشكيلها بما لا يخدم أهلها، سواء كانوا حكاماً أم محكومين. وزير الخارجية الأميركي تحدث عن "دمقرطة" العالم العربي، ورصد لذلك ميزانية طمأنت النخب العربية الحاكمة بأن الأمر لا يتعدى رش الرماد في العيون. لكن الأحداث القادمة قد تفتح المنطقة أمام كافة الاحتمالات، خاصة إذا مارُفعت حالة التأييد الأميركي للوضع السياسي الراهن الآسن. فهل ستتمكن الأنظمة القمعية –عندها- من الوقوف أمام العاصفة لوحدها؟

_______________
*أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا، الولايات المتحدة

المصدر : غير معروف