*بقلم/ إبراهيم غرايبة

- من الإصلاحية إلى السياسية إلى العنف والتطرف
- الإسلاميون الجدد
- من الإسلام السياسي إلى الإسلام

تحظى دراسة الجهود والحركات الإسلامية الإصلاحية الحديثة بأهمية كبرى في هذه المرحلة ربما تفوق أي مرحلة سابقة، فقد حدثت تحولات وأحداث مهمة تبدت فيها أولويات واحتياجات جديدة يجب إدراكها، وظهرت خريطة جديدة من الامتدادات والحركات، وثمة تحديات وعيوب كثيرة رافقت العمل الإصلاحي يجب الالتفات إليها.


تطور مشهد العمل الإسلامي اليوم إلى خريطة معقدة وشاملة تشمل دولا قامت على أساس حركات وأفكار إسلامية أو متأثرة بها، مثل السعودية وإيران والسودان وأفغانستان
من الإصلاحية للسياسية للعنف وللتطرف
بدأ العمل الإصلاحي بمبادرات ومشروعات نهض بها مصلحون ومفكرون مثل محمد بن عبد الوهاب في الجزيرة العربية، وجمال الدين الأفغاني في مصر والدولة العثمانية، ومحمد عبده ورشيد رضا في مصر، وعبد الرحمن الكواكبي في الشام، وسعيد النورسي في تركيا، ومحمد بلحسن بلحجوي وعلال الفاسي في المغرب، وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي في الجزائر، والطاهر عاشور في تونس ثم في حركات تحررية واستقلالية مثل السنوسية في ليبيا والمهدية في السودان والمريدين في القفقاس.

ثم استوعبت هذا التراث الإصلاحي والنهضوي حركات إسلامية منظمة وشعبية مثل الإخوان المسلمين بقيادة حسن البنا تلميذ رشيد رضا، والجماعة الإسلامية في القارة الهندية، والحركة الإسلامية الشيعية في إيران، والحركة الإسلامية في تركيا (حزب السلامة، ثم حزب الرفاه، ثم حزب الفضيلة، ثم حزبا السعادة والعدالة والتنمية).

وتطور مشهد العمل الإسلامي اليوم إلى خريطة معقدة وشاملة تشمل دولا قامت على أساس حركات وأفكار إسلامية أو متأثرة بها، مثل السعودية وإيران والسودان وأفغانستان، وتجارب ومحاولات للحكم والمشاركة السياسية مثل حزب الرفاه ثم حزب العدالة والتنمية في تركيا، والجبهة الإسلامية وحركة مجتمع السلم وحركة الإصلاح في الجزائر، والحركة الإسلامية في اليمن والأردن، وحركات مقاومة للاحتلال مثل حماس والجهاد وحزب الله، كما تشمل أحزابا سياسية تشارك في الحكم والحياة السياسية والعامة، ومؤسسات إسلامية كالمنظمات الدولية والإقليمية والجامعات والبنوك والشركات ومنظمات الإغاثة ومراكز الدراسات والصحف والمجلات ومحطات الإذاعة والتلفاز.

ونشأت أيضا حركات إسلامية تتخذ من العنف والتطرف وسيلة للعمل والتغيير، مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد في مصر، والجماعات الإسلامية المسلحة في الجزائر، وشبكات وخلايا إسلامية منتشرة في العالم يعتقد أنها تنظمها شبكة القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، ويعتقد أنها مسؤولة عن مجموعة كبيرة من أحداث العنف أهمها بالطبع تدمير برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك أو ما اصطلح على تسميتها بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

بالإضافة إلى مجموعات أخرى كثيرة ارتبطت بأحداث معينة أو سلسلة من المواقف، مثل جماعة أنصار الإسلام في كردستان، والجماعات السلفية الجهادية التي يعتقد أنها مسؤولة عن مجموعة من أحداث العنف في اليمن والسعودية وإندونيسيا، وهناك أيضا جماعات مسلحة ترتبط بمطالب استقلالية أو انفصالية في الفلبين والشيشان وكشمير.

ويمكن ملاحظة خصائص جديدة للمشهد الإسلامي مختلفة عن المرحلة السابقة أهمها صفتان أساسيتان هما:
الأولى هي الصعود الكبير للحركات السلفية الجديدة القائمة على العنف والمقاومة والتطرف، واجتذابها أعدادا كبيرة من المتطوعين والمؤيدين، وقدرتها على تنظيم أعمال مقاومة مسلحة، كما يحدث اليوم في أفغانستان والعراق، أو القيام بعمليات عنف مسلح كما حدث في الولايات المتحدة وإندونيسيا والسعودية واليمن وأفريقيا، ولا يستبعد أن تكون وراء انقطاع التيار الكهربائي الذي حدث مؤخرا في الولايات المتحدة وبريطانيا، وربما تكون عملياتها في أفغانستان والعراق أكبر بكثير مما يبدو في وسائل الإعلام الخاضعة جميعها للحصار والمراقبة.

أما السمة الثانية فهي انتقال مسؤولية الجهود الإصلاحية من الحركات المنظمة إلى حالة مجتمعية تنهض بها شبكة من الحكومات والمؤسسات والجماعات والأفراد.

ويمكن ملاحظة ذلك في حالة التدين المنتشرة في جميع أنحاء العالم الإسلامي حتى في دول لا يوجد فيها حركات إسلامية منظمة مثل العراق وسوريا، فالمساجد اليوم تمتلئ بالرواد من الناس الذين لا ينسق وجودهم فيها جماعة كما كان الأمر قبل 20 سنة أو أكثر، حين بدأت الصحوة الإسلامية بالنمو والانتشار، ولكن الإقبال على المساجد حالة مجتمعية عامة، وكذلك الأمر في استثمارات ومؤسسات قائمة على اتجاهات التدين الجديدة مثل البنوك الإسلامية وشركات التأمين، ورحلات الحج والعمرة والحجاب وأشرطة الكاسيت والإعلام وغيرها من البرامج التي بدأت نخبوية تقوم عليها وتنسقها جماعة إسلامية منظمة وصارت اليوم حالة مجتمعية عامة.

وبالطبع فإنهما تحولان كبيران يؤشران على انحسار أو تغير في أدوار ومهمات الحركات والتنظيمات الإسلامية السياسية والتي حققت سيادة مطلقة على المشهد الإسلامي السياسي منذ سبعينيات القرن العشرين إلى ما قبل نهايته بقليل.


كان قادة ونشطاء الجهاد مؤهلين أكثر من غيرهم للمبادرة والقيادة في وسط الشباب الإسلامي غير المتعلم وغير المنظم والمقبل بزخم وحماس على برامج المقاومة المسلحة
الإسلاميون الجدد
يبدو القرن الحادي والعشرون في بدايته وكأنه سيشهد تحول مجموعة من الحركات الإسلامية برغم عراقتها وحجمها إلى مرحلة تاريخية، خاصة وأن قطاعا كبيرا من الشباب والمجموعات قد تجاوزها، فلم يكن خروج مجموعة من الشباب في مصر عن المسار التقليدي والعام لجماعة الإخوان المسلمين ليؤسسوا جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية مجرد حدث عابر أو مثل كل عمليات الخروج والانقسام التي عرفتها الجماعة.

وربما يكون أيمن الظواهري وجماعة الجهاد وليس أسامة بن لادن مفتاح فهم التحولات التي جرت في الحركة الإسلامية، فقد كشفت الثمانينيات في مصر والتسعينييات في أفغانستان أن جماعة الجهاد المصرية تقود تحولات كبرى في الحركة الإسلامية في مصر والعالم العربي والإسلامي.

وكان قادة ونشطاء الجهاد مؤهلين أكثر من غيرهم للمبادرة والقيادة في وسط الشباب الإسلامي غير المتعلم وغير المنظم والمقبل بزخم وحماس على برامج المقاومة المسلحة في أفغانستان، وأفكار العنف والتطرف ممن لم تستوعبهم الحركة الإسلامية التقليدية وربما لم تعرف عنهم شيئا ولم تلتفت إليهم.

لقد تأثر جيل الشباب في الستينيات بهزيمة 1967، وربما كان إعدام سيد قطب عام 1966 بداية تفاعل ومد إسلامي يرى الجهاد سبيلا للنهوض ومقاومة أنظمة الحكم.

وسافر أيمن الظواهري عام 1985 إلى باكستان ثم أفغانستان، وهناك أعاد بناء تنظيم حركة الجهاد وجمع خيوط التنظيم في يديه بمساعدة مجموعة معاونين وقادة لجؤوا إلى أفغانستان، واستقدم الملاحقين والفارين من التنظيم، ووجد الشباب في أفغانستان فرصة غنية للعمل والتدريب بحرية مثالية.

وانتقل الظواهري بصحبة أسامة بن لادن ومعهما مئات الشباب العرب إلى السودان عام 1993، وبعضهم هاجر إلى اليمن. وكان يجري ترتيب دخول الشباب مرة أخرى إلى مصر للقيام بعمليات تنظيمية وعسكرية.

وبعد سيطرة حركة طالبان على الحكم في أفغانستان عام 1996 هاجر الشباب إلى أفغانستان مرة أخرى وبدأت تحولات فكرية وتنظيمية وسياسية مهمة منذ الهجرة الثانية إلى أفغانستان، فقد أعلن عن تشكيل حركة الجهاد العالمية، والواقع أنه منذ العام 1993 بدأت حركة الجهاد تنفيذ عمليات عسكرية في مصر مثل محاولة اغتيال اللواء حسن الألفي وزير الداخلية السابق، ومحاولة اغتيال عاطف صدقي رئيس الوزراء السابق، ويتوقع أن هذا التحول بدأ بضغط من معاوني الظواهري وبتأثير تنافسي للجماعة الإسلامية، وكان قبل ذلك يرى عدم جدوى مثل هذه الأعمال بل وخطورتها على العمل الإستراتيجي وبعيد المدى والنظر.

كانت القضية الفلسطينية في العمل الجهادي هامشية ثانوية، ذلك أنها كانت في نظر جماعة الجهاد مرحلة تالية لقتال العدو القريب وفي إحدى نشرات الجماعة الصادرة في أبريل/ نيسان 1995 "المجاهدون" قال الظواهري بصراحة ووضوح "لن نفتح القدس إلا إذا حسمت المعركة في مصر والجزائر وإلا إذا فتحت القاهرة".

ولكن حدث تحول مهم عام 1998 عند الإعلان عن "الجبهة الإسلامية العالمية لجهاد اليهود والصليبيين" وبدأ التحريض الواضح ضد المصالح الأميركية وضربها بالفعل كما في تفجير السفارتين الأميركيتين في أفريقيا والمدمرة الأميركية كول في عدن.

ويجب التمييز هنا بين العنف والتطرف فقد يكون التطرف فكريا غير مرتبط بالعنف، وقد يكون بعض التطرف مطلوبا للالتزام الأيديولوجي وزيادة الفاعلية والقدرة على التأثير، ويجب التفرقة بين العنف كأسلوب طارئ قد تستدعيه ظروف معينة وكونه جزءا من فكر الحركة وأيديولوجيتها المنظمة.

وهذا استدراك يجب استدعاؤه عند ملاحظة حالة الجزائر التي تشهد حالة من العنف المتبادل بين الجماعات الإسلامية والحكومة الجزائرية وقواتها المسلحة والأمنية بعد استدراج هذه الجماعات إلى العنف بغير إرادتها، فقد قبلت هذه الجماعات باللعبة السياسية الديمقراطية في الجزائر، ولكن الجيش والنخب العلمانية والقوى الدولية لم تقبل بنتيجة هذه الانتخابات التي جاءت عام 1991 لصالح الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ودفعت الجزائر إلى حالة صراع كارثية هي أسوأ في نتائجها وآثارها بالتأكيد من الآثار المتوقعة لوصول الجبهة الإسلامية إلى الحكم إذا كانت الجبهة بالفعل تخطط لتحولات جذرية في السياسة والمواقف.

ويرجع العديد من المحللين جذور التطرف الديني إلى فكر سيد قطب وحكمه بارتداد المجتمع عن الإسلام وتردي هذا المجتمع في الجاهلية لرفضه حاكمية الله، واستخدمت فئة من الشباب هذه الفكرة أساسا لتغيير الواقع ورفضه والعمل على تغييره بالقوة.

وإذا كان اتجاه الحركة الإسلامية إلى الاعتدال يمثل رغبة حقيقية وجادة فإن ذلك يعتمد على النظم السياسية والمجتمعات إضافة إلى الحركات الإسلامية نفسها، ويبدو أن الحكومات العربية والإسلامية غير جادة في دفع الحركات الإسلامية إلى العمل السلمي، ولا تريد الديمقراطية ابتداء.

وكانت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول ثم الاحتلال الأميركي للعراق مرحلة جديدة من المواجهة بين الإسلاميين الجدد والولايات المتحدة وحلفائها من الدول الغربية والإسلامية، وأسست هذه الأحداث لمواجهات كبيرة وضخمة يبدو مؤكدا أنها ستؤدي في محصلتها لنهاية الحركات والتنظيمات الإسلامية القائمة على العنف والتطرف.

لكن الولايات المتحدة أيضا لن تكسب الحرب وإن كان يتوقع أنها ستكسب المعركة، فانتصارها على هذه الحركات سيكون على الأرجح شبيها بانتصار بريطانيا وفرنسا في الحرب العالمية الثانية، فقد كسبتا الحرب وخسرتا أهميتهما وقوتهما، وعادت ألمانيا واليابان المهزومتان أكثر تقدما وقوة وعنفوانا.


إن الإسلام -بالتعريف- عقيدة وثقافة وحضارة، وأما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية دون زيادة أو نقص، وهذا لا يعني تجاهل إنجازات الحركة الإسلامية المعاصرة وتضحياتها
من الإسلام السياسي إلى الإسلام
يبدو المشهد القادم للعالم الإسلامي خاليا من الحركات والجماعات الإسلامية المعتدلة منها والمتطرفة، فقد استنفدت الأولى أغراضها ولم تعد قادرة على استيعاب التحولات الإسلامية والمجتمعية، والمتطرفة أيضا ستتعرض لملاحقة وتصفية دون رحمة بل ستكون مطاردتها وتصفيتها بالنسبة للولايات المتحدة وللأنظمة السياسية كلها مثل رحلة صيد ممتعة.

وقد استدرجت المجموعتان من الحركات الإسلامية إلى رد فعل على أزمة أرادت الخروج منها وانتهت إلى أزمة خلقتها هي بوجودها وعجزها عن تحقيق الحسم.

ولكن الإسلام سيبقى حاضرا يصوغ المجتمعات ويسهم في تشكيل مستقبلها، فالدين كان باستمرار كما يلاحظ حسن حنفي في كتابه (الإسلام السياسي بين الفكر والممارسة) وسيلة للتغيير الاجتماعي والسياسي والثقافي وحركة اجتماعية تعبر عن قوى اجتماعية مضطهدة أو مهمشة في المجتمع ضد قوى التسلط والطغيان، وكان الدين أداة لتحرير الشعوب مثل تحرير اليهود من قبضة فرعون، وكان وسيلة لجمع القبائل وتأليفها كما في الجزيرة العربية.

ويلاحظ عبد الإله بلقزيز أن الإسلام يسجل حضورا متجددا في ميدان العلاقات الاجتماعية والسياسية، ولم تعد السياسة تملك أن تعبر عن نفسها بمعزل عن الدين، ليس فقط بالنسبة للذين أتقنوا دائما الصلة بينهما كالإسلاميين، بل حتى بالنسبة للذين جربوا باستمرار تجاهل ورفض تلك العلاقة.

إن الإسلام –بالتعريف– عقيدة وثقافة وحضارة، وأما الحركات الإسلامية فهي حركات سياسية دون زيادة أو نقص، وهذا لا يعني تجاهل إنجازات الحركة الإسلامية المعاصرة وتضحياتها، فقد بذلت وحققت الكثير في صون هوية الأمة، وتحرير الأرض من الاحتلال، ومواجهة الاضطهاد والتهميش ثم هي قوة سياسية رئيسية بين الشعوب العربية والإسلامية استعادت بعض توازنات علاقات الصراع الداخلي بين المجتمع والسلطة.

وأضافت الحركة الإسلامية للعمل القومي والسياسي والإصلاحي بعدا دينيا استنهض طاقات الأمة وعبأها، وكسرت احتكار الدين الذي كانت تمارسه السلطة السياسية لتجعله عملا شعبيا واسع النطاق، واستعادت الأمة هذا الكنز الروحي المصادر وأعادت حيويته الوظيفة الاجتماعية والتحررية للإسلام ليكون سلاح المستضعفين في مواجهة الطغيان والاستضعاف.

وبالطبع فإن اختفاء الحركات الإسلامية القائمة اليوم إن صح هذا التقدير لن يكون مفاجئا أو يتم مرة واحدة ولكن الجيل القادم سيعتبرها على الأغلب تراثا أو تجربة تاريخية كما ينظر جيلنا على سبيل المثال للحركات اليسارية والقومية وكما ينظر لرموزها وقادتها الباقين على قيد الحياة. ومن ثم فإن الحديث عن مستقبل الحركة الإسلامية يبقى وجيها وقائما ومطلوبا.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : الجزيرة