بقلم/ محمد بن المختار الشنقيطي

حدَّث أحد الأساتذة المصريين بنكتة، فقال: نزلتُ في فندق بباريس مسافرا، واستيقظت لصلاة الفجر، فلم أستطع تبيُّن جهة القبلة، فنزلت إلى باحة الفندق أتلمس من يستطيع دلالتي عليها، فسمعت رهطا يتحدثون لهجة عربية مغاربية، فانطلقت إليهم وسألتهم: "هل فيكم من هو مسلم"؟ فأجاب أحدهم: "أنا مسلم سنيٌّ مالكيٌّ"، قلت: أنت صاحبي الذي عنه أبحث، أين جهة القبلة بالله عليك؟ قال: "دعني من هذا.. فإني لا أهتم بالصلاة وتلك الأمور.."!!

ومن قراءاتي التي لا أنساها أبدا، لما لها من مدلول على وضعنا العقلي والسياسي المزري، عدد من مجلة "الرابطة" التي تصدرها "رابطة العالم الإسلامي" في جدة، كنت أتصفحه عام 1988 أثناء الحرب الإيرانية العراقية، فوجدت في صفحة المسابقة من المجلة صورة لصدام حسين، كُتب تحتها السؤال التالي: "هذه الصورة لرئيس دولة سُنيٍّ، ولد سَنَة ... فمن هو؟".

وكل من القصتين تصور مظهرا من مظاهر الفكر الطائفي وخاصية من خصائصه:
أما القصة الأُولى فهي تكشف عن استعباد المصطلحات الفارغة للعقل المسلم المعاصر، فالمسلم الذي يدعو نفسه اليوم "سنيًّا" أو "شيعيا" لا يفكر في المدلول الأخلاقي المعياري للتسمية، بل يأسره مدلولها التاريخي والاجتماعي المحمَّل بالروح الطائفية، مما جعل التشيع والتسنن شعارا وادعاء أكثر منه منهجا والتزاما.. وإلا فأيهما أكثر اتباعا للخلفاء الراشدين: أهو الذي فتح ثغرة في جنوب لبنان على الطريق إلى القدس على خطى عمر بن الخطاب، أم الذي خذل القدس ونسي الأقصى؟ وأيهما أكثر اتباعا لمذهب آل البيت: أهو الذي يروِّي تربتهم بدمه دفاعا عن حماهم وعن المبادئ التي ماتوا من أجلها؟ أم هو الذي يتبرك بتربتهم ثم يخذل ويداهن ويلتمس المعاذير؟


لو قام عمر بن الخطاب من مضجعه اليوم لانتسب إلى المقاومة اللبنانية، ولو قام عليٌّ بن أبي طالب لانضم إلى المقاومة العراقية، ولهوى كل منهما بسوطه على ظهور فلاسفة التفريق والتمزيق الطائفي
من الواضح لمن تحرر من سلطان الألفاظ والمصطلحات أن عمر بن الخطاب لو قام من مضجعه اليوم لانتسب إلى المقاومة اللبنانية، ولو قام عليٌّ بن أبي طالب من مضجعه لانضم إلى المقاومة العراقية، ولهوى كل منهما بسوطه على ظهور فلاسفة التفريق والتمزيق الطائفي.

أما القصة الثانية - قصتي مع صورة صدام - فهي تكشف عن اللعبة الطائفية في مظهرها الانتهازي، ووجهها المتبدل كل يوم. فهي لعبة مرنة، تبدل قواعدها كل حين، حسب خدمة أهداف النفوذ والإخضاع التي يمارسها الكبار. بل هي انتهازية، لا حدود ولا قيود في ممارستها، بما في ذلك إخراج الناس من دينهم وإدخالهم فيه عند الاقتضاء. كما أنها لعبة تتأسس على استغلال الجهل وضعف الوعي السياسي لدى الشعوب المسلمة، ونَكْء جراحها التاريخية كلما التأمت أو قاربت الالتئام.

والحق أني لم أتعجب من السؤال في مسابقة مجلة "الرابطة"، إذ كنت أدرك أن الإستراتيجية الأميركية في المنطقة يومذاك تقضي بجعل صدام حسين رمزا لأهل السنة والجماعة، وإخراج الإيرانيين – وكافة الشيعة معهم - من ملة الإسلام. وكان دور اللاعبين الصغار من قادة دول المنطقة هو السير في ذلك المسار.

أما المنظمات الإسلامية التي ينقصها الوعي الذاتي فهي مفعول بها لا فاعلة، وهي لا تجد لها دورا غير الدور المرسوم من طرف اللاعبين الصغار خدمة لللاعبين الكبار.
وقد صدرت في تلك الحقبة ملايين النسخ من مئات الكتب التي تجرد الشيعة عموما، والإيرانيين خصوصا، من انتمائهم إلى ملة التوحيد، وتم استنفار العديد من الفقهاء المغفلين والصحفيين المتملقين والشعراء المرتزقة لهذه المهمة، وأصبحتَ تجد تلك الكتب في كل مكتبات الدنيا بالمجان، حتى في الأدغال والشعاب.

وقد رأيتُ بعضها منتصف الثمانينيات في قرى نائية من جمهورتي "غينيا كوناكري" و"بوركينا فاسو" في غرب إفريقيا. لكنك لو بحثت عن بعضها اليوم لما وجدت له أثرا!!

وحدثني أحد الفقهاء العراقيين بنكتة تكشف عن التلاعب بتعاليم الدين في لعبة الإستراتيجيات الكبرى، فقد حقق هذا الفقيه كتابا بعنوان "الاستبصار في منع الاستعانة بالكفار" وهو كتاب من تأليف أحد فقهاء الدولة العثمانية، كتبه مطلع القرن العشرين يحذر فيه العثمانيين من الاعتماد على القوى الأوروبية في تحديث دولتهم، لما لتلك القوى من أطماع في أرض الدولة العثمانية وثرواتها.

وحقق الفقيه العراقي الكتاب، لما كان مدرسا في إحدى الجامعات السعودية نهاية السبعينيات، فاستحسنَت الهيئات الدينية السعودية الكتاب، وأمرت بطبعه وتوزيعه لدرء المواطنين (وليس السلاطين) عن استجلاب الخدم من الفلبين وغيرها من دول آسيا غير المسلمة.

ولما نشبت الحرب العراقية الإيرانية وتكشَّف أن صدام حسين مدعوم من طرف القوى الغربية طبعت إيران طبعة من الكتاب ووزعتها واستخدمتها ضد صدام، فلما غزا العراق الكويت وتم استجلاب القوات الأميركية لتدميره طبع صدام طبعة جديدة من الكتاب واستخدمه ضد السعودية والكويت. كل هذا دون إذن من محقق الكتاب، بل كل هذا والكتاب هو الكتاب، لكن جهات عدة استخدمته في أوقات متباينة لأغراض متباينة.

فقصة كتاب "الاستبصار" تبين أن وظيفة الفكرة تكون أحيانا أهم من قوتها المنطقية وقيمتها الأخلاقية، وأن الذين قرروا استخدام الدين بدلا من خدمته قد يذهبون في ذلك كل مذهب من الحربائية والانتهازية.

ولا شك أن غزو صدام لإيران كان كارثة محققة، لكن عمق الكارثة بالنسبة للإيرانيين لم يكن مجرد القتل والتدمير، بل كان في تجريدهم من صفة الإسلام التي عادَوْا العالم وعاداهم العالم من أجلها.

وكان غزو الكويت مصلحة كبرى لإيران، لأنه جعل صدام عدوا لأميركا، وبالتالي منح الإيرانيين – والشيعة عموما - شهادة رجوع إلى دائرة الإسلام لدى صائغي لعبة الأمم، ولدى منفيذها من الخدم والحشم.


لأن الطائفية فكر جدل لا عمل، فقد ضيع أصحابها الوحي خدمة للتاريخ، وأهدروا قدسية المبادئ حرصا على مكانة الأشخاص. وتلاعبوا بالأفكار التي يشعلون بها الحروب
ولأن الفكر الطائفي فكر جدل لا عمل، فقد ضيع أصحابه الوحي خدمة للتاريخ، وأهدروا قدسية المبادئ حرصا على مكانة الأشخاص. ولأن اللعبة الطائفية استخدام لفكرة لا خدمة لها، فليس من اللازم أن يلتزم لاعبوها بالأفكار التي يشعلون الحروب من أجلها.

لذا فلا عجب أن نجد ملكيين يصدرون آلاف الكتب دفاعا عن الخلفاء الراشدين، رغم أن الخلافة الراشدة هي النقيض الشرعي والمنطقي للمُلْك. أو أن نرى جمهوريين يصدرون آلاف الكتب دفاعا عن حق آل البيت في توارث السلطة، رغم أن توارث السلطة هو النقيض الشرعي والمنطقي لقيم الجمهورية وسلطة الانتخاب.

ومن مظاهر تناقضات الفكر الطائفي كذلك تضخيم الخلاف مع أبناء الملة الواحدة، وتحجيمه مع غيرهم، وإليك هذا المثال: ورد في فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله أنه سئل عن التزاوج بين السنة والشيعة، فأجاب: "لا ينبغي"، وورد في فتاوى آية الله علي السيستاني أنه سئل عن زواج الشيعية من سنيًّ فأجاب: "لا يجوز إن لم يُؤمَن الضلال"!! مع أن كلا الفقيهين يستطيع أن يقدم لك عشرات المحاضرات عن سماحة الإسلام التي جعلت من حق المسلم الزواج من يهودية أومن مسيحية!! وليس من ريب في سماحة الإسلام وتسامحه وعدله الذي يشمل المسلمين وغير المسلمين، لكن الفكر الطائفي يحْرِم المسلمين من تلك السماحة فيما بينهم.

لست أنكر وجود خلافات موضوعية ضاربة في أعماق التاريخ بين السنة والشيعة، لكن وجود الخلاف لا يقتضي السماح للآخرين باستغلاله، وتضخيمه عن حده، وعدم السعي إلى احتوائه، أو تأجيله – على الأقل - في ظروف الطوارئ.. فتلك جريمة في حق الأمة، ارتكبها كثيرون بحسن نية وبسوء نية في العقود الثلاثة الماضية.

ثم أليست أقوى دول العالم اليوم خليطا من شتى الديانات والثقافات والملل والنحل؟ فلِمَ يسيطرون على خلافاتهم وتسيطر علينا خلافاتنا؟

لقد بدَّل الكبار طرائقهم في استغلال الخلافات الطائفية بين شعوبنا، فها هم السلفيون يتجرعون اليوم الكأس نفسها التي سقيت للشيعةَ من قبل، وها هي "الوهابية" اليوم هي الخطر، وهي الانحراف الحقيقي عن منهج الإسلام الأصيل، كما أراده قادة النظام العالمي الجديد.

وبعد أن كان الشيعة إما خارجين من الملة أو متطرفين طبقا لفتاوى "السي آي أيه"، أصبح الشيعة اليوم مسلمين معتدلين ومتسامحين، يمنحهم بول وولفويتز شهادة التشبث بالإسلام والذود عن حياضه، كاشفا عن مكر الاستعمار في كل عصر وشعاره القديم المتجدد: "فرِّق تسُدْ".

إن العراق اليوم على مفترق طرق: فإما أن يدرك أبناؤه أن ما يجمع بينهم من معاني الوحي وروابط الأرحام والجغرافيا أكثر وأعمق مما يفرق بينهم من تفسير التاريخ وتعصب المذاهب والطوائف، وإما أن يضيعوا فرصة استخلاص العبرة من تاريخهم البعيد والقريب فيمدون أعناقهم إلى كل ناعق، ممن يستثير فيهم نوازع التفرق، ويوسِّع الثغرات فيما بينهم، ليدخل من خلالها، ويحقق غاياته في الاستبعاد والنهب والإخضاع.

وقد كان لي أن أتابع ما يصدر عن قادة الرأي من الشيعة والسنة في العراق، خصوصا علماء الدين والقادة الإسلاميين، فلم أجد عند أي من الطرفين – باستثناء لغة المجاملات التعميمية الباردة - طرحا يتسم بالرحابة والعمق والصدق والروح العملية القادرة على احتواء الخلافات التاريخية بين الطرفين، أو تأجيلها إلى ما بعد التحرير والاستقرار.

بل تبارى كل من الطرفين في التأكيد على أن أبناء طائفته يمثلون أغلبية العراقيين، وكأنه لا توجد وسيلة إحصائية لمعرفة حقيقة ذلك في عصر الكمبيوتر، وكأن لا شيء يجمع بين الطائفتين من دين أو دم أو وطن أو تاريخ أو جغرافيا!!

وبدلا من أن تتعاضد جهود الطرفين على إستراتيجية واحدة لصياغة مستقبل العراق، خذل الشيعيُّ السنيَّ المقاوم للاحتلال، وخذل السنيُّ الشيعيَّ المتظاهر طلبا للانتخابات. فقد تبرأ السيستاني وقادة الشيعة من المقاومة، وعارض السنة في "مجلس علماء العراق" الدعوة إلى الانتخابات التي تبناها السيستاني. فوضع الطرفان المبادرة في يد الطامعين في قيادة العراق ممن جاؤوا على ظهور دبابات الاحتلال.

وقد ساءني أن أرى هذا الخذلان المتبادل، خصوصا أن ما يجمع بين آية الله السيستاني والشيخ محمد أحمد الراشد أكثر بكثير مما يجمع بين الراشد والباجه جي، أو بين السيستاني والجلبي.

ويدل هذا الخذلان المتبادل على أن القوى الإسلامية في العراق بشيعيِّها وسنيِّها لا يزال ينقصها النضج السياسي، وتأسرها أثقال التاريخ، وأنها ليست على مستوى المسؤولية والثقة التي منحها إياها شعب العراق. فلينعم المحتل باحتلاله، ولينصِّب على العراق من يخدمه، ممن ليس بالشيعي ولا بالسني، ولا حتى بالعراقي، ما دامت قيادات السنة والشيعة تتحكم فيهم الروح الطائفية.


العراق ليس مهد الحضارة فقط، لكنه أيضا مهد التصدع في صف الأمة المسلمة، إذ فيه نشبت أُولَى الفتن السياسية في التاريخ الإسلامي, وأحرى بحكمائه اليوم أن يجعلوا منه مهدا للتعايش والتئام الجراح
إن المحنة التي يعيشها العراق اليوم لن يتم تجاوزها دون تعاضدٍ وتوحُّدٍ بين السنة والشيعة على إسراتيجية واحدة، حتى وإن اختلف التكتيك. وأول أهداف هذه الإستراتيجية يجب أن يكون رحيل الاحتلال، وإجراء انتخابات نزيهة يحكمها دستور واضح، يمنح الأغلبية – شيعية كانت أو سُنِّية – حقها في الحكم، ويمنح الأقلية – شيعية كانت أو سُنَّية – حقها في المشاركة السياسية والتميز الثقافي.

فالتشبث بالانتخابات وبنزاهتها هو اليوم المحك الذي على أساسه يصلح تقييم القوى السياسية العراقية، واستيعابها واقع بلدها ومقتضياته.

ولا ريب أن الأميركيين سيبذلون غاية الجهد في الالتفاف على الانتخابات بكل الذرائع، سعيا إلى تمرير مشروعهم السياسي على الطريقة الأفغانية، بما يضمن احتلالا سياسيا دائما، بخس الثمن، عظيم النتائج، بعد رحيل الاحتلال العسكري المكلف لهم في الدماء والأموال. لذا يتعين على العراقيين فهم اللعبة وأبعادها.

إن العراق ليس مهد الحضارة فقط، لكنه أيضا مهد التصدع في صف الأمة المسلمة، إذ فيه نشبت أُولَى الفتن السياسية في التاريخ الإسلامي منتصف القرن الأول الهجري، وفيه تحولت الخلافات السياسية إلى مسائل اعتقادية. فما أحرى بحكمائه اليوم أن يجعلوا منه مهدا للتعايش والتئام الجراح، وهم أحوج الناس إلى تلك السياسة الحكيمة وأول من سيجني ثمراتها.

ومهما يكن من أمر، فلن ينهزم احتلال تقاتله بندقية سُنَّية يتيمة، أو يعارضه متظاهر شيعي مخذول. فهل يدرك أبناء العراق العظيم ذلك؟!
ــــــــــــــــــ
* كاتب موريتاني مقيم بالولايات المتحدة

المصدر : الجزيرة