*بقلم/حسن أبو طالب

- رؤيتان للعالم وموقع أميركا فيه
- تباين في الوسائل والسياسات
- التوظيف المختلط
- تهميش الأمم المتحدة لصالح إسرائيل
- تحدي تغيير هيكل القوة الدولية

قبل عدة أيام من بدء الحرب الأميركية البريطانية على العراق-دون قرار من مجلس الأمن- كتب ريتشارد بيرل، أحد رموز المحافظين الجدد، وكان وقتها رئيس لجنة سياسات الدفاع الاستشارية للبنتاغون الأميركي، مقالا نشرته غارديان البريطانية بعنوان "موت الأمم المتحدة"، نعى فيه المنظمة الدولية، معتبرا إياها فاقدة المصداقية وغير قادرة على حماية الأمن الدولي الجماعي.

وكانت الروح التي كتبت بها هذه المقالة معبرة بحق عن خيبة أمل المحافظين الجدد في أن تتحول المنظمة الدولية إلى مجرد مؤسسة ذات طابع دولي تضفي المشروعية القانونية والأخلاقية على المغامرات العسكرية والمواقف الدولية المختلفة لواشنطن.

وهي خيبة أمل تمتد إلى تيار سياسي وفكري تنامى في العقدين الماضيين، ظل يرى في الأمم المتحدة عبئا على السياسة الخارجية الأميركية، وأنها محاولة لتشكيل حكومة عالمية تسعى لاحتواء السيادة الأميركية وتقويض الحرية السائدة في البلاد.

رؤيتان للعالم وموقع أميركا فيه


يحكم أميركا رؤيتان سياسيتان بالنسبة للأمم المتحدة، الأولى تؤمن بالقوة كعنصر حاسم في حماية الأمن القومي، والثانية تعترف بالتعاون الدولي
مثل هذه الانتقادات التي طالما وجهها عناصر ينتمون إلى الحزب الجمهوري لاسيما الجناح الأكثر محافظة ويمينية فيه للأمم المتحدة، تمثل في واقع الأمر صراعا فكريا سياسيا بين رؤيتين أميركيتين للعالم ولموقع الولايات المتحدة فيه. الأولى تنتمي إلى المدرسة الواقعية في التنظيم الدولي، وتؤمن بأن القوة وحدها هي العنصر الحاسم في حماية الأمن القومي وفي منع ما تراه الفوضى الدولية.

وبالنسبة للأمم المتحدة، يرى هؤلاء أنها ليست سوى منظمة بالية، عكست توازنات مرحلة ما بعد الحرب الثانية، وهو ما تم تجاوزه بكثير لا سيما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، وصار مطلوبا أن يعاد تكوينها جذريا، وبحيث تعكس أهداف ومصالح الولايات المتحدة بالدرجة الأولى، باعتبارها القطب الأوحد في العالم المعاصر.

أما الرؤية الثانية فتعرف بمدرسة التعاون الدولي، أو الليبرالية في العلاقات الدولية، وتنطلق من فكرة رئيسة حول تجانس المصالح الدولية، وأن الدول يمكن أن تتصرف باعتبارها تشكل مجتمعا متجانسا، أكثر من مجرد أطراف منفصلة لكل منها مصالحها الضيقة والخاصة بها، وبهذه الوسيلة يتشكل نظام للتفاعلات ينهي أسباب الفوضى الناتجة عن التعارض بين المصالح، ويوفر الحلول للنزاعات الدولية، ومن ثم يمنع تحولها إلى أزمات وحروب طاحنة.

ويرد ذوو النزعة الليبرالية على اتهامات الجمهوريين بوجود إنفاق كبير للمنظمة الدولية دون جدوى، بأن ميزانيتها لا تزيد على 1.25 بليون دولار، ولم يزد عليها دولار آخر منذ 1996، وهو ما ينفقه البنتاغون في أقل من 32 ساعة فقط، وأن كل ما تنفقه البرامج والوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة هو أقل من ربع ميزانية مدينة نيويورك وحدها.

وإذا كان عدد موظفي المنظمة الدولية حوالي 50 ألفا، وهو يماثل تقريبا عدد موظفي مدينة مثل ستوكهولم، ولكنهم منتشرون في كل بقاع العالم، يقومون بمهام تمتد من حفظ السلام إلى الإغاثة إلى درء الأمراض الفتاكة.

وبالنسبة لهؤلاء فإن الأمم المتحدة تعبر عن مصالح الجماعة الدولية ككل، وتمثل الحد الأدنى من تعددية وديمقراطية صنع القرار الدولي المتعلق بمصير البشرية ككل، وإن المصالح الأميركية الضيقة لا تتعارض بالضرورة مع المصالح الأكبر للجماعة الدولية، بل هي جزء منها.

تباين في الوسائل والسياسات
في ضوء هاتين الرؤيتين تتراوح سياسة البيت الأبيض تجاه الأمم المتحدة بين جهد يسعى إلى تحويلها لأداة من أدوات صنع السياسة الأميركية، وآخر يهدف إلى توظيفها بحيث تشكل منظومة تفاعلات دولية، تحقق ريادة أميركية، ولكن بتعاون مع الآخرين وليس رغما عنهم.

ويأتي الميل إلى هذا الجانب أو ذاك استنادا إلى طبيعة المسيطرين على صنع القرار الأميركي، فالإدارات الجمهورية بطبيعتها أكثر ميلا إلى توظيف الأمم المتحدة لخدمة المصالح الأميركية الضيقة. أما الإدارات الديمقراطية فهي أكثر ميلا ناحية توظيف الأمم المتحدة وفقا لمفاهيم التعاون الدولي، مع الأخذ في الاعتبار جزءا مهما من المصالح الحيوية لباقي الأعضاء.

وفى المراحل التي تنقسم فيها عملية صنع القرار بين أنصار التيارين، تختلط المواقف، وتصبح المعاملة الأميركية للأمم المتحدة مترددة بين هذا وذاك. وقد رأينا نموذجا لهذا الاختلاط في السياسات إبان فترة الرئيس بيل كلينتون الثانية، حين قرر الكونغرس الأميركي بتأثير من رئيسه نيوت غنغريتش الجمهوري، الامتناع عن دفع المخصصات الأميركية ومتأخراتها للأمم المتحدة، في حين كانت إدارة كلينتون راغبة في تسوية هذه القضية، باعتبار أن ذلك سوف يعطيها نفوذا أكبر على عملية إصلاح المنظمة الدولية التي كانت مثار بحث جدي آنذاك داخل مجلس الأمن والجمعية العامة.

التوظيف المختلط


يظل لجوء الولايات المتحدة وبريطانيا لشن الحرب على العراق دون مسوغ قانوني واضح من مجلس الأمن ضربة كبرى لنظام الأمن الجماعي

وبالتطبيق على حالة إدارة بوش الراهنة، رغم سيادة التيار اليميني المحافظ فيها، وتجانسها شبه الكامل مع التيار المسيطر على الكونغرس، فإنها من الناحية السلوكية تمثل خليطا من المواقف ما بين التمسك واللجوء إلى المنظمة الدولية لتمرير ما يعد ضروريا للمصالح الإستراتيجية الكبرى، وإكسابه شرعية عالمية، وما بين ازدراء المنظمة الدولية وتجاوزها تماما.

ويمثل لجوء الولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001 لمجلس الأمن لاستصدار قرارات تدين ما تراه الإرهاب الدولي، وتفرض على الدول كافة ممارسات معينة لمكافحته، تمثل حالة بارزة في توظيف المنظمة الدولية لخدمة مصالح أميركية حيوية، وفرض أنواع من الممارسات على العالم بأسره بعد إكسابها طابعا عالميا وليس فقط طابعا أميركيا.

ولعل الحالة العراقية طوال فترة العامين والنصف الأولى من عمر إدارة بوش تجسد عمليا سياسة تحويل المنظمة الدولية إلى أداة مكملة للسياسة الأميركية مع مراعاة حد أدنى من مواقف ومطالب القوى الدولية الأخرى، لا سيما دائمة العضوية في مجلس الأمن.

ولذلك كانت القرارات الصادرة وتقارير عمل لجنتي التفتيش الأونسكوم والأنموفيك حتى نهاية ديسمبر/ كانون الأول 2002، ثم القرار الشهير 1441 الذي وافقت عليه كل الدول الأعضاء، وأثار الجدل في حينه حول مدى ما يمثله من إجازة شن الحرب على العراق دون استصدار قرار واضح آخر بهذا المعنى، كلها يمكن النظر إليها كنماذج للقرارات التي تم التوصل إليها بعد حوارات ومناقشات مستفيضة بين القوى الكبرى في مجلس الأمن. ومن ثم تدخل تحت بند القرارات المعبرة عن إرادة جماعية.

الأمر نفسه يمكن أن ينطبق على القرارات الثلاثة الصادرة عن مجلس الأمن بعد التخلص من نظام البعث، وتحمل أرقام 1483 و1500 و1511 والتي عالجت قضية احتلال أميركا للعراق، وحددت دورا هامشيا للأمم المتحدة في عملية إعادة إعمار العراق، ووفرت أساسا قانونيا للتعامل مع مجلس الحكم الانتقالي باعتباره ممثلا للسيادة العراقية، وأخيرا قدمت غطاء شرعيا قانونيا لتشكيل قوة متعددة الجنسيات تحت قيادة أميركية، ولم تتضمن برنامجا زمنيا لعودة السيادة للعراقيين. واللافت للنظر هنا أن هذه القرارات الثلاثة صدرت بالإجماع.

والقرار الأخير الصادر في 16 أكتوبر/ تشرين الأول 2003، جاء بعد مباحثات ومحاولات لتغيير مسودته الأميركية الأصلية استمرت أكثر من شهر، والتي تعرضت بالفعل إلى تغييرات بعضها رمزي والآخر مهم، إرضاء لمطالب دول كبرى كروسيا وفرنسا وألمانيا.

وما بين هاتين المجموعتين من القرارات الدولية والمعبرتين عن نوع من التوافق والإرادة الجماعية، يظل لجوء الولايات المتحدة وبريطانيا لشن الحرب على العراق دون مسوغ قانوني واضح من مجلس الأمن ضربة كبرى لنظام الأمن الجماعي وسابقة خطيرة في تجاوز ميثاق الأمم المتحدة وتعبيرا فريدا عن الضرب بعرض الحائط كل عناصر النظام الدولي من الناحيتيْن القانونية والأخلاقية حين تتصادم مع المصالح الأميركية المباشرة، وحين يستحيل التوصل إلى نقطة وسط تحفظ المصالح الدولية المتناقضة بشأن قضية ما.

تهميش الأمم المتحدة لصالح إسرائيل
الحالة العراقية على هذا النحو تكشف عن مزيج بين التوظيف الأميركي للأمم المتحدة لتمرير مواقف أميركية بالدرجة الأولى بعد إكسابها سمة عالمية وجماعية، وبين تجاوز المنظمة الدولية كلية. لكن في الحالة الفلسطينية فإن الأمر يأخذ بعدا واحدا فقط، يبدأ بإبعاد الأمم المتحدة عن معالجة جوانب مختلفة من هذه القضية لا سيما السياسية منها، ويمر بتفريغ أية قرارات سبق صدورها من حجيتها القانونية، وينتهي بالسيطرة الأميركية الكاملة على مسار هذه القضية تماما.

وفى اللحظات التي يسعى فيها أطراف دوليون لاستخدام الأمم المتحدة كمجرد منبر لتوجيه نقد للممارسات الإسرائيلية، أو لفت الأنظار إلى خطورة ما تقوم به إسرائيل على الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط، أو تجاوزها لكل الخطوط الحمراء بشأن حقوق الإنسان، تقف الولايات المتحدة بالمرصاد، مستخدمة حق النقض دون أن تطرف لها عين ولو خجلا.

وفى غضون ثلاثة أسابيع فقط استخدمت الولايات المتحدة حق النقض مرتين، الأول ضد مشروع قرار يدين قرار الحكومة الإسرائيلية إبعاد الرئيس عرفات أو التخلص منه، والثاني في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 2003 ، ضد مشروع قرار يدين قيام إسرائيل ببناء الجدار العازل في الضفة الغربية.

ويأتي النقضان الأخيران ليكملا قائمة طويلة سابقة، وصلت إلى 78 نقضا أميركيا لمشروعات قرارات تناولت جوانب متعددة من الممارسات الإسرائيلية الخارجة على قواعد القانون الدولي. والحجة الأميركية دائما كانت واحدة، " أن المشروعات المقدمة ليست محايدة ومنحازة ضد إسرائيل".

تحدي تغيير هيكل القوة الدولية


الأمم المتحدة كمنظمة دولية تضم بين جنباتها كل دول العالم، ولن تخرج عن كونها تعبيرا عن توازن القوى بين كل هذه الأطراف في مرحلة تاريخية بعينها
وتفرض هذه الممارسات الأميركية تجاه الأمم المتحدة تحديا جوهريا على الأمم المتحدة، وكيف يمكن أن تكون تعبيرا عن المصالح الدولية الجماعية بحق، وليست أداة للمناورة أو تعزيز مصالح قطب دولي بعينه على حساب مصالح الغالبية العظمى من الدول؟

والحق أن هناك اجتهادات نظرية أكثر من جيدة تطرح مخارج عدة تقوم كلها على فلسفة إصلاحية بالأساس، بداية من إلغاء حق النقض أو تقييد استخدامه في قضايا بعينها، وإعادة تشكيل مجلس الأمن الدولي، وتوفير مصادر دخل جديدة للأمم المتحدة لمنحها حرية حركة، وإجراء تغييرات جذرية على نظم العمل بها، ومنح الجمعية العامة قدرة أكبر في إصدار قرارات ملزمة للمجتمع الدولي.


ورغم حيوية كل تلك الأفكار وجدارتها السياسية والأخلاقية، تظل هناك حقيقة أن الأمم المتحدة كمنظمة دولية تضم بين جنباتها كل دول العالم، فلن تخرج عن كونها تعبيرا عن توازن القوى بين كل هذه الأطراف في مرحلة تاريخية بعينها.

والمرحلة الراهنة لا تعرف سوى قوة وحيدة تتربع على القمة دون منازع، وراءها اقتصاد ديناميكي ينتج نحو 23% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم كله، ويشارك بـ 20% من التجارة العالمية، ويضع ميزانية عسكرية تقترب من 400 مليار دولار، تمثل مجموع ميزانيات أكبر 15 دولة كبرى تالية للولايات المتحدة، وتوازي 50% من إجمالي الإنفاق العالمي العسكري كله.

وحين تتغير بعض أو كل هذه المتغيرات لصالح طرف أو أطراف دولية أخرى، يمكن وقتها الحديث عندئذ عن دور جديد للمنظمة الدولية بعيدا عن هيمنة أميركية مباشرة أو قدر من الازدراء والتجاهل، أو سياسات مُصممة لتوظيف المنظمة لخدمة أغراض أميركية بالدرجة الأولى.
ــــــــــــــــــ
*كاتب مصري

المصدر : الجزيرة