بقلم/ جون فول

عند الحديث عن العوامل الإثنية والدينية في علم الاجتماع البشري اليوم، فإن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن هو: هل نحن سائرون إلى صراع أم إلى تصالح؟ ورغم أن مفكرين كمايكل فرانز يرون أن عنصر الدين يمثل مشكلة في عالم اليوم، فإنني أرى أن الدين يصلح أن يكون سبيلا للتصالح والوفاق مثلما يمكن أن يكون أداة للصراع.

لذا سأطرح رؤيتي للدين باعتباره حلا وليس مشكلة. وسأقدم إطار هذه الرؤية من خلال كلمات رودني ستارك، أحد أبرز علماء اجتماع الدين: "على مدى ما يقرب من ثلاثة قرون، دأب علماء الاجتماع والمثقفون الغربيون البارزون على التأكيد على أفول الدين. وساد اعتقاد بأن التحديث هو المحرك الذي سيتسبب بصورة حتمية في إقصاء الدين عن الحياة".

ثم يستأنف ستارك طرحه قائلا "لا بد من إعلان نهاية إيمان علم الاجتماع بنظرية العلمنة، والإقرار بأنها لم تكن إلا محصلة لأفكار وتوجهات محببة. فبعد نحو ثلاثة قرون من إخفاق نبوءاته، حريٌ بمبدأ العلمنة أن يُلقى في مقبرة النظريات الفاشلة."

أظن أننا نشهد عالما يسقط الفكرة القائلة بأن التحديث يؤدي بالضرورة إلى إقصاء الدين. فقد أدبرت تلك الحقبة التي سادت فيها تلك الفكرة. وبالنظر إلى دور الولايات المتحدة في شؤون العالم، جدير بنا أن نتقبل فكرة نهاية العلمنة كأحد أبعاد عملية التحديث، وليس باعتبار ذلك أيديولوجية منافسة أو بديلة.


إننا نشهد عالما يسقط الفكرة القائلة بأن التحديث يؤدي بالضرورة إلى إقصاء الدين. وبالنظر إلى دور الولايات المتحدة في شؤون العالم جدير بنا أن نتقبل فكرة نهاية العلمنة كأحد أبعاد عملية التحديث وليس باعتبارها أيدولوجية منافسة أو بديلة
وكمؤمنين، أو كأميركيين، أو كبروتستانت متغيرين، أو ككاثوليك إصلاحيين، أو كابن واعظ مسيحي منهجي Methodist كان يدرّس في معهد الجيزويت –كما هو أنا- نحتاج في كل هذه الحالات أن نعترف بدور الدين.

باختصار، هناك ثلاثة عناصر تشكل إطار رؤيتي. سأوجزها أولا، ثم أبسط تضميناتها ونتائجها على علاقة الولايات المتحدة بالعالم الإسلامي.

أولا: إن خبرة مجتمعات عديدة في العالم خلال نصف القرن الماضي تظهر أن التحديث لا يعني انتهاء دور الدين كقوة فاعلة رئيسة في الحياة العامة. وهذا يعني بدوره أن علمنة المجتمع ليست جزءا أصيلا في عملية التحديث.

ثانيا: من الواضح أن سياسات "فصل الكنيسة عن الدولة" أو "فصل الدين عن السياسة" لم تكن محايدة دينيا. أي إن الدعوة للعلمنة والعلمانية اتخذت في حد ذاتها موقفا أيديولوجيا ودينيا. فهذه الدعوة إذن ليست وصفا موضوعيا منفصلا عن القيمة لما يحدث في عملية التحديث.

ثالثا: ما تقدّم -وباستخدام مصطلحات السياسة- يعني أن العلمنة ليست شيئا يحدث كجزء طبيعي من العملية التاريخية للتحديث. بل يمكن أن ينظر إلى العلمانية كما أظن أنها كانت دائما واحدة من رؤى عديدة متنافسة حول ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع في الحقبة المعاصرة. أي إننا نشهد نهاية حقبة كانت تعتبر فيها العلمنة معطى لازما في تطور المجتمعات الحديثة. إننا نشهد نهاية العلمانية.

يمثل هذا الوضع بعدا هاما لما سمي في بعض الأحيان انبعاث أو إحياء الدين –أو الأديان– مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين. ومرة أخرى، فإن ما ننظر إليه وما نريد أن نركز عليه هو أن فكرة علمنة المجتمع وفكرة استحسان العلمنة المترافقة معها هي مجرد جزء من عالم الرؤى والأفكار المتنافسة، وليست ببساطة توصيفا سوسيولوجيا علميا لما يسمى بالحقيقة الواقعة.

ولهذا المنظور الجديد أهمية خاصة لأجل فهم الإسلام المعاصر, ففي العالم الإسلامي كان ينظر دائما وبوضوح للدعوة إلى علمنة المجتمع باعتبارها أيديولوجية منافسة، أكثر من كونها جزءا ضروريا وأصيلاً في عملية التحديث.

فعلى مدى قرنين، ركزت المؤثرات (والنتائج) الرئيسة لعملية الإصلاح في العالم الإسلامي على إنشاء أمم حديثة، ودول حديثة، ودول قومية حديثة. وفي وقت مبكر، أدت الفكرة السائدة حول أن التحديث يشمل قدرا من فصل الدين عن الحياة العامة إلى وسم دعاة الإصلاح والتحديث بالعلمانية.

كانت أهم عناصر برامج الإصلاح والتحديث، في القرنين التاسع عشر والعشرين، إحداث انفكاك واضح من الماضي؛ الذي كان يعتبر ويعرّف باعتباره "تقليديا". وقد أكد ذلك ما صدر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي من دراسات العلوم الاجتماعية الرئيسة المختصة بتعريف التحديث.

وكان من أهم الدراسات حول التحديث والتي لعبت دورا هاما في تشكيل فهم العمليات المتصلة بالتحديث كتاب نشر في الخمسينات بعنوان "اندحار المجتمع التقليدي" لمؤلفه دانيال ليرنر. أرسى الكتاب رؤية واضحة لما كان يعتقد أنها قضايا التحديث.

وضمن مناقشات الكتاب، تحدث ليرنر عن من أسماهم "الانتقاليين". وفي هذا السياق، كان هناك "التقليديون" الذين كان من بين ما يعتقدونه أن الدين شيء هام جدا. وهناك أيضا من كانوا نتاجا لعملية التحديث، وهم الحداثيون؛ الذين يعتقدون –ضمن ما يعتقدون– أنه ليس للدين دور في المجال العام، وأنه أمر شخصي يتعلق بحياة الفرد الخاصة.

ولدى وصفه للانتقاليين في تركيا، يقول ليرنر إنهم "يكتسبون حراكا عقليا (في الوعي)، أي قدرة شخصية على التعرف والانفتاح (على الآخر) والتواصل الفاعل. إنهم يعلمنون كما أنهم ينشطون. وفي نظرهم، يكون التعاطي مع المشكلات بصياغة وصنع سياسات، وليس بالصلاة والدعاء".

هذه صورة لما كان يفترض أن يكون عليه الشخص التحديثي. لكن مع وصولنا لنهاية حقبة ساد فيها الاعتقاد بأن العلمنة جزء أصيل في عملية التحديث، فإننا نرى أن الكثيرين من الحداثيين في أكثر المجتمعات تحديثا يعتقدون –وهم في مستهل القرن الحادي والعشرين– أن السياسات ليست بالضرورة بديلا عن الصلاة.


كان الغرب ينظر عادة إلى رواد التحديث في العالم الإسلامي من خلال آفاق نظرية العلمنة التقليدية القديمة. وعندما ينظر الأميركيون إلى العالم الإسلامي يرون في التحديثيين العلمانيين شخصيات بطولية
ففي تركيا المعاصرة، وبعد مضي أكثر من نصف قرن على دراسة ليرنر، هناك عدد كبير من رجال الأعمال والعلماء والمثقفين – الحداثيين تماما– لا يشعرون بأن عليهم أن يختاروا بين السياسة والصلاة، بل إنهم في المقابل يعيشون منظورا يشمل الاثنين.

كان ينظر (في الغرب) عادة إلى رواد التحديث في العالم الإسلامي من خلال آفاق نظرية العلمنة التقليدية القديمة. وعندما ينظر الأميركيون إلى العالم الإسلامي، فإنهم يرون في التحديثيين العلمانيين شخصيات بطولية.

ومصطفى كمال أتاتورك في تركيا مثال بارز على ذلك. فقد أرسى أتاتورك أسس المجتمع الحديث في تركيا التي هي واحدة من أعظم حلفائنا، وهي عضو هام في حلف معاهدة شمال الأطلسي (ناتو)، كما كانت داعما رئيسيا للغرب خلال الحرب الباردة. ولهذا تأتي نظرة الغرب (ولها ربما ما يبررها) لإنجازات مصطفى كمال، باعتبارها كانت أساسية في قيام تركيا المعاصرة.

من المهم أن ندرك، في سياق دور الدين في الشؤون الدولية وعمليات قيام مجتمعات حديثة، أن مصطفى كمال أقام نظاما سياسيا بناء على ادعاء بأنه لا مناص من إقصاء الدين عن الحياة العامة إذا ما أريد أن يقام مجتمع حديث. وقد حكم رضا شاه بهلوي (في العشرينيات والثلاثينيات) وابنه محمد رضا شاه (في الخمسينيات والستينيات) إيران وفق إطار سياسات مشابه.

وثمة حالات عديدة أخرى في العالم الإسلامي، حيث كان ينظر للعلمنة باعتبارها جزءا ضروريا من التحديث. ويتضح هذا من توصيف عمليات التحديث الاجتماعي والعمل السياسي كذلك. وغالبا ما اعتبر خلع الحجاب عنصرا هاما في برامج التحديث، كما يتكرر ذكره في توصيفات برامج الإصلاح.

فقد كانت شرارة "البداية لحقبة جديدة للنساء" في مصر مثلا هي قيام هدى شعراوي ونبوية موسى بخلع الحجاب بصورة مفاجئة درامية وعلنية بعد نزولهما من القطار في محطة السكك الحديدية الرئيسية بميدان رمسيس بالقاهرة، لدى عودتهما من مؤتمر دولي عام 1923.

ما يجب الإقرار به الآن هو أن الفكرة القائلة بضرورة فصل الدين عن الحياة العامة لأجل تحقيق التحديث قد دحضت من خلال حياة وخبرات وتجارب أناس كثيرين وبلاد عديدة، في شتى أنحاء العالم، وبصورة خاصة في العالم الإسلامي.

وعندما ننظر إلى العالم الإسلامي في سياق خيارات السياسة الأميركية، من المهم ألا يغيب عنا هذا الإطار الفكري الأوسع حول نهاية نظرية العلمنة. وهو في حد ذاته مهم لأننا بحاجة إلى البحث عن الحلفاء المناسبين. ففي حقبة تدرك أهمية الحوار الحضاري، نحتاج أن نكون على وعي بالناس الذين نستطيع التحاور والعمل معهم بفاعلية.

وكما خلص جون لينتشوفسكي إلى التأكيد على أهمية أن ترتكز الحرية على أسس أخلاقية، فإنني أريد لذلك التأكيد الهام أن يمتد لكي نلحظ أن حرية العالم كله تتطلب أسسا أخلاقية.


في عالمنا المعاصر هناك صدام, وهو ليس بالضرورة الصدام الذي طرحه صمويل هنتنغتون, ولكن الصدام الهام في الحقيقة هو بين من يرون أن الدين لا دور له في المجتمع وبين من يرون أن له دورا في ذلك الصدام
وإذا كنا نسعى لبناء وتقوية الركائز الأخلاقية للحرية في الولايات المتحدة، فإننا لا نبحث بالضرورة عن حلفائنا من بين أشباه الملاحدة أو الدهريين. وإذا كنا لا نفعل ذلك في الولايات المتحدة ذاتها، فلماذا نفعله عندما نتعامل مع العالم الإسلامي؟ ولماذا نرى في سلمان رشدي مثلا حليفا عظيما ومسلما معتدلا بدلا من البحث والتحاور مع من يؤمنون ويحافظون بقوة على القيم الأخلاقية على أساس ديني، ويعتقدون أن للدين مكانا في السياسات والحياة العامة.

في مثل هذا السياق، وكمثال بعيد، فإن آية الله الخميني يمثل حليفا أفضل لنا من سلمان رشدي. ولكن على أي حال، فإن خياراتنا المتاحة ليست هي أن نختار بين أمثال سلمان رشدي وأمثال الخميني. فلدينا في العالم الإسلامي أناس يؤمنون ويتطلعون إلى قيام مجتمعات على أساس أخلاقي، ومع هؤلاء نستطيع –كما فعل غيرنا– أن نتحدث.

وأود أن أشير هنا إلى مجموعة من المثقفين، تضم بين أعضائها المؤرخ الأميركي أنتوني سوليفان وكاتب هذا المقال، وتسمى "الحلقة"، وهي تمثل مجهودا على نطاق صغير يهدف إلى تقديم وسيلة أو آلية للتواصل الفعال، بناء على وعي مشترك وإيمان بمجتمع أخلاقي. وتضم المجموعة ضمن أعضائها أيضا مثقفين غربيين ومسلمين مثل فهمي هويدي (مصر) وراشد الغنوشي (تونس).

وهناك آخرون كثيرون في العالم الإسلامي، بعضهم أكثر ظهورا من غيرهم، ويمثلون أمثلة ذات دلالة على أهمية الدين في الحياة العامة وفي سياقات وخلفيات الحداثة.

وثمة قادة كذلك مثل أنور إبراهيم (ماليزيا) الذي جمع بين الالتزام الديني والدور القيادي في السياسة العامة. ورغم أن الرجل مسجون الآن في بلاده بسبب صراعات سياسية محلية، فإنه –وآخرون كثيرون من أمثاله– يمثلون دحضا عمليا لنظرية العلمنة القديمة.

في حقبة نهاية العلمنة كمعطى مسلم به، وفي زمن ينبغي فيه القبول بالعلمانية كإحدى الأيديولوجيات المتنافسة على صياغة وتعريف الرؤية التي نريد للمجتمع أن يكون عليها، يمكننا بل يجب علينا أن نختار حلفاء مؤثرين. فعندما نتوجه نحو العالم الإسلامي، لسنا مضطرين للتعامل فقط مع العلمانيين غير المؤمنين (اللاأدريين).

في عالمنا المعاصر هناك صدام، نعم، وهناك نزاعات. ولكن النزاع ليس هو بالضرورة الصدام الذي طرحه صمويل هنتنغتون صداما بين الحضارات، وبالأخص كحالة صراع بين الإسلام والغرب، وضمن حرب كونية بين المسلمين وغير المسلمين.

الصدام الهام في الحقيقة هو بين من يرون أن الدين لا دور له في المجتمع ومن يرون أن له دورا. في ذلك الصدام، سيكون للذين يؤمنون –بأن الحرية لا بد لها من قاعدة أخلاقية قوية على أساس ديني للدفاع عنها– حلفاء طبيعيون كثيرون في العالم الإسلامي.
ــــــــــــــــــ
أستاذ التاريخ الإسلامي وتاريخ العالم في جامعة جورج تاون بواشنطن

المصدر : غير معروف