بقلم: كمال الهلباوي*

تميزت السياسات الأميركية نحو العالم الثالث وخصوصاً الشرق الأوسط خلال الخمسين سنة الماضية بسمات عديدة ميزتها عن غيرها من السياسات تاريخاً وواقعاً، ولقد أوصلت هذه السياسات أميركا إلى قيادة العالم بلا منازع حقيقي، كما مكنتها من التفرد برسم أهم سياساته.

إن أخطر ما في هذه السياسات هو التفكير الاستراتيجي الذي لا ينضبط بمنظومة القيم الأميركية ذاتها، ويتمثل هذا التفكير الضخم في كلمات بسيطة من قبيل:

  • نحن القادة وعلى الجميع أن يتعاونوا معنا، بمعنى أن يسيروا في الركاب.
  • أميركا هي الأخ الأكبر للبشرية، وسيأتي اليوم الذي سيأخذ فيه هذا الأخ موقع الأب ومكانته.
  • نحن نؤمن بأميركا المتحركة التي تحلم وتختار وتفعل وتحكم.
  • من لم يكن معنا فهو مع الإرهاب.

ويرتكز هذا التفكير اليوم على قوة كبيرة كان هو ركيزتها من قبل. لكن الحر-كما يقول بعض الفلاسفة- تبدأ في العقل، والسلام أيضاً ينشأ أول ما ينشأ في العقل، وكلما كانت القيادات والسياسات السياسية أو الاقتصادية أو الأمنية أو غيرها حكيمة وعاقلة؛ تمتعت البلاد بل العالم بالسلام والأمن الحقيقيين، وإذا كانت تلك القيادات ذات نصيب قليل من الحكمة والمعرفة والاستبصار تعرض السلام محلياً وإقليمياً وعالمياً للخطر الشديد كما هو واقع اليوم.

ويدخل في سمات التفكير الاستراتيجي الأميركي ومعالمه أبعاد منها:

  • الحفاظ علىالمصالح الأميركية:
    ومنها أن تظل أميركا في موقع القوة والمقدمة والوفرة، وأن تسيطر على المواقع الاستراتيجية في العالم، وأن تنظر إلى الثروات العديدة ومنها النفط وبقية المواد الخام اللازمة -في رأي مفكريها وساستها- وفي أي مكان في العالم -للأمن القومي الأميركي اليوم أو في المستقبل- تنظر أميركا إليها نظرة أصحاب الحق فيها. ويتم الحفاظ على هذه المصالح، وهي كلمة مطاطة وواسعة، من خلال القوة المادية الملموسة، وشبكة العلاقات الممتدة والبدائل والمقترحات الجاهزة للمشكلات المعقدة التي تعجز أمامها كيانات أخرى كبيرة.
  • الإسراع في ملء الفراغات:

    لو ملأ العرب أو غيرهم الفراغات القائمة في جدار السياسات المحلية والإقليمية على الأقل، لما وجدت أميركا فراغاً وانحسرت سياساتها نحو هذه المناطق
    الإسراع في ملء الفراغات
    أياً كانت هذه الفراغات، حتى أصبح لأميركا اليد الطولى في هذا الأمر، وتحول التفكير الاستراتيجي الأميركي إلى سلوك ونظريات وثقافة وبرامج يصعب على الآخرين مقاومتها، ما لم تكن هناك أهداف واضحة وبرامج دقيقة وجريئة وعادلة. خذ مثلاً على سبيل المثال الفراغ الإعلامي في العالم العربي في حرب الخليج، ذلك الفراغ الذي لم تستطع كل وسائل الإعلام العربي أن تملأه فملأته محطة سي.إن.إن الأميركية الخاصة. أما المثال الحالي فهو تحول الجماهير العربية والمستمعين العرب إلى محطة الجزيرة التي ملأت هذا الفراغ في حرب أفغانستان الأخيرة. ولم يعتمد العرب –على الأقل–على محطة سي.إن.إن.– ليتابعوا أخبار الدمار في أفغانستان بالآلة الأميركية أو معرفة أخبار طالبان أو القاعدة، بل لقد تخلفت الـ سي.إن.إن. مراراً وتكراراً في نقل وعرض تلك الأخبار في الوقت المناسب.
    ولو ملأ العرب أو غيرهم الفراغات القائمة في جدار السياسات المحلية والإقليمية على الأقل، لما وجدت أميركا فراغاً وانحسرت سياساتها نحو هذه المناطق، ولو استطاع الأفغان أو استطاع العالم الإسلامي أو أوروبا أو أي كيان، حل المشكلة الأفغانية قبل شهر أكتوبر من سنة 2001 لما وجدت أميركا سبيلاً إلى تدمير أفغانستان بهذا الشكل غير الحضاري، ولما وقف العالم عاجزاً أمام التجاوزات الأميركية العديدة بشأن أسرى الحرب في كوبا على سبيل المثال لا الحصر.
  • حماية إسرائيل وضمانات توسعتها:

    أميركا دولة ضخمة لها أهدافها وسياساتها وإسرائيل نقطة ارتكاز أميركي في الشرق الأوسط للحفاظ على المصالح الأميركية. وهنا قد تكون المصلحة مشتركة
    وتبذل أميركا في هذا الأمر جهداً كبيراً رغم انشغالها بقضايا أخرى عديدة ضمن استراتيجيتها الشاملة للحفاظ على الأمن القومي الأميركي.
    أحياناً نشعر بأن الحركة الصهيونية هي التي تحرك أميركا وترسم سياساتها وبرامجها!! وننسى في ذات الوقت أن أميركا دولة ضخمة لها أهدافها وسياساتها, وأن إسرائيل نقطة ارتكاز أميركي في الشرق الأوسط للحفاظ أيضاً على المصالح الأميركية. وهنا قد تكون المصلحة مشتركة.

هذا كله وغيره وارد ومقبول عند الحديث عن السياسات الأميركية، ولا أقول السياسة الأميركية فحسب، فالسياسات منظومة فكرية وثقافية واقتصادية وأمنية كاملة ترتكز على أهداف وغايات يتحول بعضها في التفكير الاستراتيجي إلى وسائل بعد تحققه، وينتقل من دائرة الأهداف إلى دائرة الوسائل.

وقد تختلف السياسة الأميركية من مكان إلى آخر، ومن منطقة أو مشكلة إلى أخرى، أما السياسات فيصعب أن تختلف لأنها بمثابة السقف الذي يغطي مختلف جوانب السياسة الأميركية. والسياسات لا تحتاج إلى سياسي فحسب فرداً كان أم حزباً ليقوم برسمها, ولكنها تحتاج إلى مشاركة شاملة فاعلة من كل صاحب قدرة وفكر، وتحتاج من الإدارة القائمة إلى استيعاب كل الطاقات والإمكانات المتاحة، والتي قد تتوفر مستقبلاً لاستخدامها في بلورة هذه السياسات.

إن السياسات الأميركية تستوعب فعلاً قدرات شعبها بل والقدرات المتميزة لدى الشعوب الأخرى وتستثمرها أميركا لخدمة مصالحها وبرامجها، فتفرز بذلك سياسة استيعاب النابهين وإغرائهم وتوفير سبل الراحة لهم فتستفيد مباشرة من قدراتهم، وتحرم غيرها من الأمم منهم، ومن استعصى على الإغراء قد لا يستعصي على الوسائل الأخرى.


إن العالم يستوعب الجميع، ولكن السياسات الأميركية نحت في السنوات الأخيرة منحى آخر لا لبناء نفسها فحسب بل لتدمير قدرات الآخرين، والذرائع لذلك كثيرة مهما كانت مقبولة أم غير مقبولة
خذ على سبيل المثال برنامج الرئيس الأميركي روزفلت في الثلاثينات الذي أطلق عليه برنامج: السياسة الجديدة وهو برنامج إخراج الولايات المتحدة من الكساد العظيم الذي ضربها في شتى جوانب حياتها. وقد عبّر روزفلت في خطابه الافتتاحي عندما أصبح رئيساً في مارس 1933 عن ثقته في أن الشعب الأميركي يستطيع حل مشاكله وقال "إن الشيء الوحيد الذي يجب أن نخافه هو الخوف نفسه"، يفتح الرئيس الأميركي بذلك الحديث آفاقاً واسعةً أمام الأميركان للعمل ورسم برامج عديدة، وهذا من السياسات الحكيمة التي بها تبني نفسك وبلدك والعالم إن استطعت لا أن تدمر العالم إن استطعت، لكي تعيش أنت وحدك.

إن العالم يستوعب الجميع، ولكن السياسات الأميركية نحت في السنوات الأخيرة منحى آخرلا لبناء نفسها فحسب بل لتدمير قدرات الآخرين، والذرائع لذلك كثيرة –مهما كانت مقبولة أم غير مقبولة– ومهما نتج عنها من فتن، بعضها فقهي في بلاد المسلمين.

بعدان استراتيجيان
هناك أبعاد أخرى مهمة في التفكير الاستراتيجي لا يمكن حصرها في هذا المكان منها استغلال المؤسسات العالمية والكيانات الدولية القائمة. ولكن بقي أمران مهمان في ركائز السياسات الأميركية، والتفكير الاستراتيجي الأميركي المعاصر، وهذان البعدان هما أخطر ما يميز هذا التفكير وهما:

  • التخطيط لمستقبل البشرية.
  • الحفاظ على التخلف في العالم الثالث.

وسأتناول هذين البعدين بالتحليل المختصر بمشيئة الله تعالى

  • أولاً - التخطيط لمستقبل البشرية:

    من المألوف أن تخطط الدول لمستقبلها، أما أن تخطط لمستقبل البشرية فإن هذا يوضح مدى التطلعات والغايات الأميركية في تفكيرها الاستراتيجي، والتطلع إلى القيادة العالمية وحرمان الآخرين من المشاركة
    من المألوف أن تخطط الدول لمستقبلها، أما أن تخطط لمستقبل البشرية فإن هذا يوضح مدى التطلعات والغايات الأميركية في تفكيرها الاستراتيجي، والتطلع إلى القيادة العالمية وحرمان الآخرين من المشاركة.
    وقد مكّن هذا الأمر أميركا من وضع استراتيجية لحل الأزمات والقضايا المعاصرة وفق المنظور الأميركي، وهذه نقطة تحول في تاريخ التفكير الاستراتيجي، لا تقل أهمية عن نقاط التحول المهمة في التاريخ الأميركي مثل إعلان الحرب على إسبانيا وإعلان الحرب على اليابان وإعلان الحرب في الخليج وفي أفغانستان وصياغة اتفاقية بون على غرار اتفاقية دايتون أوهايو، التي قد تصبح أنموذجاً للحلول الأميركية للقضايا الشائكة في العالم الثالث، بعدما يظهر العجز غير الأميركي أو يكون ذلك التحدي ضعيفاً للتفكير الأميركي الذي تسهم في خدمته وتطويره مؤسسات وأدوات عديدة، منها ما يقدم خدمة مباشرة ومنها ما يقدم خدمات غير مباشرة، حتى تحول المجتمع الأميركي في معظمه إلى كيانات تخدم هذه السياسات، ولم يعد هناك انفصام في صناعة هذه السياسات أو تنفيذها على الأغلب ولم يعد هناك انفصام بين المجتمع المدني والمجتمع أو القطاع العسكري، ولم يعد هناك انفصام في رسم هذه السياسات بين الأحزاب السياسية في أميركا.
    ومن هذه المؤسسات والأدوات:
    - معاهد ومراكز دراسات المستقبل.
    - معاهد الدراسات الاستراتيجية.
    - معاهد دراسات الحرب والسلام.
    - المؤسسات التي عملت في الوفاق العالمي.
    - مؤسسات ومعاهد غزو الفضاء وأبحاث الفضاء والتجسس.
    - مؤسسات الحوار والعلاقات الدولية.
    - الشركات المتعددة الجنسيات وإنتاجها المتعدد، وخصوصاً في مجال الإنتاج العسكري.
    - الجامعات العريقة ذات المستويات الأكاديمية الراقية ومنها جامعة هارفارد وجامعة ييل وغيرهما من الجامعات البارزة في أدائها.
    وقد يرى بعضنا أن هذه المؤسسات ليس لها أي دور حقيقي في رسم السياسات الأميركية وذلك بأثر سيئ من تفكيرنا ورؤيتنا لمثل هذه المؤسسات في بلاد أخرى وخصوصاً من بلاد العالم الثالث.
    أما المؤسسات ذات الدور النهائي أو المباشر في رسم هذه السياسات الأميركية الخطيرة وتنفيذها فتشمل:
    - مؤسسات الرئاسة الأميركية.
    - وزارة الدفاع "البنتاغون"
    - وكالة المخابرات الأميركية.
    - مكاتب التحقيق الفيدرالي، والاستقصاءات والاستجوابات الأميركية.
    - مجلس الأمن القومي.
    - وزارة الخارجية والبعثات الدبلوماسية.
    - مؤسسات الإعلام العديدة العامة والخاصة، ومنها مركز خدمات الإعلام الخارجي FBIS الذي يصدر يومياً ثمانية تقارير مطولة، بعضها يصل إلى مائة صفحة أحياناً، وتحوي هذه التقارير تفاصيل ما دار في العالم في اليوم السابق، مما يوضح للمعنيين -كل في ميدان تخصصه- المعلومات والبيانات التي يحتاجها حتى يظل تفكيرهم يقظاً متجدداً ومتطوراً.
  • ثانياً - الحفاظ على التخلف في العالم الثالث:

    إن هناك بعض دول أوروبا تنتمي اليوم في الواقع إلى العالم الثالث، وإن كانت هذه الدول غربية، ولن تسمح لها أميركا أن تتطور تقنياً بالقدر الذي قد يمكنها من التنافس مع أميركا أو الصراع معها إذا اختلفت المصالح. ولن يقف الأمر عند الصراع الأميركي مع المسلمين أو الدول الإسلامية بل سيتعداه إلى دول أخرى قد تراها أميركا خطرا على مصالحها الاستراتيجية
    إن هناك بعض دول أوروبا تنتمي اليوم في الواقع إلى العالم الثالث، وإن كانت هذه الدول غربية، ولن تسمح لها أميركا أن تتطور تقنياً بالقدر الذي قد يمكنها من التنافس مع أميركا أو الصراع معها إذا اختلفت المصالح. ولن يقف الأمر عند الصراع الأميركي مع المسلمين أو الدول الإسلامية بل سيتعداه إلى دول أخرى قد تراها أميركا خطرا على مصالحها الاستراتيجية، فهل هناك من المؤسسات في بلاد العالم الثالث من تفكر في هذا الوضع وتحاول الاستفادة منه للخروج من الأزمة؟ .
    ويصب في هذا الأمر معظم القوانين واللوائح التي تتعلق بنقل التقنية العالمية أو تقييد دراسة بعض المجالات الحيوية أو حظر إنتاج الأسلحة النووية على العالم الثالث. وإذ تفعل أميركا هذا الأمر وهو غير حضاري، إنما تفعله أيضاً نتيجة الخوف والرهبة رغم قوتها العاتية.
    - خوف من النزول عن مقعد القيادة العالمية.
    - خوف من أعمال الإرهاب على غرار ما حدث في نيويورك وواشنطن مهما كان فاعله.
    - خوف من أن يملك غيرها -مسلم أوغيرمسلم- ما يمكنه من منافستها.
    - خوف يمتد إلى أن يستهلك العالم بعض المواد الخام التي لديه مما قد تحتاجه أميركا، ومما تعتبره أميركا تهديداً للأمن القومي ولمصالحها الاستراتيجية في المستقبل.

نحن لسنا في هذا العرض في موقع استعراض السياسات الأميركية تفصيلاً، ولكن ما يتعلق منه مباشرة بالتفكير الاستراتيجي الأميركي والذي هو أيضا على صلة بأزمة الأمة المعاصرة. وقد أردنا بهذا الاستعراض إلقاء نظرة سريعة على أهم سمات طبيعة التفكير الاستراتيجي الأميركي, وهي سمات تحتاج إلى حوار طويل ونقاش عريض، ليس فقط مع أنفسنا بل مع فلاسفة الأميركان وأهل الرأي في أميركا وغيرها من الدول الغربية حتى يتجه العالم –سواء تحت القيادة الأميركية أوغيرها– وجهة حضارية تفيد مستقبله، وتحفزه على تحقيق المزيد من السلام المفتقد.

_______________
* رئيس الرابطة الإسلامية في بريطانيا

المصدر : غير معروف