بقلم/ سعيد ثابت*

- نتيجة الانتخابات النيابية
- أحزاب المعارضة وصيغة عمل مشتركة

- مقارنة بين نتائج الانتخابات الحالية والسابقة
- قراءة أخرى للانتخابات

- الثقل السياسي للأحزاب

- حزب الرئيس يخسر الدائرة الذهبية
- ظاهرتان تتكرسان في الانتخابات اليمنية

نتيجة الانتخابات النيابية


جرت الانتخابات الثالثة في ظل متغيرات محلية وأحداث إقليمية ودولية، تركت بصماتها على العملية الانتخابية بكامل مراحلها

انتهت الانتخابات النيابية الثالثة في اليمن، باكتساح المؤتمر الشعبي العام (الحزب الحاكم) لأكثر من ثلثي مقاعد البرلمان البالغ عددها 301 مقعد، وسط احتجاجات وطعون المعارضة واتهامات لا تتوقف بارتكاب أعمال تزوير ونهب لصناديق الاقتراع.

وأظهرت النتائج التي أعلنتها اللجنة العليا للانتخابات حصول المؤتمر الشعبي الذي يتزعمه الرئيس علي عبد الله صالح على 227 مقعدا بينما حصل حزب التجمع للإصلاح (أكبر أحزاب المعارضة) على 47 مقعدا، والحزب الاشتراكي 7 مقاعد والتنظيم الوحدوي الناصري ثلاثة مقاعد، وحزب البعث العربي الاشتراكي (جناح دمشق) على مقعدين، والمستقلون 15 مقعدا مع الإبقاء على عدد محدود من الدوائر معلقة ريثما تحل الإشكاليات العالقة فيها.

جرت الانتخابات الثالثة في ظل متغيرات محلية وأحداث إقليمية ودولية تركت بصماتها على العملية الانتخابية بكامل مراحلها. وقد شارك 21 حزبا في هذه الانتخابات إضافة إلى المستقلين، مقارنة بالانتخابات الثانية عام 1997 التي قاطعها الحزب الاشتراكي وبعض أحزاب مجلس التنسيق الأعلى للمعارضة ولم يشارك فيها سوى 12 حزبا.

ورغم نسبة المشاركة العالية نسبيا لعدد المقترعين في الانتخابات الأخيرة مقارنة بالانتخابات الثانية -إذ بلغت نسبة المشاركين في عملية الاقتراع 76%، بينما كانت النسبة 61%- فإن النتائج أبرزت عددا من الاختلالات في التجربة الديمقراطية اليمنية على المدى القريب والمتوسط، وتتركز في وضعية وتركيبة اللجنة العليا للانتخابات، وعلاقة الحزب الحاكم بإمكانات الدولة، وهامشية كثير من الأحزاب المعارضة المرخص لها، والتشريعات المنظمة للحملة الدعائية للانتخابات.

وتكتسب هذه الانتخابات لثالث مجلس نيابي لدولة الوحدة اليمنية أهمية استثنائية بالنسبة للأحداث التي شهدتها البلاد ابتداء من فك ارتباط العلاقة الإستراتيجية بين حزبي الإصلاح والمؤتمر الشعبي، وإلغاء المعاهد العلمية (الدينية)، وتزايد ظاهرة الأعمال العسكرية ضد الوجود الأميركي في البلاد، وتداعيات أحداث أيلول / سبتمبر على حركة الإسلام السياسي، وعلاقة السلطة بها.

أحزاب المعارضة وصيغة عمل مشتركة


أفرزت الانتخابات الأخيرة متغيرا جديدا في العلاقة مع الرئيس تمثل في اتهامه لأول مرة بالتدخل المباشر في سير العملية الانتخابية

وثمة أهمية أخرى تكتسبها الانتخابات الأخيرة في كونها جرت في ظل توصل أحزاب المعارضة بمختلف ألوان طيفها السياسي والفكري لأول مرة إلى صيغة عمل مشترك باسم (اللقاء المشترك) لمواجهة تغول الحزب الحاكم على ما تصفه المعارضة إمكانات لدولة، وهو التقاء دون مستوى التحالف وأعلى من مستوى التنسيق.

ومما لا خلاف حوله أن هذه الانتخابات ستحدد مستقبل التحالفات السياسية، والاصطفافات الحزبية، ومواقعها اقترابا وابتعادا من الحزب الحاكم من جهة، وبالرئيس علي عبد الله صالح من جهة ثانية، إضافة إلى ما ستحدده من الآن لحركة الأداء البرلماني، وعلاقته بالحكومة القادمة.

ومحاولة إجراء مقاربة لشبكة العلاقات داخل كتلة أحزاب المعارضة من ناحية تجاذب وتنافر بين مكوناتها رغم التنسيق المشترك فيما بينها، ومعرفة مدى تأثير العلاقة الملتبسة بين المؤتمر الشعبي العام ورئيس الدولة علي عبد الله صالح باعتباره أيضا رئيسا للحزب على مبدأ التداول على السلطة.

وما تثيره من إشكاليات حادة تتفجر في كل موسم انتخابي، وما أفرزته الانتخابات الأخيرة من متغير جديد في هذه العلاقة تمثل في اتهام المعارضة -لأول مرة- للرئيس صالح بالتدخل المباشر في سير العملية الانتخابية، والتأثير على اللجنة العليا للانتخابات، (الجهة المكلفة بإدارة الانتخابات) لصالح حزبه المؤتمر الشعبي العام.

مقارنة بين نتائج الانتخابات الحالية والسابقة


استمر المؤتمر الشعبي العام على حركته التصاعدية في التمثيل البرلماني منذ أن خاض الانتخابات الأولى، ولم يتمكن تجمع الإصلاح المعارض من إيقاف عجلة التراجع

بإجراء مقارنة لنتائج الانتخابات الثالثة الأخيرة مع نتائج الانتخابات الثانية عام 1997 نلحظ التالي:

تنافس في هذه الانتخابات 21 حزبا ولم يصل منها سوى خمسة أحزاب إلى قبة البرلمان، بينما تنافس في الانتخابات الثانية 12 حزبا لكن خمسة أحزاب استطاعت الوصول إلى المجلس النيابي السابق، ثم أصبح عددها أربعة أحزاب بعد انضمام ممثلي حزب الحق إلى كتلة المؤتمر الشعبي الحاكم، مما يشير إلى وجود تراجع في نسبة عدد الأحزاب الممثلة في هذا المجلس بالنظر إلى عدد الأحزاب المتنافسة، إذ أن نسبة الأحزاب التي وصلت إلى البرلمان إلى العدد الإجمالي للأحزاب المشاركة في التنافس الانتخابي وصل إلى 23.8%، أما في الانتخابات السابقة فقد بلغت نسبة الأحزاب التي وصلت إلى البرلمان إلى العدد الإجمالي للأحزاب المتنافسة 41.6% رغم ارتفاع نسبة مشاركة المواطنين في عملية الاقتراع إلى نحو 76% مقارنة بالانتخابات الثانية التي بلغت نسبة المشاركة فيها61%.

استمر المؤتمر الشعبي العام على حركته التصاعدية في التمثيل البرلماني منذ أن خاض الانتخابات الأولى، فمن 122 إلى 189 نائبا في المجلس النيابي السابق إلى 227 نائبا في المجلس الجديد. في المقابل لم يتمكن تجمع الإصلاح المعارض من إيقاف عجلة التراجع المستمر لعدد مقاعده البرلمانية خلال ذات الفترة، فلقد مثله في الانتخابات الأولى والثانية والأخيرة على التوالي 63 و53 و47 نائبا. في حين أن الحزب الاشتراكي -كان قاطع الانتخابات الثانية- قد سجل خسارة كبيرة في عدد نوابه داخل المجلس الجديد مقارنة بالمجلس النيابي الأول؛ إذ كان عدد نوابه 56 نائبا، بينما أصبح عددهم في المجلس الجديد سبعة نواب، في حين حافظ التنظيم الوحدوي الناصري والبعث العربي الاشتراكي على عدد مقاعدهما في المجلس الجديد. مع ملاحظة التغير في عدد مقاعدهما زيادة ونقصانا داخل البرلمان مقارنة بأول انتخابات جرت في دولة الوحدة عام 1993. فالناصري حقق تقدما من مقعد إلى ثلاثة مقاعد، بينما تراجع البعث من سبعة مقاعد إلى مقعدين فقط.

قراءة أخرى للانتخابات

لكن ثمة قراءة أخرى تعتمد على إجراء مقارنات بين عدد المقاعد التي حصدها كل حزب بالنسبة إلى عدد الدوائر التي نافس فيها، ومقارنة النتيجة بالنتائج السابقة التي حققها في المجلسين النيابيين. وهذه القراءة تعطي نتائج مغايرة، إذ نجد أن المؤتمر الشعبي الحاكم كان قد رشح في الانتخابات الأولى 275 شخصا فاز منهم 122 بنسبة 44.3% وفي الانتخابات الثانية رشح 233 وفاز منهم بعضوية المجلس النيابي 187 بنسبة 80.25%، وفي الانتخابات الأخيرة رشح 297 وتمكن 227 منهم من الفوز في دوائرهم بنسبة 76.4%، مما يعكس تراجعا نسبيا مقارنة بالانتخابات السابقة.

أما حزب الإصلاح فقد رشح في أول انتخابات 189 شخصا نجح منهم 63 بنسبة 33.3% وفي الانتخابات الثانية رشح أيضا 189 ونجح من بينهم 53 بنسبة 28.0%. ورشح الحزب الاشتراكي اليمني في الانتخابات الأولى 210 أشخاص وفاز 56 بنسبة 30.9%، بينما في الانتخابات الثالثة رشح 105 ولم يفز بعضوية البرلمان سوى 7 بنسبة 6.6%.

أيا تكن قراءات الأرقام نجد أن ثمة فجوة تزداد اتساعا في كل دورة انتخابية بين نتائج المؤتمر الشعبي (حزب الرئيس) الذي يكسب مقاعد إضافية جديدة ويحتل مساحة أوسع في خارطة التمثيل النيابي، وبين نتائج أحزاب المعارضة التي تسجل في كل دورة انتخابية انحسارا ملحوظا في مساحة وجودها البرلماني، مما يتطلب فهم طبيعة العلاقة الملتبسة بين حزب الرئيس وبين الدولة، ومدى صدقية اتهامات المعارضة للحكومة بتسخير كامل إمكانات الدولة لخدمة الحزب الحاكم. إذ يرى أستاذ القانون الدولي الدكتور محمد علي السقاف أن "استمرار تصاعد حجم نتائج الانتخابات لصالح المؤتمر الشعبي في كل استحقاق انتخابي سينتج عنه توجه خطير يتمثل في الشعور بالخروج عن النظام الديمقراطي، وعدم إمكانية تحقيق مبدأ التداول في السلطة". وبمجرد تحول هذا المبدأ إلى مجرد شعار ربما سيترتب عليه إحباط سياسي عام، وتغير في المزاج الشعبي باتجاه البحث عن خيارات أخرى تتجاوز خيارات الأحزاب السياسية المعارضة في الساحة.

الثقل السياسي للأحزاب


رغم ما حصده الحزب الاشتراكي في الانتخابات الأخيرة من أصوات ومقاعد متواضعة، فإنه تمكن من المحافظة على بنيته التنظيمية

من ناحية تقويم الثقل السياسي للأحزاب السياسية المتنافسة استنادا إلى عدد الأصوات التي حصل عليها مرشحوها مقارنة بالانتخابات السابقة، نجد أن ثمة ازديادا كبيرا في عدد الأصوات التي حصدها الحزب الحاكم إذ بلغت 3 ملايين و402992 صوتا مسجلا نسبة زيادة تفوق 150% عما حصده في الانتخابات قبل الأخيرة.

بينما حقق تجمع الإصلاح تقدما في عدد الأصوات في الانتخابات الأخيرة تجاوزت نسبة الزيادة 110% ، إذ حصد من الأصوات مليونا و312909 أصوات ولم يتمكن في الانتخابات قبل الأخيرة من انتزاع أكثر من 637783 صوتا فقط. أما الاشتراكي فهو الحزب الوحيد الذي سجل تراجعا إضافيا في عدد أصوات ناخبيه، إلى جانب تراجعه في عدد مقاعده مقارنة بالانتخابات التي دخلها لعضوية أول مجلس نيابي عام 1993، فقد حصد في الانتخابات الثالثة التي جرت الشهر الماضي 266941 صوتا بينما كان عدد الأصوات التي حصل عليها في الانتخابات الأولى قد بلغت 413984 صوتا، وسجل التنظيم الناصري زيادة طفيفة في عدد أصوات ناخبيه بلغت نحو 35000 صوت.

وتكشف أرقام عدد أصوات الناخبين التي حصلت عليها الأحزاب اليمنية استمرار تفوق المؤتمر الشعبي وتضاعف عدد ناخبيه بصورة كبيرة، مع تحقيق بقية الأحزاب زيادة متفاوتة في هذا المجال، باستثناء الحزب الاشتراكي الذي سجل انخفاضا كبيرا إلى جانب تناقص عدد مقاعده مقارنة بآخر انتخابات خاضها.

ولعل من أهم أسباب ذلك يعود إلى مقاطعته الانتخابات الثانية التي جرت عام 1997، وهو قرار اتخذته قيادته تحت ضغط النتائج المأساوية التي ترتبت جراء هزيمته العسكرية في حرب صيف 1994 التي اندلعت بين قواته وبين قوات الرئيس صالح متحالفا مع حزب الإصلاح على خلفية الصراع بين ركني السلطة آنذاك الرئيس صالح ونائبه علي سالم البيض زعيم الحزب الاشتراكي.

وتمثلت تلك النتائج بإخراجه قسرا من السلطة التي ظل في كنفها لأكثر من ربع قرن من الزمان، وتجريده من كل عناصر القوة والنفوذ، وفرار معظم قياداته التاريخية إلى خارج البلاد، إضافة إلى بروز ظاهرة تعدد مصادر القرار داخل هيكله القيادي.

لكن رغم ما حصده الحزب الاشتراكي في الانتخابات الأخيرة من أصوات ومقاعد متواضعة، فإنه تمكن من المحافظة على بنيته التنظيمية، من محاولات السلطة وبقية خصومه في اختراقه، وإحداث انقسام هيكلي حاد داخله. ونجح في النهوض بصورة متدرجة ليفرض نفسه كرقم في المعادلة السياسية في الانتخابات الأخيرة، ويجعل من نفسه في المرتبة الثالثة في الكيان الحزبي المتنافس على مقاعد البرلمان. ولا يمنع تسجيل هذه الملاحظة من تقرير وجود حركة تجنحات داخلية، وتعدد مصادر التوجيهات القيادية التي تزايدت بعد اغتيال جار الله عمر الأمين المساعد نهاية العام الماضي، مما أدى إلى التأثير سلبا على حركته التنسيقية مع بقية أحزاب المعارضة.

حزب الرئيس يخسر الدائرة الذهبية

الرئيس اليمني يدلي بصوته في الانتخابات الأخيرة (أرشيف)

رغم حصول المؤتمر الشعبي (حزب الرئيس) على الأغلبية الكاسحة لمقاعد المجلس النيابي الجديد، فإنه في المقابل أخفق بصورة مثيرة في تحقيق أغلبية داخل المدن الرئيسية. كما أنه لم يستطع أن يحافظ على (الدائرة الذهبية) في العاصمة صنعاء التي يقع في إطارها الدار الرئاسي، فقد سقطت في يد مرشح حزب الإصلاح الذي نافس شخصية عسكرية وتاريخية رفيعة شغلت أيضا منصب أمين العاصمة لفترة طويلة. وقد حققت المعارضة (حزب الإصلاح بالتحديد) فوزا لافتا للنظر في العاصمة صنعاء بانتزاعها عشرة مقاعد وفي مدينة تعز أربعة مقاعد وفي مدينة عدن أربع دوائر، قبل أن تقرر اللجنة العليا للانتخابات انتقال دائرتين من الأربع دوائر لصالح المؤتمر الشعبي، وفي محافظة حضرموت لم ينتزع الإصلاح مقاعد كثيرة فيها.

وحصل المؤتمر الشعبي الحاكم على 13 دائرة وحصل تجمع الإصلاح على خمسة مقاعد، بيد أن الدوائر التي حصدتها المعارضة تركزت في مدن وادي حضرموت الرئيسية (سيئون، تريم، القطن، نصف مدينة المكلا) بينما تركزت دوائر المؤتمر الشعبي في مربع (البادية والصحراء) حيث المساحة الجغرافية شاسعة، وعدد السكان أقل. أما مدينة الحديدة فلم تحقق المعارضة أي وجود.

وأضحت المحافظة وليست المدينة فقط منطقة مغلقة للمؤتمر الشعبي الحاكم لأسباب تطرحها المعارضة في معرض التبرير للهزيمة، منها أن مرشحي الحزب الحاكم في المدينة خاصة يتم اختيارهم بعناية، ومن شخصيات مقبولة في أوساط المعارضة وخاصة حزب الإصلاح، وينتمي هؤلاء المرشحون في الغالب إلى فئة التجار ورجال المال والأعمال، إذ أن المدينة تحتضن ثاني ميناء في اليمن ويتركز فيها العدد الأكبر من المصانع، ويتسم معظم أبناء هذه المحافظة بالفقر.

ويمكن إرجاع أسباب نجاح المعارضة في انتزاع دوائر المدن الرئيسية -خاصة العاصمة صنعاء- وإسقاط رموز وشخصيات كبيرة تحتل مواقع مؤثرة في جهاز الدولة إلى جملة عوامل، لعل أهمها أن المعارضة خاصة حزب تجمع الإصلاح كثف نشاطه بصورة أكبر في هذه المناطق تعويضا عن خسارته الفادحة في الانتخابات الثانية التي جرت عام 1997 عندما لم يستطع الفوز سوى بدائرة واحدة فقط في العاصمة ودائرتين في مدينة تعز ودائرة واحدة في مدينة عدن.

واختار الإصلاح مرشحيه في هذه المناطق بعناية فائقة أقنعت الناخب بها، في المقابل لم تفلح قيادة المؤتمر الشعبي في اختيار شخصيات مقنعة للناخب، وانصرفت إلى اختيار عناصر من العيار الثقيل لكنها لا تحظى بقبول شعبي. كما أسهمت لجان المراقبة الدولية والشعبية في إحباط أي محاولات للتلاعب في النتائج -بحسب تقرير المعهد الديمقراطي الأميركي- بينما غابت لجان الرقابة في مناطق الريف وهي مناطق تحتل مساحة تتجاوز 80%.

وربما أن إدارة الحملة الانتخابية لتجمع الإصلاح المعارض أرادت من وراء تحقيقها هذه النتائج المتميزة في المدن الرئيسية إيصال رسالة تؤكد فيها الطابع المدني لحزبها، وما يمثله ذلك من دلالة على القدرة الديناميكية في التغلغل والانتشار في أوساط شعبية متعددة القبائل والمناطق والمستويات العلمية والاقتصادية. إذ أن المدن اليمنية الرئيسية متحررة إلى حد نسبي من عقدة الروابط القبلية والجهوية والمذهبية، وتضم مستويات متباينة من الفئات الاجتماعية. ومحاولة تكريس قيادة الإصلاح السياسية صورة مغايرة لما يحاوله خطاب حزب المؤتمر الحاكم تصوير تجمع الإصلاح بصورة الحزب الديني الشبيه بحركة طالبان الأفغانية، مستفيدا من المناخ الدولي والإقليمي المعادي لأي توجه ديني.

ظاهرتان تتكرسان في الانتخابات اليمنية

الشيخ الأحمر رئيس الإصلاح والبرلمان

أبرزت الانتخابات الأخيرة ظاهرتين ربما تتكرسان أكثر في المشاهد الانتخابية القادمة بصورة أقوى. تتمثل الأولى في ارتفاع عدد المرشحين من فئة التجار ورجال المال والأعمال ومن كبار المسئولين وأولادهم إلى جانب المشائخ القبليين، ونجاحهم في احتلال معظم مقاعد المجلس النيابي الجديد وهم منتمون إلى حزب المؤتمر الشعبي الحاكم.

يقابل هذا الارتفاع انخفاض حاد في عدد الشخصيات الأكاديمية والعلمية الجامعية والتكنوقراط، وهو ما قد يشير إلى سيطرة وتغول القيادات التقليدية والتجارية، وهيمنة العقلية الطبقية في مجتمع محكوم من قبل هذه الفئات، وتمكن تلك القوى والفئات من التماهي مع الدولة وسيطرتها على مفاصل القوة والتأثير في البلاد، كضمانة مؤكدة لحصول حزب المؤتمر الحاكم على الأغلبية الكاسحة التي تمر من بوابة هذه الفئات والقوى الاجتماعية.

أما الظاهرة الثانية فتمثلت في انخراط أبناء مشائخ القبائل والمسئولين في المعترك الانتخابي اعتمادا على نفوذ آبائهم في مناطق صناعة القرار في الدولة. وتجلت هذه الظاهرة بصورة واضحة في استئثار الأبناء الأربعة للشيخ عبد الله بن حسين الأحمر رئيس حزب الإصلاح ورئيس البرلمان السابق والجديد لما يزيد على 30% من المقاعد البرلمانية الممثلة لمحافظة عمران البالغ عددها الإجمالي (15) مقعدا، وتكررت الظاهرة في مديرية الزهرة بمحافظة الحديدة وهيمن أبناء الشيخ علي وصغير وشامي بكامل المقاعد الممثلة للمديرية.

ورغم تعاظم وجود ونفوذ المشائخ والتجار والأبناء في المجلس الجديد، فإن قيادة حزب المؤتمر الحاكم اتبعت تكتيكا جديدا لتطويع هذه الفئات وإخضاعها بصورة كاملة من خلال استخدام وسيلتي (العصا والجزرة)، وخاصة مع الشيخ الأحمر باعتباره أبرز الشخصيات التاريخية والقبلية المؤثرة في اليمن. فقد أنزل الحزب الحاكم مرشحا مستقلا لمنافسته، وكادت المعلومات الميدانية تجمع على إمكانية إسقاط الشيخ في معقله الرئيسي لا سيما أن منافسه من فئة التجار. وتمت تهيئة إمكانات كبيرة أربكت الشيخ الأحمر، مما اعتبرها رسالة من الحزب الحاكم بعدم المراهنة على حزبه الإصلاح المعارض.

ويبدو أنه فهم الرسالة عندما استجاب -في سابقة لم تشهدها التجربة الانتخابية البرلمانية اليمنية- لضغط الحزب الحاكم في أن يكون مرشحا عن حزبه الإصلاح والمؤتمر الشعبي الحاكم في آن واحد، بعد أن وضعه الأخير أمام خيارين كلاهما بالغ الصعوبة، إما أن يتنازل عن حزبه ويخوض الانتخابات كمرشح مستقل، أو أن يكون مرشحا باسم حزب الإصلاح المعارض والمؤتمر الحاكم، إضافة إلى توصيل رسالة أخرى له عندما أصدر الرئيس صالح أوامره بمنع النجل الأكبر للشيخ الأحمر من الترشح في إحدى الدوائر ممثلا عن حزب الإصلاح بعد اتهامه باعتراض موكب محافظ المنطقة، وفرض أخاه الآخر ليترشح فيها باسم الحزب الحاكم في مخالفة لقانون الانتخابات بحسب القانونيين. وبتزكية الشيخ الأحمر رئيسا لمجلس النواب الجديد، لم يخضع للإجراء باعتباره مرشحا عن حزب الإصلاح المعارض، وإنما كمرشح عن حزبي السلطة والمعارضة!!.

وبالتالي سيظل منصب الشيخ الأحمر ليس بيد الأخير إنما سيصبح ورقة ضغط جديدة في يد حزب المؤتمر الشعبي الحاكم يستخدمها في أي لحظة أدرك أن رئيس البرلمان لم يلتزم بكونه مرشحا عن الحزبين وملتزما ببرنامجهما المتناقضين، وهو ما سيجعل المستقبل السياسي لشخصية كبيرة بحجم الأحمر مرهونة بمدى قدرته على التوفيق بين النقيضين.

وقد برزت في الانتخابات الأخيرة ظاهرة سياسية جديدة على العلاقات الحزبية في البلاد، تمثلت في إنجاز أول تجربة تنسيقية بين أحزاب مختلفة في الرؤية الأيديولوجية، إذ جمعت تجربة ما يعرف بـ (اللقاء المشترك) التوجه الإسلامي والقومي والاشتراكي. وحققت التجربة نجاحا محدودا، لكنها لم تنجز كامل أهداف التجربة. فقد اتفقت أحزاب المعارضة على التنسيق في أكثر من 100 دائرة انتخابية، لكنها لم تستطع تنفيذ الاتفاق إلا في دوائر لم تتجاوز 50 دائرة تقريبا، وشهدت تعثرات ملموسة في الميدان الانتخابي ساعدت حزب المؤتمر الشعبي الحاكم على الاستفادة منها، والفوز في الدوائر التي شهدت ارتباكا في التنسيق بين المعارضة، مما كشف نقاط ضعف الأخيرة وعدم تمكنها من تجاوز عقلية الاستحواذ على الدوائر، وغياب القراءة الصحيحة لحجم وجودها التنظيمي في الدوائر المختلفة، ومغادرة مربع الصراعات التاريخية التي تحكمت في العلاقة فيما بين مكونات أحزاب المعارضة، وخاصة تجمع الإصلاح والحزب الاشتراكي والتنظيم الناصري.

لكن هناك إنجازات مدوية للتنسيق بين هذه الأحزاب في بعض الدوائر، أثمرت عن تحقيق مكاسب مشتركة أزعجت إلى حد كبير الحزب الحاكم، وأربكت مشروعه في السيطرة على تلك الدوائر كما حدث في محافظة إب وتعز (وسط البلاد) وأمانة العاصمة، وستظل عملية تقويم تجربة التنسيق بين هذه التوجهات الفكرية المكونة لأحزاب المعارضة سابقة لأوانها، حتى تكتمل شروط عناصر التقويم من تراكم المحطات التنسيقية، وتقديم رؤى تفصيلية من داخلها لأداء التنسيق في الدوائر الانتخابية. لكن يبقى تقرير واقع تجاوز أحزاب المعارضة لمربع الصراعات الحادة التي صبغت علاقتها مع بعضها خلال العقود الماضية، وتناغم خطاباتها في سياق موحد باتجاه معارضة الحكومة وحزبها الحاكم. ولا يمنع ذلك من أن ينحاز أحد الأحزاب المكونة لتكتل المعارضة في يوم قريب إلى صف الحكومة إذا ما اقتنع بجدوى مشاركته فيها.
ـــــــــــــ
* كاتب ومحلل سياسي يمني

المصدر : الجزيرة