بقلم/ خليل العناني

أن تكون براغماتياً أو ينعتك أحد بالبراغماتية فهذا ليس عيباً، بل على العكس، فالبراغماتية مطلب ضروري تفتقده البيئة العربية، ولكن أن تتنازل عن قيمك ومبادئك وشعاراتك بحجة البراغماتية فهذا هو التخاذل والتراجع بعينه.

وما فعلته ليبيا مؤخراً بالاندفاع وإسراع الخطى باتجاه الغرب استرضاء له واستجداء لتهدئة العلاقات معه، لا يدخل ضمن نطاق البراغماتية ولا يمت إليها بصلة، ليس لأنه جاء فجائياً وبقرار فردي من القيادة السياسية الليبية فحسب، وإنما أيضا لأنه جاء على حساب قيم ومبادئ وثقافة زرعها الزعيم الليبي معمر القذافي في نفوس شعبه طيلة أكثر من ثلاثة عقود، وظل يهيم بها في كل مناسبة حتى باتت كالدستور المقدس في عقول وقلوب أبناء شعبه.

وربما يتسق التراجع الليبي في العلاقة مع الغرب وطبيعة الثقافة السياسية المسيطرة على عملية صنع القرار في ليبيا، فهي من ناحية تقوم على الفردية في عملية اتخاذ القرار حيث تختزله في يد العقيد القذافي، ومن ناحية أخرى تتسم بالفجائية التي تعد إحدى سمات القيادة السياسية الليبية أيضا، فكما حدث أن تم هجر الغرب بقرار فجائي –رغم محاولات تبريره- قبل أكثر من ثلاثة عقود، يتم إلغاء هذا القرار فجأة أيضا وبدون مقدمات أو أعذار.


يري العاقلون أن التراجع الليبي لم يكن حباً في الغرب أو لهثاً وراء مجد مفتقد بقدر ما هو تخوف من مخاطر المرحلة التي تلملمت خيوطها في أيدي دولة واحدة هي الولايات المتحدة التي بات لها القول الفصل
وإذا كان هناك من يرى أن التحول في الموقف الليبي من العلاقة بالغرب قد جاء متناغماً مع طبيعة المرحلة الحالية من عمر النظام الدولي، يصبح التساؤل هنا: وأين كانت هذه الحصافة قبل عقد ونيف من الزمان حين انقلب العالم رأساً على عقب بعد انهيار الاتحاد السوفياتي السابق الذي كان صديقاً لمعظم الدول العربية وقتها؟ ألم تكن الظروف حينها أجدر بإعادة التفكير والتمحيص واستدراك الأخطاء، أم كانت هناك حسابات أخرى لا يعلمها إلا القادة فقط؟

وبغض النظر عن الدوافع التي قلبت السياسة الخارجية الليبية رأسا على عقب وهي عديدة، تبقى الحقيقة أن ما حدث يعبر خير تعبير عن حال التيه والغفوة السياسية التي تغط فيها النخب العربية الحاكمة منذ أكثر من نصف قرن. ناهيك عن كونها نموذجا مصغرا من واقع عربي مليء بالانحسارات والتراجعات.

وإذا كان من حق أي قيادة سياسية أن تعمل علي مواءمة مواقفها السياسية وفقاً لمتطلبات الواقع ومقتضياته، فإن من حقها أيضا أن تراعي في ذلك ردة فعل شعبها قبل أن تجرأ على اتخاذ هذه المواقف، خاصة إذا كانت من النقيض إلى النقيض.

يرى العاقلون أن التراجع الليبي لم يكن حباً في الغرب أو لهثاً وراء مجد مفتقد بقدر ما هو تخوف من مخاطر المرحلة التي تلملمت خيوطها في أيدي دولة واحدة هي الولايات المتحدة –غريمة ليبيا في السابق- والتي بات لها القول الفصل في كثير من المواقف والقضايا الدولية.

فقد أصبح صعباً على القيادة الليبية أن يمر عليها ما حدث للعراق وقائده المغوار صدام حسين مرور الكرام دون أن تأخذ منه الدرس والعبرة، وذلك رغم النفي المتكرر لمثل هذه الحجة.

وإن لم يكن كذلك فلماذا لم تعلُ صيحة التراجع الليبي شاهقة إلا عقب الإعلان عن إلقاء القبض على صدام حسين وظهوره بالطريقة التي عرضتها شاشات التلفزة العالمية؟ ربما ليست هناك علاقة بين الأمرين، وربما نحن واهمون، ولكن هذا ما حدث بكل وضوح.

وواقعياً فقد بدأت إرهاصات التراجع الليبي قبل نحو عام وتحديداً حين بدأت الأحاديث تتناثر حول المرونة التي تبديها ليبيا في قضية تعويضات لوكربي، إلى أن وصل الأمر في أغسطس/ آب الماضي إلى إعلان ليبيا -بعد مراوغات عديدة- عن قبولها دفع التعويضات التي بلغت قيمتها نحو 2.7 مليار دولار.

ورغم ضخامة المبلغ فإنه قد لا يقارن بضخامة وقع المفاجأة على رؤوس الليبيين، فدفع التعويضات لا يوحي بالاعتراف الليبي بالضلوع في حادثة لوكربي فحسب رغم نفيها المتكرر لذلك، وإنما أيضا ولّد في نفوس الليبيين شعوراً بالامتهان وزاد من شكوكهم حول مصداقية النظام وقداسته التي جعلتهم في السابق يدافعون عنه ويتبنون مواقفه. أما الآن فقد تبددت هذه القداسة وحل محلها السخط والاستهتار، بل وتوقع ما هو أكثر من ذلك الاعتراف وهو ما حدث بالفعل بعد ذلك.

تبع هذا الاعتراف بحقوق ضحايا لوكربي اعتراف آخر -ولعله الأخطر في التاريخ الليبي على الإطلاق- هو الإعلان عن تخلي ليبيا عن أسلحة الدمار الشامل، بعدما نفت ذلك مراراً وتكراراً.

وهو ما بدد الشكوك والظنون في أن القيادة الليبية عازمة على المضي قدما في تدعيم أواصر علاقتها مع الغرب وتقديم ما يلزم من قرابين وتضحيات لذلك، حتى لو كانت على حساب الكرامة الوطنية، فمثل هذه المصطلح لم يعد له وجود في قاموس القيادة الليبية.

وإذا كان الاعتراف الليبي قد شكل مفاجأة –وربما صدمة- لليبيين والعرب جميعاً على حد سواء، فإن ما تبعه من أفعال ليبية قللت من وقع هذه المفاجأة وجعلتها تبدو عادية مقارنة بهذه الأفعال، فقد ثارت شائعات وتكهنات –ومن الظن ما غلب- ببدء محادثات سرية بين ليبيا وإسرائيل، وكان هذا آخر ما جاد علينا به الزمان.

ليبيا التي كانت تمتعض من بعض الدول العربية وتزدريها لمجرد الشك في علاقتها بإسرائيل، تسعى الآن لإقامة مثل هذه العلاقة. وهو ما يعبر بصدق عن حال الصدمة والدهشة التي حلت على رؤوس الحكومات العربية عقب وقوع مأساة العراق، وذلك حين اعتقد الجميع بأن الطريق إلى قلب واشنطن لابد أن يتم عبر تل أبيب. ورغم نفي ليبيا لمثل هذه المزاعم، فإنها لو حدثت فعلاً فلن تعد بالأمر الغريب، خاصة في ظل حالة الهرج التي سادت في أوساط الحكم العربية مؤخراً.


ما يمكن أن يُطلق عليه حقاً قمة المفاجآت الليبية: دعوة ليبيا كلا من سوريا وإيران للكشف عن أسلحة الدمار الشامل والعودة إلى الحظيرة الدولية والاعتبار مما حل بالعراق
الأنكى من ذلك ويمكن أن يُطلق عليه حقاً قمة المفاجآت الليبية، أمران أولهما: دعوة ليبيا كلا من سوريا وإيران للكشف عن أسلحة الدمار الشامل لديها، والعودة إلى الحظيرة الدولية التي طُردت منها ليبيا طويلاً، بل والاعتبار مما حل بالعراق.

أما الأمر الثاني فهو كشف ليبيا عن علاقاتها النووية مع باكستان والإفصاح عن دور عبد القدير خان –أبي القنبلة الباكستانية- في تزويد ليبيا بالتكنولوجيا النووية اللازمة لتطوير أسلحة الدمار الشامل.

وكأن وشاية ليبيا بخان سيزيد من رصيدها لدى واشنطن هذه التي تسعى جاهدة للاستفادة من حال عدم الاتزان الموجودة لدى ليبيا للكشف عن المزيد من خبايا تجارة السوق السوداء النووية، والتي تشكل هاجساً قوياً للولايات المتحدة.

ولنترك كل هذا ونتأمل في المبررات التي ساقها العقيد القذافي لتبرير تهافته على الغرب، ولن نناقشها بل نطرحها ليستيقن منها كل عاقل ويفهمها كل من يرغب في تشخيص مقنع للعقلية العربية الحالية.

يرى العقيد معمر القذافي أن عداءه السابق للغرب كان من أجل عيون الفلسطينيين وقضيتهم، ولكن الآن لم يعد هناك حاجة إلى هذا العداء، ليس لحل القضية الفلسطينية وإنما لما ورد في تصريحات العقيد معمر القذافي عقب لقائه بوفد أميركي أوائل مارس/ آذار 2004 حيث ذكر ".. لقد قاطعنا الدول التي تعترف بإسرائيل، ولكن ها هو رئيس الوزراء الفلسطيني ورئيس الوزراء الإسرائيلي يسكران مع بعضهما ويتبادلان الأنخاب، ويطلبون منا الاعتراف بدولة إسرائيل وأن نعترف بأن حدود فلسطين هي 42% من الضفة الغربية".

وكأن عرفات أو غيره ممن يحكمون الفلسطينيين حجة على الشعب الفلسطيني، وأين كانت هذه الصراحة الليبية من قبل، ولماذا لم يُخاطب بها عرفات من قبل.. لا شك أنها مبررات واهية لتبرير التقارب الليبي من الغرب.

الأكثر من ذلك أن يعلن العقيد القذافي أنه في الوقت الذي يدعي فيه أن بلاده لم تتورط في قضايا إرهابية خارجية، نجده في نفس الوقت يقدم تنازلات مادية وموقفية تؤكد تورط بلاده في مثل هذه الأعمال، وهو ما قد ينم عن تناقض صارخ ومحاولة للرقص على الحبال.

وبقليل من التمحص لهذا السلوك الليبي –المفاجئ- يمكن معرفة المغزى من ورائه وهو –حسب آراء المحللين والمراقبين- إطالة العمر المفترض لبقاء القذافي في سدة الحكم، فالقذافي فجأة وبعد كارثة العراق بدأ يدرك أن العالم قد تغير بالفعل، وأن الزمان لم يعد زمن الشعارات والعبارات الطنانة، وبدا يدرك أن هناك نظاما دوليا جديدا يتبلور يؤكد الهيمنة الأميركية ويدشن لها، فضلاً عن وجود جوقة صغيرة من المحافظين الجدد الذين يحكمون العالم ويفرضون رأيهم عليه قسرا أو جهرا، ويتربصون بكل من يهمس بمعارضة للولايات المتحدة. ولذا لم يكن أمام القذافي سوى اللحاق بآخر عربات القطار الغربي الذي سبقته إليه العديد من دول المنطقة.

لم يقو العقيد القذافي على رؤية نفسه معزولاً بعيداً عن خشبة المسرح الرئاسي الذي ظل يمارس عليه دور البطولة لمدة تفوق الثلاثة عقود الماضية، وبدا أن عليه الاختيار بين أمرين كلاهما مر: الأول أن يظل منتشياً بعباراته القوية وسياسته المتعالية تجاه الغرب مع تحمل تبعات ذلك حتى لو ضحى بالعزيز والغالي فداء كلمته ومبدئه. أما الأمر الثاني فهو أن يعقل التغيرات الجديدة في المنطقة وخارجها ويحاول التقرب من الغرب حتى إن جاء ذلك على حساب شعاراته وقيمه الخضراء التي أكل الدهر عليها وشرب.

ويبدو أن العقيد قد آثر الطريق الثاني للسير فيه طالما أن ذلك سيضمن له البقاء على كرسي الحكم لسنوات أخرى ولو معدودة. ولا يغيب عن الصورة بالطبع الابن النشط سيف الإسلام القذافي الذي قيل إنه لعب دوراً مؤثراً في إخراج ليبيا من عزلتها الغربية من خلال وساطته بين الغرب ونظام أبيه.

ويبقى لنا أن نتساءل عن النتائج التي حصدتها ليبيا منذ تحولها الفجائي نحو الغرب، وهل حقق لها هذا بعضاً مما أرادته وخططت له؟ ربما تأتي الإجابة على مثل هذه التساؤلات من واقعة بسيطة شهدت الأسابيع الماضية وعبرت عنها تصريحات كبار المسؤولين في بريطانيا والولايات المتحدة. ألا وهي قيام واشنطن بعرض الأسلحة النووية الليبية التي تم تفكيكها وإرسالها إليها، أمام وسائل الإعلام العالمية والتوصية بوضعها في أحد المتاحف العسكرية بنيويورك.

ولو أن الأمر توقف عند هذا لما كان هناك مشكلة، بيد أن ما زاد الطين بله هو تصريح وزير الطاقة الأميركي سبنسر أبراهام بهذه المناسبة التي وصفها "بالنصر الكبير" الذي حققته السياسة الأميركية في مجال الحد من نشر الأسلحة.


البراغماتية بمفهومها الليبي لا تعدو كونها تعبيراً عن مراجعة لحسابات خاطئة سيطرت على الذهنية الليبية لفترات طويلة. ومن يدري ربما يخرج القذافي علينا غدا بقرار يلغي فيه كل ما سبق
هكذا قوبل القرار الليبي التخلي عن أسلحة الدمار الشامل بالاستهتار والتشفي، ورغم أنها واقعة بسيطة فإنها تعبر عن مدى الاستخفاف الأميركي بتوجهات ليبيا الجديدة.

من ناحية أخرى كشفت تصريحات رئيس الوزراء البريطاني توني بلير خلال زيارته التاريخية لطرابلس عن هذا المعنى أيضا، وذلك حين قال "لن ننسى الماضي بإقامتنا شراكة اليوم، لكننا نحاول تجاوزه..".

ولعل ما نعنيه في هذا الخصوص هو أن ما يقدمه القذافي للغرب قد لا يفهم على أنه محاولات لمد الجسور بين ليبيا والغرب، بقدر ما قد يفسرها الغرب على أنها تنازلات يجب على ليبيا تقديمها كي تنال الرضا الغربي وتتقي شره.

وخلاصة القول فإن البراغماتية -بمفهومها الليبي- لا تعدو كونها تعبيراً عن مراجعة لحسابات خاطئة سيطرت على الذهنية السياسية الليبية لفترات طويلة. ومن يدري ربما يخرج القذافي علينا غدا بقرار يلغي فيه كل ما سبق، فهكذا تعودنا منه.
ـــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة