لاجئون أثناء محاولتهم الفرار من مدينة بواكيه (أرشيف)

بقلم: محمد جميل بن منصور*

- الخارطة التعددية في ساحل العاج
- 19 سبتمبر/ أيلول.. الحدث والدلالة
- التفاعل الإقليمي والدولي للحدث العاجي
- أي غدٍ لدولة الكاكاو؟

شهدت دولة ساحل العاج الغرب أفريقية منذ 19 سبتمبر/ أيلول الماضي تطورات خطيرة بدأت بمحاولة للانقلاب -أو هكذا تصور البعض- في أبيدجان انتهت بتصفية الرئيس السابق روبرت غي وأسرته ومقربيه ووزير الداخلية القوي والشخص الثاني في الحزب الحاكم "أميل بوكا" وانتهت بتمرد انطلق في منطقة الشمال وفي مدينة بواكيه تحديدا.. هذا التمرد -وإن كان من قادته مسيحيون- الذي اتهم الشمال المسلم بالوقوف وراءه في إطار النزاع الديني والعرقي الذي تشهده ساحل العاج منذ طرحت مشكلة جنسية الحسن وتارا زعيم تجمع الجمهوريين.

الخارطة التعددية في ساحل العاج

لا يمكن فهم التطورات الحالية إلا بلفتة إلى ماضي ساحل العاج لمعرفة الخلفيات والبدايات، فكما هو معلوم أن ساحل العاج دولة متعددة الأديان والقوميات ففيها المسلمون والمسيحيون والوثنيون وتتوزعها قوميات ثلاث كبيرة هي: باولي وجيولا وبتي.


الولايات المتحدة الأميركية التي يشاع في الوسط السياسي العاجي أن رجلها في البلاد هو الحسن وتارا، أرسلت قوات وصلت غانا، وموقفها التقليدي إلى جانب فتح فرصة المنافسة أمام الجميع بمن فيهم المعارض وتارا
وقد عاش المشهد السياسي هذا التوزع:

  • فقبيلة "جيولا" ذات الأغلبية المسلمة اختارت صف الحسن وتارا وحزب تجمع الجمهوريين الذي تتولى أمانته العامة امرأة مسيحية.
  • أما قومية "باولي" فكانت العمود الفقري للحزب الحاكم أصلا قبل التعددية، وهو الحزب الديمقراطي لساحل العاج الذي أسسه وقاده الرئيس السابق هوفوت بونيه.
  • ويتخذ الحزب الحاكم الحالي الجبهة الشعبية العاجية من قومية "بتي" المسيحية في غالبيتها، قاعدة ارتكاز.

وهكذا تداخل الديني (الإسلام، المسيحية، الوثنية)، والعرقي (باولي وجيولا وبتي)، والسياسي (الحزب الديمقراطي وتجمع الجمهوريين والجبهة الشعبية)، وهذا ما غذى الأزمة من أكثر من وجه.

ورغم محاولات الرئيس السابق بونيه التقرب من الفاعلين الرئيسيين وبخاصة المواءمة بين وتارا رئيسا للوزراء وكونان بدييه رئيسا للبرلمان، فإن الأزمة انفجرت مباشرة بعد موته وكان السبب المباشر لها ما لجأ إليه بدييه -الذي تولى الرئاسة بفعل تأثير قوميته في الدولة والحزب الحاكم- من الاستفهام حول جنسية منافسه وتارا وهو ما عرف في الأدبيات السياسية "بالذاتية العاجية" لمزاً في أصحاب الأصول الأفريقية الأخرى خصوصا المنحدرين من بوركينا فاسو.

لوران غباغبو

ولم يستطع الانقلاب العسكري الذي نظمه الجنرال روبرت غي ضد كونان بدييه حل الأزمة، بل كانت الرئاسيات التي نظمها العسكر فرصة لظهور الأزمة من جديد وبشكل أكثر خطورة، إذ استمر منع الحسن وتارا من الترشح مما فاقم الغضب والتذمر في الشمال المسلم. وحاول الحاكم العسكري كسب المعركة بأسلوبه الخاص، الأمر الذي استطاع لوران غباغبو إفشاله بعد أن ساهم في إقصاء خصمه الشعبي الحقيقي وتارا.

ومع وصول غباغبو بدأت الآمال في تسوية سياسية وهو ما لم ينجح فيه الملتقى الوطني الذي ترأسه صيدو ديارا. وفي أجواء الهدوء النسبية التي سادت قبل الملتقى وبعده جرت انتخابات بلدية حقق فيها تجمع الجمهوريين الذي يقوده الحسن وتارا نجاحا واسعا، مما زاد من مخاوف غباغبو على مستقبله الرئاسي ودفعه للاستمرار في رفض منح الجنسية لمنافسه العتيد.

19 سبتمبر/ أيلول.. الحدث والدلالة

الحسن وتارا

كان الجميع ينتظر انفجارا من نوع ما بعد استمرار الأزمة السياسية العرقية الدينية في البلاد، وفي ليلة 19 سبتمبر/ أيلول الماضي وقبل الفجر بحوالي ساعتين بدأت الطلقات تشق صمت أبيدجان، وقيل إنه انقلاب وهو ما لم يؤكده أي مصدر مستقل حتى الآن.

وانتهت الأحداث باغتيال جماعي ووحشي للحاكم العسكري السابق روبرت غي وعائلته ووزير الداخلية الشخصية الثانية بعد الرئيس غباغبو في الحزب الحاكم ودوائر القرار. بل إن فريق الاغتيال الذي غادر منزل الجنرال غي كاد يفعل نفس الشيء مع زعيم تجمع الجمهوريين الحسن وتارا الذي كان يستعد للغداء مع 14 من أهله ومقربيه لولا أنه أشعر بالهاتف بضرورة الهروب فورا، وهو ما قاده إلى السفارة الألمانية المجاورة لمنزله ثم إلى السفارة الفرنسية بعد ذلك. ورافقت هذه الأحداث عمليات حرق واسعة لعدد من المنازل قيل إن أهلها من أصول بوركينابية.

لكن الأمور تفاقمت جدا بعد أن ترافقت أحداث أبيدجان مع تمرد منظم انطلق من الشمال وتعزز في ثاني أكبر مدن ساحل العاج "بواكيه". ورغم أن عددا من قيادات هذا التمرد مسيحية الدين والأسماء فإنه صنف على أنه تمرد من مسلمي الشمال، وهو افتراض يجد ما يعززه في مواقعه وأهدافه واستجابته لتوعد سابق إذا منع الحسن وتارا من جنسيته ودوره.

والآن وبعد ثلاثة أسابيع من أحداث 19 سبتمبر/ أيلول في أبيدجان وأحداث التمرد في الشمال يبدو ميزان القوى مترددا، فالمتمردون يسيطرون على حوالي نصف مساحة البلاد ويتمتعون بروح معنوية عالية ويعطون بسلوكهم في المدن التي يسيطرون عليها انطباعا مقبولا.

وفي المقابل تمتنع الحكومة عن التنازل وترفض التوقيع على وقف إطلاق النار، مما يعطي انطباعا عن أن لديها قوة قائمة أو منتظرة، ولكن في بلد مثل ساحل العاج لا يكفي العامل الداخلي محددا للمصائر العسكرية والسياسية، بل إن المحيطين الإقليمي والدولي بالغا التأثير على الوضع العاجي.

التفاعل الإقليمي والدولي للحدث العاجي

التفاعل الإقليمي
من المعروف تقليديا أن للدول الأفريقية المجاورة تأثيرا على ساحل العاج العتيدة اقتصاديا الضعيفة عسكريا، خصوصا بوركينا فاسو ومالي اللتين تتمتعان بجاليات كبيرة في دولة الكاكاو.

روبرت غي
ومن هنا كان من الطبيعي أن تبادر حكومة لوران غباغبو إلى اتهام بوركينا فاسو بالوقوف وراء متمردي الشمال. ومن المفهوم أن نقرأ في إحدى الصحف السيارة في أبيدجان "هجوم خارجي ضد ساحل العاج: بليز كامباوري (الرئيس البوركينابي) دون قناع". ورغم كل محاولات المجاورين الأفارقة -حتى أكثرهم بعدا عن الاتهام (السنغال) بحكم الموقع والطبيعة- فإن حكومة ياموسوكرو مازالت تتمنع، ومازالت الجهود السنغالية متواصلة بوساطة وزير خارجيتها مدعوما بالأمين العام للمجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا. إلا أن انتظار كل طرف لنتائج المعارك على الأرض وبالتالي ميزان القوى الفعلي، أخر الاستجابة لهذه الجهود خصوصا من طرف غباغبو.

التفاعل الدولي

جندي فرنسي في ساحل العاج (أرشيف)
أما على المستوى الدولي فتتميز فرنسا ثم الولايات المتحدة بالنفوذ الأهم في ساحل العاج. ومعروف أن فرنسا الاشتراكية دعمت غباغبو مرشحا ورحبت به رئيسا، إلا أنها الآن يمينية الهوى رئاسة وحكومة وهو ما يبدو أحد الأسباب في الموقف الفرنسي الغامض الذي وإن جامل حكومة غباغبو فإنه لم يسعفها بما كانت تنتظره من تدخل مباشر. وقد حدثني دبلوماسي فرنسي رفيع المستوى في نواكشوط أن فرنسا تدعم حقيقة المبادرة الأفريقية للوساطة، وهي المبادرة التي لا تصنف إلى جانب غباغبو بالضرورة.

أما الولايات المتحدة الأميركية التي يشاع في الوسط السياسي العاجي أن رجلها في البلاد هو الحسن وتارا، فقد أرسلت قوات وصلت غانا وموقفها التقليدي إلى جانب فتح فرصة المنافسة أمام الجميع بمن فيهم المعارض وتارا. ولا شك أن نظام غباغبو - رغم محاولاته العديدة للتقرب من واشنطن- ينظر إلى الموقف الأميركي بشيء من الريبة.

أيّ غدٍ لدولة الكاكاو؟

جميع المشفقين على ساحل العاج ينظرون بألم لما يحدث ويعتبرون أن حمام الدم الذي انطلق في أبيدجان والشمال ينذر بخطر على وحدة البلاد وانسجامها بالكلية، ويدركون أن الأمل في استدراك الوضع ضعيف.

هناك سيناريوهات عديدة بالنظر إلى الوضعية الحالية:

أولا- أن تستمر الأزمة ويتفاقم القتال وتتسع دائرة الحرب الأهلية وتأخذ أبعادها الدينية والعرقية الواضحة، وهنا يلعب موقف القوى الأجنبية والإقليمية دورا كبيرا في حسم المعركة لصالح طرف أو تغليبه النسبي على خصمه. ولا يستبعد بعض المراقبين هذا الخيار في ظل رفض غباغبو للوساطات وتفضيله القوة لحسم الخلاف. وكان خطابه الذي ألقاه بعد عودته من إيطاليا واضحا في هذا السياق حين قال إن ساعة الوطنية قد حانت، مخاطبا الجيش والدرك والأمن وداعيا إياهم إلى التحرك بسرعة.


فرنسا الاشتراكية دعمت غباغبو مرشحا ورحبت به رئيسا، إلا أنها الآن يمينية الهوى رئاسة وحكومة وهو ما يبدو أحد أسباب الموقف الفرنسي الغامض الذي وإن جامل حكومة غباغبو فإنه لم يسعفها بما كانت تنتظره من تدخل مباشر
ثانيا- أن تنجح المفاوضات والوساطات في إيجاد حل سلمي للأزمة يلقي بموجبه الثوار أسلحتهم وتقبل حكومة غباغبو اتفاقا سياسيا يتيح لجميع الأطراف الفرصة المتساوية في انتخابات شفافة. ورغم الجهود المبذولة في هذا الاتجاه فإن احتماله لم يقوَ بعد، وسيظل الموقف الخارجي والفرنسي تحديدا عنصرا هاما في ترجيح هذا الاحتمال.

ثالثا- لجوء غباغبو إلى حملة سياسية أمنية ضد خصومه الذين يتهمهم بالوقوف وراء التمرد واعتقالهم أو اختطافهم خاصة الحسن وتارا، وهذا سيدفع إلى مزيد من التأزم، وإن كان نجاح غباغبو في التخلص من وتارا جسديا سيريحه من منافسه القوي ويتطلب بروز بديل له بعض الوقت.

المؤكد أن ساحل العاج دخلت دوامة العنف وأنه لم يحسم أي من الأطراف المعركة ميدانيا بعد. والمؤكد أيضا أن سلطة غباغبو لن تقبل التنازل بسهولة، ولا يبدو الحسن وتارا أقل منها عنادا. كما أن من المؤكد أن الأطراف الخارجية -خصوصا بوركينا فاسو إقليميا وفرنسا دوليا- تلعب دورا رئيسيا فيما يحدث وفيما يمكن أن يحدث.

_______________
* محلل سياسي موريتاني

المصدر : غير معروف