بقلم: ياسر الزعاترة*

-دوافع الحرب
-
مواقف الأطراف المختلفة
-
سيناريوهات المعركة
-سيناريوهات المواجهة

-تداعيات الحرب

عند أكثر المراقبين السياسيين وحتى العسكريين لم يعد السؤال المطروح هو "هل ستقع الحرب الأميركية على العراق؟"، بل "متى وكيف" و"ما النتائج المتوقعة؟". ذلك أن جملة التصريحات والتحركات، فضلا عن المنطق التحليلي للأسباب والأهداف تشير جميعا إلى أن الحرب قادمة لا محالة.

على أن ذلك لا يمكن أن ينفي بحال من الأحوال أن الاحتمال الآخر يبقى ممكنا ولو على نحو محدود، ذلك أن أحدا لا يمكنه التكهن بطبيعة المفاجآت التي يمكن أن تحدث خلال الأسابيع وربما الأشهر التي تفصلنا عن بدء الموعد المفترض للحرب على العراق. وهو الموعد الذي ربما لم يحدد بعد، وإذا تحدد فهو لايزال سرا في عقل جورج بوش (الابن) ووزير دفاعه، وربما واحد أو اثنين آخرين.

المفاجآت المشار إليها لا تنطبق على قصة عودة المفتشين الدوليين التي لاتزال عالقة بين (كوفي أنان) والدبلوماسية العراقية، ذلك أن معظم المراقبين لا يميلون إلى أن قبول بغداد لمبدأ عودة المفتشين سيجنبها الضربة، بقدر ما سيغير في مواقف الأطراف الدولية منها، وهو ما سيؤثر بالضرورة على التداعيات السياسية قبل وأثناء اندلاعها وبعد وضوح نتائجها.

دوافع الحرب

وزير الدفاع الأميركي بجانب الرئيس العراقي

قد يكون الحديث المقتضب عن دوافع الحرب الأميركية على العراق بين يدي النظر في "سيناريوهاتها" وردود الأفعال عليها مفيدا، مع أنه من اللون المعروف إلى حد ما، بيد أن من المناسب التذكير به في معرض التأكيد على أن ما يدفع (بوش) نحو تلك الحرب هو أكثر قوة من قدرته على المواجهة.

ثمة بعد صهيوني في قصة الحرب على العراق لا يمكن مقاومته على الإطلاق، ليس من باب قابلية (بوش) العالية للتراجع أمام المطالب الصهيونية، فهذا من نافلة القول، وإنما من زاوية المصالح الإسرائيلية الحيوية منها، والتي تنسجم في أكثرها مع المصلحة الأميركية، وإن على نحو يتفاوت في أهميته.


التخلص من الأسلحة العراقية كان عنوانا قديما طرح في حرب الخليج الثانية، بيد أنه لايزال قائما، خصوصا ما يتصل بالعلماء القادرين على صناعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وعلى هذا الصعيد تتوحد الإرادة الإسرائيلية والأميركية على ملاحقة التسلح العراقي
التخلص من الأسلحة العراقية كان عنوانا قديما طرح في حرب الخليج الثانية، بيد أنه لايزال قائما، خصوصا ما يتصل بالعلماء القادرين على صناعة الأسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية، وعلى هذا الصعيد تتوحد الإرادة الإسرائيلية والأميركية على ملاحقة التسلح العراقي وإمكاناته المستقبلية، فعين واشنطن على قصة الإرهاب ومصلحة إسرائيل، في حين أن عين هذه الأخيرة على إبقاء الخلل في التوازن العسكري لصالحها.

ترتيبات المنطقة ما بعد تغيير النظام في العراق هي مصلحة مشتركة إسرائيلية أميركية، فعين قادة الدولة العبرية مصوبة على تهيئة الأجواء لتسوية وفق الأجندة المعروفة، وهذه لا يمكن تمريرها إلا بإخضاع الوضع الفلسطيني والعربي بعد ضرب العراق. أما واشنطن فإنها ترى في النتيجة المذكورة مصلحة حيوية لها في منطقة ذات بعد إستراتيجي، فضلا عما تختزنه من ثروات.

إن إعادة رسم خريطة المنطقة وفق أسس جديدة تزيد في ضعفها وشرذمتها هي مصلحة حيوية إسرائيلية أميركية، وهو ما يحلم الطرفان بتحقيقه بعد ضرب العراق ومحاصرة سوريا وإيران، فضلا عن مصر التي سيضعف وضعها، لا سيما إذا نجح مخطط فصل الجنوب السوداني والتحكم من خلاله بالأمن القومي المصري.

بوش شخصيا في حاجة ماسة لانتصار كبير في العراق لأكثر من سبب، لعل أهمها استمرار فشله في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب في أفغانستان، سواء لجهة اعتقال أسامة بن لادن والملا محمد عمر، أم لجهة ترتيب الوضع الداخلي كي يكون محطة امتداد وسيطرة على آسيا الوسطى وثرواتها.

والأهم أن حرب "الإرهاب" التي أعلنها (بوش) مازالت تشكل نزيفا معنويا واقتصاديا للدولة الأميركية، بدليل الركود الواسع ومسلسل فضائح الشركات وتراجع الدولار وبداية هروب الاستثمارات الأجنبية، وكل ذلك لا يمكن علاجه إلا بانتصار كبير على العراق يكون مقدمة لانتصار على بعوض "الإرهاب" الذي "يستوطن" بكثرة في "المستنقع" العربي.

هذا من زاوية الانتصار العسكري وتداعياته، فكيف إذا أضيف له وضع اليد على ثاني أكبر احتياطي نفطي في العالم ومعه نفط الخليج والسعودية، فضلا عن عقود إعادة الإعمار التالية.

مطاردة إيران وأسلحتها وإخضاعها للإرادة الأميركية هي جانب آخر من الحرب، فمحاصرتها من العراق إلى جانب أفغانستان سيجعلها أكثر قابلية للابتزاز، وفي هذا مصلحة إسرائيلية أميركية لا تخفى على أحد.

مواقف الأطراف المختلفة

مؤتمر المعارضة العراقية في لندن
وفي الإطار الرئيس صدام حسين يرأس اجتماعا لمجلس قيادة الثورة

ليس ثمة عائق حقيقي يقف في وجه الإدارة الأميركية وإرادتها إعلان الحرب على العراق سوى سؤال الربح والخسارة العسكرية، فأسئلة السياسة ومواقف الأطراف المختلفة من الحرب لا تثير أعصاب قادة واشنطن، فهي جميعها من النوع الذي يسهل التعامل معه.

أوروبا.. تأييد أو صمت
على الصعيد الدولي يمكن القول إن أحدا باستثناء بريطانيا لا يشجع الحرب، بيد أن ذلك لا يتجاوز حدود التحذير من تداعياتها، أو طلب التشاور مع الأطراف الدولية.

ينطبق هذا إلى حد كبير على مجمل الحالة الأوروبية، بما فيها الفرنسية التي يفترض أن يكون لها موقف أقوى حيال الحرب بوصفها صاحبة المصالح المهمة مع بغداد، كما ينطبق إلى حد ما على روسيا التي أخذ صوتها يعلو قليلا، بيد أنه لا يصل حد الوقوف في وجه الإرادة الأميركية. أما الصين فهي وإن كان رفضها أعلى نبرة، إلا أنها لن تدخل في مواجهة مع واشنطن من أجل الملف العراقي لاعتبارات كثيرة.

العرب.. لا قبول ولا مواجهة
عربيا، يمكن القول إن أحدا لم يعلن الموافقة على الحرب، بيد أن أحدا أيضا لم يعلن موقفا لتحديها، فالكل ينأى بنفسه عن المشاركة، دون الحديث الجدي عن المواجهة، من هنا فإن المواقف العربية لن تغير كثيرا في أسئلة الحرب، اللهم إلا في ما يتصل بالدول التي ستشارك فيها على هذا النحو أو ذاك، سواء كان بإرادتها أم رغما عنها، مثل الدول المرشحة لانطلاق العمليات من أراضيها وعلى رأسها الكويت وقطر وكذلك الأردن الذي يصر على أنه يرفض ذلك، كما أكد بعد الأحاديث التي شاعت عن وجود قوات أميركية فوق أراضيه.


إن إعادة رسم خريطة المنطقة وفق أسس جديدة تزيد في ضعفها وشرذمتها هي مصلحة حيوية إسرائيلية أميركية، وهو ما يحلم الطرفان بتحقيقه بعد ضرب العراق ومحاصرة سوريا وإيران، فضلا عن مصر التي سيضعف وضعها، لا سيما إذا نجح مخطط فصل الجنوب السوداني

تركيا تدعم
تبقى المواقف الإقليمية وأهمها الموقفان الإيراني والتركي، فالموقف التركي سيدعم الحرب، خصوصا بعدما حصل على تأكيدات من مساعد وزير الدفاع الأميركي بشأن عدم السماح بدولة كردية في العراق. والقيادة التركية تعول كثيرا على الفوائد التي ستجنيها من تلك الحرب.. أما الموقف الإيراني فهو من النوع "المحير" أو لعله "المحتار"، فهو مضطر لمجاملة أنصاره من المعارضة الشيعية، في ما يسكنه الخوف من التداعيات إذا ما جيء بـ"كرزاي" عراقي، حيث ستصدق عندها وعود (مارتن أنديك) بمحاصرة إيران وابتزازها من أفغانستان والعراق والخليج.

إيران.. محيرة ومحتارة
العلاقات الإيرانية العراقية تبدو جيدة لكنها محيرة أيضا. ففي الوقت الذي تبادل فيها الطرفان رفات الأسرى وفتحا قنوات جديدة، فإن إعلان بغداد عن اعتقال "تنظيم إرهابي" إيراني ألقى بظلال من الشك حول الدور الإيراني المتوقع عراقيا. والحال أن طهران لن يكون لها دور كبير يتجاوز انتظار ما سيأتي، فالمعارضة الشيعية تبدو منسجمة مع مبدأ الحرب وتغيير النظام حتى لو رفضت طهران ذلك.

الداخل العراقي
يدخلنا هذا مباشرة إلى موقف الداخل العراقي ومن ضمنه المعارضة الشيعية من الحرب، ذلك أن أحدا لا يماري في أن موقف قيادة الرئيس العراقي الداخلية صعب إلى حد كبير، فهي تتمتع بسخط شعبي كبير، غير أن هواجس السنة العراقيين من القادم قد تدفعهم إلى التعاون والانسجام مع متطلبات الدفاع العراقي.
أما الشيعة فهم غالبا ضد النظام حتى لو جاء الشيطان إلى الحكم بعده، وهو ما ينطبق على الجزء الأكبر من الحالة الكردية التي يصعب القول إنها تنسجم مع الحرب خوفا من تداعياتها، لا سيما بعد أن ثبت أن حلم الدولة لا وجود له، في ما قد يعدهم الرئيس العراقي بما هو أفضل من أي أحد آخر.
الموقف الإسرائيلي
لا يبدو الموقف الإسرائيلي ذا أثر كبير في المعادلة الحربية القادمة، اللهم إلا من الزاوية الاستخبارية، ذلك أن التدخل المباشر لن يكون في صالح العمليات، بل سيدفع نحو انفجار أكبر في الشارع العربي. والثابت أن واشنطن ستخبر تل أبيب بموعد انطلاق العمليات كي تستعد لهجمات صاروخية عراقية محتملة عليها.
ثمة بعد آخر للموقف الإسرائيلي يتصل بالوضع في الأراضي المحتلة، ذلك أن انطلاق الحرب الأميركية على العراق في ظل تصعيد إسرائيلي يقابله تصعيد في أعمال المقاومة سيجعل الانفجار الشعبي شبه مؤكد. ولا شك أن موقف بغداد من قوى المقاومة ودعمها للشهداء والجرحى خلال انتفاضة الأقصى كان قوياً وأثار أعصاب الاحتلال، في ما أثر في الشارع الفلسطيني المتعاطف أصلا مع العراق والمعادي لكل ما هو أميركي.

لا يبدو سؤال توقيت الحرب مهما إلى حد كبير، سوى من زاوية أن ابتعاده أشهرا طويلة قد يجعل المفاجآت ممكنة، وفي العموم فإن إعلان انطلاقها خلال الأسابيع القادمة، وقبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر/ تشرين الثاني كما هي الرواية الفرنسية، أو خلال الربيع المقبل كما هي التوقعات التركية لن يغير في الأمر كثيرا، في ما يشار إلى أن رئيس الوزراء البريطاني (توني بلير) قد أوضح أنها ليست وشيكة مع أن أقواله لا يعول عليها بسبب تبعيته للقرار الأميركي.

في قراءة "سيناريو" الحرب الأكثر تداولا يبرز "سيناريو" ميلوسوفيتش كما يطلق عليه بعض المراقبين، وهو القائم على الضربات الجوية المكثفة، والتي تبدأ بقصور صدام، ومن ثم معسكرات الجيش مع التركيز على الحرس الجمهوري، إلى جانب المنشآت الحيوية المساندة للعمليات الحربية العراقية.


بوش شخصيا في حاجة ماسة لانتصار كبير في العراق لأكثر من سبب، لعل أهمها استمرار فشله في تحقيق الأهداف المعلنة للحرب في أفغانستان، سواء لجهة اعتقال أسامة بن لادن والملا محمد عمر، أم لجهة ترتيب الوضع الداخلي كي يكون محطة امتداد وسيطرة على آسيا الوسطى وثرواتها
إلى جانب ذلك ستكون هناك حرب نفسية واسعة النطاق تستهدف إسقاط النظام من الداخل، ستستخدم فيها كل الأدوات المتاحة، من إذاعات موجهة ومنشورات، وهدف هذه الحرب هو دفع الشارع العراقي بكل فئاته إلى التحرك لإسقاط النظام. ويتوقع المراقبون أن تتركز هذه الحرب على الحرس الجمهوري الذي يشكل عصب النظام، إضافة إلى ما يعرف بفدائيي صدام. كما يتوقع أن يبدأ الحديث من الأيام الأولى عن مقتل صدام حسين لتشجيع هذه الفئات على التمرد.

هناك احتمال التحرك على نطاق مختلف دون الحاجة إلى قصف جوي طويل مثلما جرى في يوغسلافيا، فإذا نجحت الأجهزة الأميركية في الحصول على معلومات من الداخل، فقد تشن هجمات "كوماندوس" لاغتيال الرئيس العراقي، وهو الأمر الذي سيترافق أيضاً مع الحرب النفسية الواسعة التي أشرنا إليها.

الاجتياح البري هو "السيناريو" الآخر وهذا الاجتياح سيعتمد بالضرورة على الضربات الجوية والصاروخية التي تشل قدرة القوات العراقية على إحداث خسائر في القوات المهاجمة. ومن المفترض أن تتحرك تلك القوات حسب هذا السيناريو من الكويت وتركيا والأردن إذا تم ترتيب ذلك مع الأطراف المعنية.

سرعة العمليات والشارع العربي
من الواضح أن هاجس سرعة العملية يبدو حاكما إلى حد كبير في آليات التفكير فيها، ذلك أن الموقف الناقم في الشارع العربي قد يدفع نحو الانفجار إذا استمرت العملية لأسابيع طويلة بخلاف نجاحها خلال فترة محدودة. والحال أن هذا الاحتمال -أي انفجار الشارع العربي- ليس مستبعدا على الإطلاق، لا سيما وأن موقفه من العدوان يبدو موحدا إلى حد كبير خلافا لما كان عليه الحال بعد اجتياح الكويت. وقد يغدو احتمال الانفجار أكبر إذا ما نجح العراق في الصمود أمام العدوان لأسابيع، أو إذا نجح في إطلاق صواريخ على الدولة العبرية.

سيناريوهات المواجهة

ثمة قليل من الحديث في أروقة السياسة والإعلام وحتى تصريحات العسكريين عن الموقف العراقي من المواجهة القادمة، وما سيفعله الرئيس العراقي خلالها.

بداية لا بد من القول إن الرئيس العراقي يدرك تمام الإدراك أن الحرب الحالية ذات هدف معلن وحقيقي في الآن نفسه هو إسقاطه والاستبدال به نظاما تابعا للولايات المتحدة، وهو بذلك يدرك أن رأسه هو المطلوب أكثر من أي شيء آخر.

من هنا يمكن القول إن الرئيس العراقي لا بد أن يلقي بكل أوراقه في المواجهة، وإنه حال وجد نفسه أمام طريق مسدود، فسيستخدم خيار "شمشون" إن ملك القدرة على استخدامه، بيد أن المصادر العراقية والأخرى المقربة منها لازالت تتحدث عن آمال عريضة بالقدرة على صد العدوان ومنعه من تحقيق أهدافه.

إجراءات العراق للمواجهة
يتحدث المراقبون في الداخل العراقي عن جملة من الإجراءات التي سيتخذها الرئيس العراقي حال بدء الهجوم الأميركي سعيا إلى إفشاله. ومن تلك الإجراءات:

  • أولا: فرض حظر التجول الكامل في محافظات الجنوب خوفا من انتفاضة مشابهة لانتفاضة حرب الخليج الثانية.
  • ثانيا: تدميرالسدود المائية في محافظات الشمال (السليمانية، دهوك، أربيل) وهي المحافظات التي لا يسيطر عليها الجيش العراقي، وذلك بهدف إعاقة تحرك القوات الأميركية المسنودة من القوات التركية والكردية باتجاه الموصل وكركوك.
  • ثالثا: إعادة توزيع القوات العسكرية على شكل وحدات صغيرة في جميع المناطق، مع نشر مئات المنصات الجاهزة لإطلاق الصواريخ على المحافظات الشمالية التي ستنطلق منها القوات الغازية.


في قراءة "سيناريو" الحرب الأكثر تداولا يبرز "سيناريو" ميلوسوفيتش كما يطلق عليه بعض المراقبين، وهو القائم على الضربات الجوية المكثفة، والتي تبدأ بقصور صدام، ومن ثم معسكرات الجيش مع التركيز على الحرس الجمهوري، إلى جانب المنشآت الحيوية المساندة للعمليات الحربية العراقية

إن قدرة القوات العسكرية العراقية هي من النوع الذي لا يستهان به إذا لم يفلح الأميركيون في الدفع باتجاه حركة تمرد على الرئيس العراقي، فتعداد الحرس الجمهوري يصل نحو ربع مليون، في ما تعداد الجيش نصف مليون، إضافة إلى جيش القدس الذي يصل تعداده عدة ملايين أكثرهم من النوع المدرب.
ثم إن أحدا لا يمكنه الجزم بما لدى القوات العراقية من إمكانات، ولعل إسقاط طائرة التجسس الأميركية مؤخرا يشير إلى نقلة تكنولوجية في الصناعة العسكرية، مع أن ذلك ليس مؤكدا نظرا لعجز العراق خلال السنوات العشر الماضية عن الحصول على قطع الغيار اللازمة لمعداته.

من الواضح أن المخطط الأميركي يأخذ ذلك كله بعين الاعتبار وهو يحرص على عدم التورط في حرب مدن مع القوات العراقية، بقدر ما يحرص على إسقاط النظام من الداخل من خلال التحرك الشعبي، وهو ما تطالب به المعارضة، كما جاء على لسان قائد المجلس الأعلى للثورة الإسلامية (محمد باقر الحكيم) الذي قال إن "الشعب العراقي سيستولي على السلطة إذا منع المجتمع الدولي صدام من استخدام الدمار الشامل".

تداعيات الحرب

عنوان تداعيات الحرب له صلة بالترتيبات اللاحقة لإسقاط النظام العراقي في حال نجاح المعركة أميركيا، كما له صلة باحتمال الفشل من جهة، وتداعيات النجاح اللاحقة من جهة أخرى.

على صعيد الترتيبات الداخلية لعراق ما بعد صدام، يمكن القول إن خيار السيطرة الشيعية على البلد ليس واردا ولا مسموحا به، وإذا حصل بشكل من الأشكال فإن المعركة ستتواصل، لأن الأصل هو نظام موال للولايات المتحدة وعلى استعداد للتعاون ضد إيران، ولذلك فإن الاحتمال الأرجح هو البحث عن ضابط سني لقيادة البلد، أو إعادة الملكية للعراق كما فهم المراقبون من حضور الأمير حسن بن طلال لمؤتمر الضباط العراقيين في لندن، وذلك كمدخل للإبقاء على وحدة العراق.

غير أن سؤالا حقيقيا يطرح نفسه يتصل بمدى حرص الإدارة الأميركية الفعلي على وحدة العراق، وهو سؤال لا يمكن الجزم بالإجابة عليه، لا سيما إذا تذكرنا أن الدولة العبرية تفضل خيار التقسيم، كمدخل لإعادة رسم خريطة المنطقة برمتها وفق "سايكس بيكو" جديدة.


إن قدرة القوات العسكرية العراقية هي من النوع الذي لا يستهان به إذا لم يفلح الأميركيون في الدفع باتجاه حركة تمرد على الرئيس العراقي، فتعداد الحرس الجمهوري يصل نحو ربع مليون، في ما تعداد الجيش نصف مليون، إضافة إلى جيش القدس الذي يصل تعداده عدة ملايين
قصارى القول هو أن نجاح التغيير لن يسمح له أن يفضي إلى نظام غير موالٍ للولايات المتحدة. بيد أن ذلك يدخلنا بالضرورة إلى ما بعد ذلك، وهل سيكون الاستقرار هو المسار التالي أم أن التناقضات الكثيرة داخل المجتمع العراقي ما تلبث أن تتحول إلى عبء على الوجود الأميركي والمصالح الأميركية كما حصل مع التناقضات الأفغانية.

هناك احتمال الفشل الأميركي في أحداث التغيير في العراق، وهو احتمال على ضآلته يبقى واردا، وإذا نجح فإن وضعا أفضل سيكون بانتظار الدول العربية والملف الفلسطيني، في حين سيكون إيذانا ببداية تراجع الولايات المتحدة كقوة وحيدة تتحكم بالعالم.

على الجانب الآخر، فإن نجاح التغيير الأميركي في العراق سيبشر بمرحلة إذلال للوضع العربي برمته في فلسطين والدول العربية مجتمعة، تلك التي تتهمها واشنطن بتصدير الإرهاب، وإذا تذكرنا أن مستوى الإذلال الأميركي للأمة الذي أنتج هجمات سبتمبر/ أيلول هو أقل بكثير مما يبشر به صقور البنتاغون بعد ضرب العراق، فإن المرجح هو تحول المنطقة إلى "حزب الله واحد كبير"، كما ذهب "أوري أفنيري" رئيس ما يعرف بكتلة السلام في إسرائيل، أو "قاعدة" كبيرة كما يبشر أسامة بن لادن.

_______________
*كاتب وباحث فلسطيني

المصدر : غير معروف