بقلم/أكرم البني

بداية، من المفيد الوقوف عند أهم الأسباب التي تفسر حالة اللامبالاة أو عدم الاكتراث التي تسم ردود أفعال مختلف الأوساط الشعبية والسياسية في سوريا حيال الخبر الذي يشاع اليوم عن اقتراب موعد إصدار قانون للأحزاب والجمعيات يرمي إلى تشريع الحياة السياسية في البلاد وتنظيم أنشطتها.

السبب الأول يعود إلى إشكالية العلاقة بين المواطن السوري والقانون, إلى ضعف اهتمامه بالقوانين عامة ودورها في المجتمع, إلى إحساسه بأنها كانت دائما موضع هتك وتجاوز ولا تملك الاستقلالية والصدقية وقوة الفعل على الأرض. فالقوانين العادية عجزت عن كسب ثقة الناس وقناعاتهم كونها لم تحظ بالموقع الذي تستحقه كنواظم عامة في حياتهم ولم تأخذ فرصتها الطبيعية في الحضور والتميز أمام سيادة طويلة الأمد لقوانين الاستثناء.

وإذ شهدنا في السنوات القليلة المنصرمة سعيا نحو تحجيم حالة الطوارئ والأحكام العرفية والحد من دورها في الحياة العامة، فإن ذلك لم يف بالغرض ولم يستطع إلى الآن, توفير المناخ الضروري لتصحيح العلاقة المشوهة بين الناس والقانون, طالما تستمر هنا وهناك مظاهر التمييز والتجاوزات القانونية, وطالما لا يزال قانون الطوارئ معلنا، يخيم شبحه على المجتمع ويضعف موضوعيا حضور وفاعلية ما عداه من قوانين.


من دواعي العدل والإنصاف أن تنهض عملية بناء قانون الأحزاب على قاعدة المشاركة والتفاعل بغية تمكين الجميع من الإسهام في صياغة هذا الرابط النوعي من عقدهم الاجتماعي
السبب الثاني يتعلق بالآلية التي خبرناها جيدا في سوريا عند صياغة مختلف القوانين وإصدارها، بوصفها آلية فوقية تحكمها مرجعية واحدة، هي السلطة ورؤيتها الخاصة للواقع السياسي وتاليا حدود تقديرها لمتطلبات المجتمع وحاجاته. الأمر الذي يشعر المواطن بأنه لا جدوى له وبأنه لا مكان له في صنع هذه القوانين حتى لو مس بعضها صميم حياته.

وبالتالي حين يصدر قانون الأحزاب بالآلية نفسها في محاولة لتكيف النظام الحاكم مع المتغيرات المجتمعية والعالمية فلا بد أن يأتي ليكرس الواقع القائم حقوقيا, ويخضع النشاط السياسي قانونيا للقيود والاشتراطات العملية نفسها التي تكبل الوجود المعارض وتطلق يد السلطة للتحكم بكل شاردة وواردة في مجرى العمل السياسي، كحال قانون المطبوعات الذي جاء ليقيِّد الكتاب والمبدعين إلى سلاسل جديدة من الممنوعات والمحظورات!!.

فهل نعزف على وتر اللامعقول عندما ندعو إلى اتباع آلية جديدة توفر للجميع الفرصة المناسبة لمناقشة قانون الأحزاب وإبداء الملاحظات حوله، ألا يخفف هذا الإجراء من اندفاع المصالح الخاصة لبناء صورة ظالمة لعلاقة مفترض أن تكون توافقية ومتكافئة بين مختلف القوى السياسية المرتبطة مصيريا بهذا النوع من النشاط الإنساني?!.

أليس من دواعي العدل والإنصاف أن تنهض عملية بناء قانون بمثل هذه الأهمية على قاعدة المشاركة والتفاعل بغية تمكين الجميع من الإسهام في صياغة هذا الرابط النوعي من عقدهم الاجتماعي وتوفير المناخ الصحي, موضوعيا لحمايته والالتزام به؟!.

السبب الثالث, يتعلق بحال معظم القوى السياسية والثقافية السورية, التي اتخذت موقف الانتظار والترقب حيال هذا الحدث الهام, كأن الأمر لا يعنيها أو كأنها لم تحلم طويلا بقانون يشرع حقها في الوجود والنشاط ويضع حدا لتدخل الأجهزة الأمنية في حياتها السياسية.

إن مبادرة القوى السياسية للدفاع عن حقها في قانون أحزاب ديمقراطي هي ضرورة تزداد إلحاحا وتطلبا اليوم, ونحن قاب قوسين أو أدنى من موعد إصدار قانون أحزاب على قد ومقاس النظام الحاكم, وأيضا لمواجهة المواقف والآراء السلطوية التي تعترض هذا الحق الديمقراطي، فثمة من يرى أنه لا ضرورة لجديد حول التعددية السياسية في سوريا، فهي برأيه واقع قائم وناجح، بدليل نجاح تجربة الجبهة الوطنية التقدمية التي تضم تنوعا سياسيا متميزا في تمثيل جميع مصالح المجتمع وفئاته!!

هناك من يبالغ في إظهار خصوصية المجتمع السوري، أو يعتبره قاصرا ومتخلفا، دون مستوى تقبل ترف تعددية سياسية كما عرفتها الديمقراطيات الغربية أو بدعوى أنها تهدد استقراره وتضعف وحدته الوطنية تجاه ما يعترضه من أخطار!! وثمة أخيرا من يشترط في حال اضطراره للاعتراف بتعددية ما أن تلتزم بالأسس الوطنية أو المواقف القومية التي تنادي بها النخبة الحاكمة!!.

الحقيقة أنه من المؤسف, تحت حجج وذرائع أصبحت من عاديات الزمن, الاستمرار في رفض الآخر ومنع نشوء قوى اجتماعية أو سياسية وتبلورها خارج حقل سيطرة السلطة المباشرة, كما من المقلق الإصرار على تعددية سياسية تقتصر على أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية، وحال هذه الأخيرة معروفة للجميع بأنها، حتى الآن، ليست أكثر من امتداد لنظام الحزب الواحد, ومحكومة منذ نشأتها, سياسيا وتنظيميا, بهذا الأفق مهما تعددت وتنوعت أحزابها!!.

ثمة تعددية وتعددية وهناك وجهتا نظر في فهم قانون الأحزاب المرتقب ودوره في المجتمع، فإذا نشأت حاجة لدى السلطات لرسم صورة لتعددية سياسية شكلية مقيدة إلى أطر وضوابط مشددة، فإن المجتمع وقواه الحية يتطلعان إلى مناخ جديد يضمن حرية العمل السياسي ويطلق مبادرته ليمارس وظيفته ودوره الطبيعيين في المجتمع، بعيدا عن أي اشتراطات أو التزامات مسبقة إلا شرط الإيمان بالعملية الديمقراطية والاحتكام إلى قواعدها وليس إلى أي شيء آخر.

يفترض أن ينأى قانون الأحزاب عن أي فروض سياسية للطاعة، فليس لأي طرف مهما كانت صفته أن يكره جماعة بشرية على تشكيل اتحاد سياسي تحكمه تصوراته الخاصة عن الوطن أو القومية أو غيرهما.

وبأي حق تنصب السلطات نفسها وصيا على القيم الوطنية أو القومية لتقرر مدى التزام هذا الطرف أو ذاك بها، ولتمنح من ترضى عنهم حق الوجود والنشاط السياسيين وتمنعهما عن آخرين؟!.

ألا تقول أبسط قواعد التعددية الحقيقية إنه لا شرط على تكوين أي حزب أو جمعية سياسية سوى أن تكون سلمية وعلنية، تنبذ العنف وتؤمن بآليات العمل الديمقراطي وتدعو إلى الحفاظ عليها سواء أكانت خارج السلطة أم داخلها؟! وتاليا لنثق بالشعب وقدرته على فرز الغث من الثمين وعلى رفض أو قبول أي موقف أو اجتهاد سياسي يتعارض مع مصالحه وتطلعاته، وتبقى كلمة الفصل في مثل هذه الأمور للقضاء، فتستطيع محاكم نزيهة ومستقلة إقرار المشروعية الحزبية والاقتصاص من كل من يخل بأسس العقد الاجتماعي، أو من تسول له نفسه العبث بمقومات أمن المجتمع وسلامته!!.


إن قانونا للأحزاب يضمن حرية النشاط السياسي ويشرّع حق تشكيل الجمعيات والتنظيمات السياسية على أسس سلمية ليس ترفا غربيا بل هو العلاج الضروري لاستنهاض البشر وتقدمهم وتطورهم
وأيضا أي خطر على الوطن من الانفتاح الديمقراطي والتعددية السياسية وإشاعة الحريات المدنية، أليست هذه الخطوة ضرورة لا بد منها لتفعيل المجتمع وشحذ قواه لمواجهة التحديات والأخطار المحدقة به؟! ألم تقنعنا هزائمنا المتكررة بأن قوة الوطن وعافيته لا تستمدان من قوة السلطة وقدرتها على القمع وقهر الرأي الآخر بل من حرية الناس وكرامتهم ومن وحدة وطنية حقيقية تقوم على التنوع الفكري والسياسي واحترام حقوق الإنسان؟!.

ثم إن الخصوصية السورية لا تتناقض مطلقا مع حقيقة أن أي مجتمع مكون من علاقات وقوى ومصالح متعارضة وتاليا من تيارات فكرية وسياسية متنوعة ومتنافسة, وأنه يحتاج كغيره من المجتمعات من أجل ضمان وحدة وطنية على أسس راسخة, إلى قانون عادل ينظم أوجه الصراع والاختلاف بين قواه بوسائل سلمية, يقيه احتمال العنف والانفجار ويجهض نمو ظواهر التعصب والتطرف والإرهاب، ويمنح الفاعليات السياسية كافة على تنوع آرائها ومواقفها حق الوجود والنشاط والمشاركة.

إن قانونا للأحزاب يضمن حرية النشاط السياسي ويشرع حق تشكيل الجمعيات والتنظيمات السياسية على أسس سلمية ليس ترفا غربيا, بل هو العلاج الضروري الناجع لاستنهاض البشر وفتح صيرورة حقيقية أمام تقدمهم وتطورهم, وهو ما يبعث الروح في الجسد السياسي الراكد والمترهل ويقطع الطريق على مظاهر تفكك المجتمع نحو ملاذات عائلية أو عشائرية أو طائفية.

هذه الحقيقة أكدتها نتائج المتغيرات العالمية بعد انهيار المنظومة الاشتراكية, حيث لم تفلح الإرادة العامة البكماء وتسييد الرأي الواحد وأشكال الجبهات الأحادية في إنقاذها من أزماتها الخانقة المتفاقمة, كما لم تق القبضة الأمنية الحديدية مجتمعات بدت لسنين قوية متماسكة من انهيار سريع ومروع.

أضف إلى ذلك أن الخلل الكبير في ميزان القوى بعد أن تفردت أطراف الهيمنة الأميركية والصهيونية في التحكم بمسارات الصراع العالمي يستدعي بإلحاح ضرورة الالتفات، أولا وقبل أي شيء، إلى سلامة البيت الداخلي الخيار الوحيد الباقي.

من هذه القناة يجب النظر إلى دور يرتجى من قانون أحزاب، إلى مستقبل للحياة السياسية السورية تسود فيها لغة الحوار وتتشبع بروح قبول الآخر وبشرعية وجود تنظيمات وأحزاب سياسية تنبذ العنف وتخوض صراعات سلمية تنمي روح المنافسة الشريفة والسعي نحو الأفضل وتشارك بقسطها في عملية الانفتاح الديمقراطي وفي التصدي لمهام البناء والتنمية ومواجهة ما يعترض الوطن من أخطار.

رب قائل إنه طموح بعيد المنال أن نحظى في سوريا في الظروف الراهنة بقانون أحزاب يحرر العمل السياسي ويضمن مستوى من التعددية يقارب ما عرفته بلدان الحريات والديمقراطية، مثل هذا القول يملك قسطا كبيرا من الحقيقة استنادا إلى تنكر أحكام الدستور السوري لحق تأسيس جمعيات وأحزاب سياسية، وإلى المادة الثامنة منه التي تؤكد احتكار حزب البعث للسلطة والسياسة وتجعله قائدا وحيدا للمجتمع والدولة!!

واستنادا أيضا إلى كثرة المراسيم والقوانين المقيدة للنشاط السياسي والحريات العامة كالمرسوم رقم (6) للعام 1963 الذي يعاقب بالسجن الطويل وحتى بالإعدام كل من يحمل موقفا سياسيا مخالفا لأهداف ثورة الثامن من مارس/ آذار!!

واستنادا إلى أن السمة الأساسية لمعظم الأنظمة في استجابتها لحاجات المجتمع أو لضغط المتغيرات العالمية، هي البطء والتثاقل وتقديم القليل القليل خصوصا عندما يتعلق الأمر بتعديل طرائق حكمها، بدليل نجاح عديدها في اختلاق أشكال من التعددية السياسية الصورية، تقتصر على السماح ببناء الأحزاب وتكوين الجمعيات، لكن دون سقف تداول السلطة ووفق ضوابط صارمة تبقي خيوط اللعبة بين أصابعها!!.

طبيعي أن الأنظمة التي تخشى تفتح الصراع السياسي تبذل كل جهدها لتفرض ما يحلو لها من اشتراطات مكبلة لحرية التنظيم والنشاط السياسيين، لكن هذا الأمر ليس أهواء أو رغبات بل نتاج لعلاقة توازن على الأرض، وإن كان الشرط الراهن ينذر بإعلان قانون أحزاب يحد من أفق التعددية ويديم احتكار السلطة للقرار السياسي مانعا المجتمع من التعبير عن نفسه بحرية، فإن ضيق وسعة زاوية التغيير يعودان أيضا إلى مقدرة القوى السياسية والثقافية الديمقراطية على التأثير في مجرى هذه العملية وتعديلها.


لا يعيب القوى السياسية أن تقحم نفسها وتبادر لفتح حوار واسع حول واقع التعددية السياسية في البلاد وأن تثير نقاشا عاما مبكرا واستباقيا عن رؤيتها لقانون أحزاب صحي وعادل
فلا يعيب هذه القوى أن تقحم نفسها في هذه العملية وتبادر لفتح حوار واسع حول واقع التعددية السياسية في البلاد وأن تثير نقاشا عاما، مبكرا واستباقيا، حول رؤيتها لقانون أحزاب صحي وعادل, فهي المعنية به أولا وأخيرا, وواجبها أن تسعى عبر مختلف الأشكال والوسائل إلى أخذ دورها على هذا الصعيد، فليس ثمة أمل يرتجى من الترقب والانتظار, ولا نفع من القول إن الدرب مسدود وليس بيدنا ما نفعله تجاه قانون يرجح أن يأتي ليؤكد سيطرة السلطة على ساحة العمل السياسي.

فالصيرورة لا تزال مفتوحة ويفترض بالقوى السياسية والثقافية المتضررة من ضيق الهامش المتاح أن تستثمر كل ما هو متاح وتوظف كل ما هو ممكن لجهة المثابرة على نشر رؤيتها الخاصة عن التغيير الديمقراطي وتعميم أفكارها حيال ضرورات التعددية ودورها الحيوي في المجتمع، على أمل تفرض شرطا جديدا يؤدي بدوره إلى توسيع ما كان متاحا أو ممكنا.

وما المبادرة إلى رمي حجر صغير في المياه الراكدة إلا محاولة رافدة أو ربما خطوة صغيرة لكن ضرورية على طريق نصرة الديمقراطية وقيام تعددية سياسية حقيقية في البلاد.
ــــــــــــــــــ
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة