*بقلم/صالح السيد باقر

حقيقة الاتهام
انتخابات البلديات
التوقيت الخاطئ لإستراتيجية النقد الذاتي
الإخفاق الاقتصادي
المشروع السياسي
السياسة الخارجية

من المفترض أن تجرى الانتخابات البرلمانية الإيرانية في فبراير/ شباط القادم، وفي ظل التنافس المحتدم بين التيارين الإصلاحي والمحافظ واتهام شخصيات التيار الإصلاحي لمجلس الرقابة الدستورية بالسعي إلى عدم السماح لمرشحي التيار بخوض الانتخابات، فإن الغموض يلف مصير هذا التيار.

حقيقة الاتهام


من الطبيعي أن التنافس الشديد بين الإصلاحيين والمحافظين يفرز اتهامات يروجها التياران ضد بعضهما
بغض النظر عن الشعارات والأفكار وبشكل عام المشروع الذي يدعو إليه الإصلاحيون والذي حملهم إلى السلطة، فقد لعب هذا الاتهام دورا مؤثرا في الانتخابات البرلمانية السابقة وذلك حينما أوحى التيار الإصلاحي للرأي العام الإيراني بأن المحافظين يسعون إلى تهميشهم وإزالتهم عن الساحة السياسية.

ولا يخفى أن التنافس شديد بين التيارين، ومن الطبيعي أنه يفرز اتهامات يروجها المتنافسان ضد بعضهما، ولكن هل ترتفع حدة التنافس لتصل إلى منع الإصلاحيين من حق الترشح، خاصة أن ذلك يتعارض مع الدستور الإيراني الذي يبيح لكل من يؤمن بالأسس الرئيسية للثورة ترشيح نفسه؟

الواقع لا يوحي بأن التيار المحافظ ومجلس الرقابة الدستورية بالذات يسعى إلى إبعاد القوى الإصلاحية عن الساحة، ولعل أبرز دليل على ذلك وصول خاتمي للسلطة، وكذلك فوز الأحزاب الإصلاحية بأغلبية مقاعد البرلمان في انتخابات عام 2001، إذ كان بإمكان المجلس أن يمنعهم من خوض الانتخابات.

ولا شك أن المجلس لم ولن يفتح الباب على مصراعيه ليدخله كل من يشاء، بل قيّد الترشح للانتخابات بالالتزام الديني، وبالدستور، وبمبادئ الثورة، وموالاة المرشد، ويرى أن هذه القيود تحصن النظام من تسلل المتمردين إليه، ومن ثم الإطاحة به.
وحتى لو فتح الباب فمن غير المؤكد أن الإصلاحيين سيفوزون في الانتخابات البرلمانية القادمة، ولعل تجربة انتخابات مجالس البلدية التي جرت في فبراير/شباط الماضي دليل على ذلك.

انتخابات البلديات
لقد سمح المجلس ليس لمرشحي القوى الإصلاحية بخوض هذه الانتخابات وحسب، وإنما سمح أيضا لبعض الليبراليين المنتمين لحركة الحرية التي يتزعمها وزير الخارجية الأسبق إبراهيم يزدي بخوضها، إلا أنهم لم يفوزوا فيها.
وقد عبر العديد من الشخصيات الإصلاحية عن أسفهم لهزيمة أحزابهم في الانتخابات، ووصفوا الهزيمة بالصفعة القوية التي وجهها الشعب للتيار الإصلاحي.

هزيمة الإصلاحيين في انتخابات البلديات يمكن أن ترشدنا إلى تحديات حقيقية تواجهها القوى الإصلاحية في الانتخابات البرلمانية التي ستجرى في شباط القادم، من أبرز هذه التحديات: ضعف المشاركة الشعبية، فقد عزا منظرو الحركة الإصلاحية كمصطفى تاج زادة وبهزاد نبوي وحميد رضا جلائي بور وعلي رضا علوي تبار وسعيد حجاريان ومحسن آرمين و… الهزيمة إلى عزوف 80% ممن يحق لهم التصويت عن المشاركة في الانتخابات، وأرجعوا سبب عدم مشاركتهم إلى عدم تحقق مطالبهم على يد القوى الإصلاحية.


إذا لم تشارك الغالبية العظمى من الشعب التي تؤيد الإصلاحيين في الانتخابات، فإن الأقلية التي تؤيد المحافظين سيكون لها كلمة الفصل
وهذا يعني أن الغالبية العظمى من الشعب التي تؤيد الإصلاحيين لو لم تشارك في الانتخابات، فإن الأقلية التي تؤيد المحافظين سيكون لها كلمة الفصل.

أما التحدي الثاني فهو تناحر القوى الإصلاحية إذ لا يختلف اثنان على أن السبب الرئيسي في إخفاق الدورة الأولى من مجالس البلديات، وخاصة مجلس العاصمة الذي كانت تسيطر عليه الأحزاب الإصلاحية يعود إلى تناحر هذه الأحزاب فيما بينها، وقد بلغت الخلافات حدا اضطرت معه وزارة الداخلية المصنفة على حساب الإصلاحيين إلى حله، ولم تدعه يكمل الأشهر الأخيرة من دورته.

وتناحر القوى الإصلاحية لم يكن يقتصر على مجالس البلديات، بل إن البرلمان الذي يسيطر الإصلاحيون على نحو 200 مقعد من مقاعده الـ290 كان ولا يزال مسرحا لخلافات الأحزاب الإصلاحية، وتعود الخلافات بالدرجة الأولى إلى التكتيك الذي يتبعه كل حزب في تحركه السياسي.

ففي الوقت الذي تدعو فيه جبهة المشاركة، ومنظمة مجاهدي الثورة، ومكتب توثيق الوحدة، وجمعية أساتذة الجامعات إلى التشدد تدعو جماعة العلماء المجاهدين، وحزب كوادر البناء، ورابطة السائرين على نهج الإمام، ودار العمال، إلى الاعتدال وعدم إثارة المشاكل مع المحافظين.

التوقيت الخاطئ لإستراتيجية النقد الذاتي
من الأخطاء التي ارتكبها رموز التيار الإصلاحي وقللت من شأنهم في نفوس الشعب هي انتقاد الذات، فقد دعا المنظرون في جبهة المشاركة التي تعتبر من أكبر الأحزاب الإصلاحية، وفي مقدمتهم عباس عبدي إلى العمل بهذه الإستراتيجية، وكان هو أول من بادر إليها عندما انتقد بشدة رئيس الجمهورية محمد خاتمي على مواقفه المحافظة إزاء الشؤون الداخلية.

والحقيقة أن انتقاد الذات الذي مارسته القوى الإصلاحية مبدأ أصيل وأساسي للتنمية السياسية في أي بلد، ولكن مع وجود منافس قوي يتصيد الزلات للإيقاع بفريسته، وكذلك مع صغر عمر التجربة الديمقراطية في إيران فإن انتقاد الذات سينقلب وبالا على من يمارسه.

وما "زاد الطين بلة" أن العديد من جوانب الوضع في إيران كان يشهد تراجعا نسبيا، لذلك فإن النتيجة الطبيعية لانتقاد الذات هي أن الشعب سيوجه السؤال التالي: بما أن السلطة بيدكم وتعترفون بوجود هذه الأخطاء فلماذا لا تسعون إلى إزالتها؟

الإخفاق الاقتصادي
قد تبرر القوى الإصلاحية الإخفاق الاقتصادي للحكومة بأن الشعارات التي رفعتها في حملتها الانتخابية لم تكن اقتصادية، فلم تقدم وعودا معسولة للشعب بحل مشاكله الاقتصادية وإنما وعدته بالتنمية السياسية، ولا شك أنها صادقة في تبريرها، ولكن هذا لا يعني أن الشعب مستعد أن يتضور جوعا من أجل أهداف سياسية لا يدري متى ستتحقق.

وقد تحقق الحكومة العديد من الإنجازات إلا أن ذلك لا ينعكس على شعور المواطن الإيراني، فلا نبالغ إذا قلنا إن قطاعات واسعة من الإيرانيين تشكو وتتبرم من الوضع الاقتصادي. أضف إلى ذلك أن مؤشرات التضخم التي تبلغ 13%، وكذلك الأعداد المتزايدة للعاطلين عن العمل والذي تجاوز 3 ملايين شخص، والعجز السنوي في الميزانية، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وظهور المافيا الأخطبوطية في الاقتصاد، هذه الأمور وغيرها تعكس الجانب السلبي للاقتصاد.

المشروع السياسي


شهدت الساحة السياسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة انحسارا شديدا في حركة الإصلاح نتيجة سياسة الإفراط والتفريط
لا أحد ينكر على القوى الإصلاحية أنها قطعت شوطا كبيرا في مشروعها السياسي الداخلي والخارجي، وكل مراقب للشؤون الإيرانية يلمس القفزة السياسية التي حدثت في البلاد منذ مجيء خاتمي للسلطة، فقد تكسر العديد من الحواجز حتى أن محسن رضائي أمين مجمع تشخيص مصلحة النظام قال في مقابلة صحفية إن الانتقادات تتجاوز أحيانا حتى الخطوط الحمراء.

وقد ازدهر قطاع الصحافة والمطبوعات، وولد عهد جديد من التعددية لم تشهده إيران إلا في السنوات الأولى من تأسيس الجمهورية، ومع أن الشعب شهد العديد من الانتخابات إلا أن الانتخابات التي أوصلت خاتمي إلى السلطة كان مذاقها خاصا يختلف عن سائر الانتخابات.

ولكن أبرز ما يأخذه منظرو الحركة الإصلاحية على مشروعهم هو غياب الإستراتيجية الواحدة للعمل السياسي، وقد انعكست هذه الثغرة بشكل واضح على التكتيك الذي يرتئيه كل فصيل لتسيير عجلات الحركة، فبعضها امتطى فرسا وفي ظنه أنه سيصل إلى مقصده بسرعة، والبعض الآخر قرر رمي نفسه على ظهر سلحفاة لتحقيق ذات الغاية.

وقد دفعت القوى الإصلاحية ثمنا غاليا نتيجة الإفراط والتفريط في تحركها، وفي هذه المعمعة فقد خاتمي سنده الحديدي وزير الداخلية عبد الله نوري، ولم تمض فترة طويلة على تغييب نوري عن الساحة السياسية حتى التحق به مهندس الانفتاح الإعلامي وزير الثقافة عطاء الله مهاجراني.

وقد شهدت الساحة السياسية خلال السنوات الثلاث الأخيرة انحسارا شديدا في حركة الإصلاح، ولم يقتصر الأمر على إغلاق الصحف ومضايقة الصحافيين والنشطين السياسيين، بل تعدى ذلك حتى بلغ أن أبرز القوى الإصلاحية لم تكن قادرة على حماية رموزها من ممارسات الأجهزة التي يسيطر عليها التيار المحافظ.
وقد يبرر الإصلاحيون انحسار قوتهم إلى الضريبة التي ينبغي أن يدفعوها إزاء مشروعهم الجريء، غير أن حجم الضريبة وتبعاتها لا يمكن مساواتها بالإنجازات.

السياسة الخارجية
أما السياسة الخارجية فقد كان شأنها شأن الداخلية حيث توطدت علاقات إيران مع العديد من دول العالم وخاصة مع دول المنطقة بفضل مبدأ "احتواء التوتر" الذي بادر إليه خاتمي.

وإذا كانت كل مؤسسة حكومية في إيران تتلقى سهام الانتقادات من أحد التيارين الرئيسيين في البلاد، فإن وزارة الخارجية تتلقى سهام التيارين، ففي الوقت الذي تأخذ الأحزاب الإصلاحية عليها تضييع الفرص، يتهمها المتشددون في التيار المحافظ بتجاوز مبادئ الثورة.

بل إن موقع بازتاب على الإنترنت الذي يديره محسن رضائي دعا أكثر من مرة إلى تغيير المنهج الذي تسير عليه السياسة الخارجية والعودة إلى سياسة التعامل بالمثل ومواجهة التهديدات بالتهديدات -التي كانت تنتهجها الجمهورية الإسلامية في العقد الأول من عمرها- وعزا الموقع تهديد بعض البلدان وتطاولها ضد إيران إلى مبدأ التساهل الذي تتبعه الحكومة الحالية.

وسواء كان الحق مع الإصلاحيين أو المحافظين، فيمكن اعتبار مبدأ احتواء التوتر سلاحا ذا حدين، فأحيانا يتبجح ويفتخر به الإصلاحيون، ولكن في مثل الظروف الحالية التي تشهدها إيران وبالتحديد تهديد أميركا لها والاتهامات التي تتلقاها بشأن مشروعها النووي، ودعوة الوكالة الدولية للطاقة الذرية لها بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، فإن المبدأ يكون وبالا على الإصلاحيين.


مواقف أصحاب القرار تشير إلى أن طهران ستوقع على البروتوكول الإضافي حتى لو لم تتعهد الوكالة بأي شيء
لقد نجحت أميركا في وضع حكومة الإصلاحيين في الزاوية الحرجة، ومما لا شك فيه أن أي موقف تتخذه الحكومة من البروتوكول ينعكس بشكل مباشر على مستقبل الأحزاب الإصلاحية في الانتخابات البرلمانية القادمة، فإذا وقعّت عليه فسيستغل المحافظون ذلك للإيحاء للشعب بأن الإصلاحيين جبناء، وقد مرغوا أنف الحضارة الفارسية بالوحل، وفرطوا بالمصالح القومية للبلاد والتي تتمثل في حقها بامتلاك الطاقة الذرية.

وإذا لم توقع فليس من المستبعد أن تدخل التهديدات الأميركية لطهران حيز التنفيذ، خاصة أن واشنطن ستجد من يقف إلى جانبها في هذه المرة للقضاء على المشروع النووي الإيراني المزعوم.

ولو أردنا قراءة الواقع لنتنبأ من خلاله بالمستقبل فسنجد أن الأصوات الداعية إلى رفض التوقيع على البروتوكول تعلو على غيرها، إلا أن مواقف أصحاب القرار تشير إلى أن طهران ستوقع على البروتوكول حتى لو لم تتعهد الوكالة بشيء لها إزاء التوقيع، ولعل زيارة محمد البرادعي رئيس الوكالة لطهران وتصريحاته في هذا الصدد تعزز ذلك.

وليس من مصلحة حكومة الإصلاحيين في الوقت الراهن تأزم علاقات بلادهم مع المجتمع الدولي، لأن تأزمها يعني أن إستراتيجيتها في السياسة الخارجية كانت خاطئة، ولم يكسب الشعب الإيراني شيئا منها سوى تطاول الآخرين عليهم بينما الأحزاب الإصلاحية بأمس الحاجة اليوم إلى كسب ثقة وولاء الشعب، لذلك فإن جبهة المشاركة التي تعتبر من أكبر الأحزاب الإصلاحية أصدرت بيانا دعت فيه إلى التوقيع على البروتوكول.

ويرى أكثر من محلل إصلاحي أن معارضة التيار المحافظ للتوقيع على البروتوكول ليس لمواجهة الغطرسة الأميركية، أو صيانة الإنجازات التي حققتها إيران في مشروعها النووي، وإنما لكي تتوتر العلاقات بين طهران والمجتمع الدولي. الأمر الذي يؤثر على شعبية الإصلاحيين في الانتخابات البرلمانية القادمة، وبالنتيجة فإن حظوظ القوى المحافظة بالفوز ستزداد. على أية حال فإن موقف واشنطن من طهران في المستقبل سيلعب دورا كبيرا في بقاء الإصلاحيين في السلطة أو رحيلهم.
ــــــــــــــــــ
كاتب إيراني

المصدر : الجزيرة