بقلم: غراهام فولر

تواجه أفغانستان مستقبلا خطيرا، فقد ظل هذا البلد على مدى العشرين عاما الماضية ضحية مؤسفة لحركتين داخليتين متطرفتين إضافة إلى قوى دولية مختلفة، مما قد يهدد وحدة هذا البلد.
لقد برز المتطرفون المحليون من ناحيتين: تمثلت الأولى في الشيوعيين، والثانية في كل من حركة طالبان وتنظيم القاعدة الإسلاميين الراديكاليين.


هناك خوف كبير من أن تصاب الولايات المتحدة بالإحباط بعد القضاء على بن لادن وتنظيم القاعدة نتيجة الصراعات الطاحنة بين الجماعات الأفغانية، ومن ثم تتخلى عن المشكلة للأمم المتحدة وتحصر دورها في المساعدات المالية لإعادة إعمار البلد

فقد ارتكب الحزب الأفغاني الشيوعي الجريمة الأولى عام 1978 عندما قام بانقلاب عسكري على الحكومة تسبب في قطار الأحداث المأساوية التي وقعت بعد ذلك والتي دمرت البلد، حيث تسببت السياسات الماركسية اللينينية القاسية والظالمة التي قام بها الشيوعيون بتنفير الشعب الذي أشعل بعد ذلك مقاومة دينية واسعة جلبت الغزو السوفياتي لأفغانستان دعما للحكومة الشيوعية المتهاوية واشتعال الجهاد الطويل ضد السوفيات، وتوافد المجاهدين من كل أنحاء العالم الإسلامي، وتدفقت المساعدات الغربية الكبيرة للمجاهدين، وانتهى ذلك الفصل بالهزيمة المدوية للاتحاد السوفياتي. وقد تبع ذلك حرب أهلية فظيعة بين فصائل المجاهدين. وهو ما أدى إلى مزيد من الدمار لذلك البلد ومن ثم إلى ظهور حركة طالبان بدعم قوي من باكستان.

وقد تبنت طالبان نموذجا راديكاليا وبدائيا للإسلام أبعد عنها غالبية المسلمين في العالم، حتى إنه خلق لديهم نظرية المؤامرة بأن المخابرات المركزية الأميركية الـ(CIA) ربما تكون هي التي أوجدت طالبان لتشويه الإسلام! وانتهى الحال بطالبان إلى أن أقامت علاقات حميمة مع بن لادن وتنظيم القاعدة الذي أدى بدوره إلى الحرب المخيفة التي تجري اليوم.

وهكذا، ومن وجهة نظري الخاصة، فإن كلا من الشيوعيين والإسلاميين الراديكاليين هم الذين تسببوا بالمأساة التي نشهد فصولها اليوم في أفغانستان، والذين تسببوا مرتين بالحرب وبقدوم قوات أجنبية إلى بلدهم أفغانستان.

ومثل كثير من الدول الأخرى في العالم، ظلت أفغانستان لفترة طويلة "إمبراطورية مصغرة".. دولة يحكمها ويسيطر عليها البشتون الذين يمثلون حوالي 40% من السكان. ورغم أن المجموعات العرقية الأخرى (الطاجيك والأوزبك والهزارة وغيرها) كان لها تمثيل معين في النظام، فإن البشتون ظلوا مهيمنين. إلا أنه بعد الجهاد ضد السوفيات الذي لعبت فيه الأقليات الأخرى دورا مهما كان من المستحيل العودة إلى الهيمنة البشتونية القديمة على البلاد. وأصبح البلد منقسما تقريبا بين البشتون (طالبان) في الجنوب وغير البشتون في الشمال (تحالف الشمال).


إذا لم تكن باكستان راضية عن التسوية التي ستتم في أفغانستان فإنها ستعمل على تغيير الحكومة فيها عاجلا أم آجلا بما يتوافق مع مصالحها

إن أحداث السنوات العشرين الأخيرة تهدد الآن أفغانستان بخطر التقسيم بين المجموعات العرقية المختلفة، ويدعم هذا الاتجاه ما يأتي:

  • كل جماعة من المجاهدين كانت خلال الحرب الأهلية تستمد تنظيمها بشكل رئيسي من مجموعة عرقية معينة.
  • على مدى أكثر من عشرين عاما، لم تكن هناك حكومة مركزية مقبولة تمثل جميع الأفغان.
  • كانت أفغانستان مفصولة عن شعوب آسيا الوسطى خلال حكم الشيوعيين وفترة "الستار الحديدي". لكن انهيار الاتحاد السوفياتي أوجد دولا عرقية جديدة شمالي أفغانستان من بينها أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان. وربما يفضل الأوزبك والطاجيك والتركمان في أفغانستان الاتحاد في نهاية المطاف مع تلك الدول في الشمال إذا لم يكن هناك نظام في أفغانستان يحميهم ويدعم مصالحهم.
  • حركة طالبان البشتونية أسهمت في زيادة تنفير الأفغان غير البشتون.
  • عودة تحالف الشمال إلى كابل الآن يقوي مرة أخرى غير البشتون على البشتون.
  • كل دولة حول أفغانستان لها أتباعها الخاصون بها من الأفغان: أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان، وإيران (تدعم الشيعة الهزارة) وباكستان (تدعم البشتون).
  • هناك خوف كبير بأن تصاب الولايات المتحدة بالإحباط بعد أن تقضي على بن لادن وتنظيم القاعدة داخل أفغانستان نتيجة الصراعات الطاحنة بين الجماعات الأفغانية ومن ثم تتخلى عن المشكلة للأمم المتحدة وتحصر دورها في المساعدات المالية لإعادة إعمار البلد.
  • في الوقت نفسه فإن الأمم المتحدة لن تستطيع وحدها إعادة بناء البلد أو تشكيل حكومة مركزية، فالمهمة ضخمة وسيسعى كل الجيران إلى أن يكون لهم صوت ودور. وقد تحاول الأمم المتحدة إقامة فدرالية في أفغانستان لأن إقامة حكومة موحدة قد يكون أمرا صعبا. ومع ذلك فإن الفدرالية نفسها ستضعف وحدة البلد أكثر وقد تعجل في انقسامه.

ولهذه الأسباب كلها أخشى أن تكون احتمالات تقسيم أفغانستان قوية في نهاية الأمر.

إن باكستان لها مصلحة أكثر من غيرها من الدول داخل أفغانستان. فهي لها جارة كبيرة ومعادية وهي الهند ناحية الشرق، ولذلك لا يمكن أن تسمح بوجود دولة أخرى معادية لها على حدودها الغربية. وإذا لم تكن باكستان راضية عن التسوية التي ستتم في أفغانستان فإنها ستعمل على تغيير الحكومة فيها عاجلا أم آجلا بما يتوافق مع مصالحها. ولا يملك أي من جيران أفغانستان الآخرين القوة التي تملكها باكستان لعمل ذلك. وترى باكستان أن أفضل طريقة لحماية مصالحها في أفغانستان تكمن في إبقاء سيطرة البشتون على البلد. لكن دعم البشتون ينطوي أيضا على كثير من المخاطر لأنه حال انقسام أفغانستان إلى أقاليم عرقية ستتأثر باكستان حتما. فتعداد البشتون في باكستان أكثر من عددهم في أفغانستان. وخلال السنوات الخمسين الماضية تفتق ذهن بعض الجماعات عن فكرة إقامة "بشتونستان" توحد البشتون في أفغانستان وباكستان ضمن دولة واحدة. إن مثل هذا العمل يمكن أن يؤدي بسهولة إلى تفتيت باكستان نفسها حسب المجموعات العرقية التي تعيش فيها.


أبرزت الأزمة الأفغانية الراهنة دور "الإسلامية" في السياسات الإثنية، وهل هو إيجابي أم سلبي، كما أبرزت أخطار التطرف السياسي سواء الشيوعي أو الإسلامي الراديكالي الذي يمكن أن يضر كثيرا بوضع الشعوب المسلمة في المنطقة

وهكذا فإن الحلفاء الغربيين وجيران أفغانستان يتحملون مسؤولية مشتركة كبيرة في محاولة الحفاظ على وحدة البلد. قد لا يكون ذلك ممكنا، لكن انهيار أفغانستان ليس في مصلحة الغرب أو الولايات المتحدة، حيث إن ذلك سيفاقم حالة عدم الاستقرار في المنطقة كلها. فالمجاهدون من منطقة آسيا الوسطى -الشيشان والأوزبك والكشميريين واليوغور في الصين- كلهم حانقون على الأنظمة التي تحكمهم، وسيسعون إلى مواصلة كفاحهم بحثا عن العدالة. وإذا لم تستطع أفغانستان تقديم ملجأ لهم سيحاولون البحث عن ملجأ في مكان آخر من المنطقة.

لم يكن الوضع الجيوسياسي لهذه المنطقة معروفا جيدا للعالم الإسلامي أو حتى لغالبية الغرب خلال القرن الماضي. لكن سيتوجب على جميع المسلمين أن يتعلموا الكثير عن هذه المنطقة ومشاكلها، لأن ذلك ينطوي على مسائل أساسية مثل دور "الإسلامية" في السياسات الإثنية، هل هو إيجابي أم سلبي. كما ينطوي على أخطار التطرف السياسي سواء الشيوعي أو الإسلامي الراديكالي الذي يمكن أن يضر كثيرا بوضع الشعوب المسلمة في المنطقة. وآمل أن تبدأ الدول المسلمة حتى البعيدة منها عن المنطقة مثل إندونيسيا وماليزيا والعالم العربي في التعبير عن وجهة نظرها وإبداء رأيها حول هذه المشكلات وحتى ذلك الحين دعونا نأمل بأن تظل أفغانستان صامدة.

للمشاركة بالرأي والتعليق

المصدر : غير معروف