* بقلم/ علي صبري

- نشأة الجماعات الإسلامية وتشظيها
- مرحلة جديدة
- الخيارات المتاحة

عادت الحركات الإسلامية لتطفو على سطح الأحداث في كردستان العراق في الآونة الأخيرة بعد سلسلة من الأحداث كان أبرزها وقوع أعمال عنف واشتباكات في السليمانية وتفجيرات في أربيل نسبت إلى جماعة أنصار الإسلام، واغتيال نائب مدير الأمن في السليمانية على يد الجماعة نفسها. وزاد من تسليط الضوء على الحركات الإسلامية في إقليم كردستان، سلسلة الاعتقالات التي تعرضت لها بشكل رئيسي الجماعة الإسلامية في محافظة السليمانية وطالت عناصر من تنظيمات أخرى.

فوصل عدد المعتقلين لأكثر من 500 شخص، أفرج عن بعضهم بعد انتهاء التحقيق معهم، بعد تعهدهم بقطع علاقتهم بالجماعة الإسلامية. في الوقت الذي لا يزال أمير الجماعة الاسلامية علي بابير معتقلا في مطار بغداد لدى القوات الأميركية.

هذه التطورات تثير تساؤلات المراقبين حول مستقبل التنظيمات الإسلامية في كردستان العراق في ظل الواقع الجديد الذي يعيشه العراق بعد سقوط النظام البعثي، وفرض القوة الأميركية نفسها على الأرض العراقية ومعظم القوى السياسية. وهل سيبقى من هامش لحرية حركة هذه التنظيمات في دائرة واسعة من الاستقلالية وإحكام القبضة على مناطق خاصة بها كما كان سابقا؟ أم سيضطرها الواقع الجديد إلى إعادة صياغة نفسها بما يتلاءم معه؟


فكرة حمل السلاح أحدثت شرخا في جسم التيار الإسلامي، فتشكل جسمان جديدان يحملان نفس الفكر، بفارق القناعة في جدوى حمل السلاح، فتكون الاتحاد الإسلامي والحركة الإسلامية
نشأة الجماعات الإسلامية وتشظيها
كان ظهور النواة الأولى للتيار الإسلامي في كردستان العراق مبكرا، على يد أحد رموز حركة الإخوان المسلمين في العراق الشيخ محمود الصواف، في نهاية عقد الأربعينيات من القرن الماضي، وكان لهذا التيار وجود ملموس في مختلف مناطق كردستان.

وتم حل الحركة الإسلامية كتنظيم معلن عام 1970 بأمر من حزب البعث الحاكم، إلا أن الظهور القوي له جاء إثر مأساة حلبجة في مارس 1988 راح ضحيتها خمسة آلاف كردي، وحملة الإبادة التي عرفت بحملة "الأنفال" في أغسطس/ آب من نفس العام، (فقد فيها 182 ألف شخص حتى الساعة، وهدم 4500 قرية محيت من الوجود).

وكان الشيخ عثمان عبد العزيز قد أعلن تشكيل الحركة الإسلامية عام 1987 وبدأ القتال ضد النظام في بغداد منطلقا من حلبجة بالقرب من الحدود العراقية الإيرانية شرق كردستان العراق.

فكرة حمل السلاح أحدثت شرخا في جسم التيار الإسلامي، فتشكل جسمان جديدان يحملان نفس الفكر، كأيديولوجيا، بفارق القناعة في جدوى حمل السلاح، فتكون الاتحاد الإسلامي والحركة الإسلامية.

وفيما بقي الاتحاد الإسلامي الذي رفض حمل السلاح على تماسكه، عانت الحركة الإسلامية المسلحة من شرخ جديد في وقت لاحق بانشقاق الجماعة الإسلامية بقيادة علي بابير بسبب خلافات تنظيمية مع قيادة الحركة الإسلامية، وخرج منها لاحقا تنظيم آخر هو "جند الإسلام" الذي اندمج لاحقا مع "حركة التوحيد الإسلامية" ليشكلا "أنصار الإسلام"، فالتنظيمات الإسلامية العاملة في الساحة الكردية اليوم هي:

1- الحركة الإسلامية في كردستان العراق بقيادة علي عبد العزيز.
2- الجماعة الإسلامية في كردستان العراق بقيادة علي بابير.
3- أنصار الإسلام بقيادة فاتح كريكار بالخارج وأبو عبد الله الشافعي بكردستان.
4- الاتحاد الإسلامي الكردستاني بقيادة صلاح الدين محمد بهاء الدين.


استفاد الاتحاد الوطني الكردستاني من آلة الحرب الأميركية في تفتيت كيان أنصار الإسلام، واستغل الورقة الأميركية في إجلاء مقاتلي الجماعة الإسلامية من منطقة خورمال التي كانت تحول بينه وبين مقاتلي أنصار الإسلام
مرحلة جديدة
بدأ الحديث بقوة عن مستقبل الحركات الإسلامية مع دخول القوات الأميركية الأراضي الكردية العراقية، في إطار استعدادها للحرب على بغداد، حيث وجدت في هذه الأراضي ملاذا آمنا، وإن لم تكن جبهة حقيقية أثناء الحرب.

إلا أن الحضور الأميركي المكثف في منطقة تنشط فيها جماعات إسلامية مسلحة تعتبر الولايات المتحدة عدوا مباشرا لها، كان من الطبيعي أن يثير تساؤلا عن موقف هذه الجماعات من الوجود الأميركي، وموقف الطرف الآخر منها.

وجاءت الإجابة سريعة عن هذا التساؤل من الطرف الأميركي وتدشين وجوده في كردستان العراق بقصف مقر الجماعة الإسلامية في منطقة خورمال ومقتل العشرات من كوادر الجماعة، وإمطار معقل أنصار الإسلام في منطقتي بيارة وطويلة بالقرب من الحدود الإيرانية بمختلف أنواع الأسلحة فأصابتها إصابات بالغة.

هذا على صعيد الجماعات الإسلامية المسلحة، لكن بالمقابل فإن قائد القوات الأميركية شمال العراق زار مقر الاتحاد الإسلامي الكردستاني في أربيل والتقى أمينه العام صلاح الدين بهاء الدين، وربما خرج الزائر الأميركي بانطباع إيجابي عن الاتحاد وسياساته السلمية، فتجلى ذلك واضحا في مشاركة الاتحاد في مجلس الحكم الانتقالي في بغداد ممثلا بأمينه العام.

الاتحاد الوطني الكردستاني، الحزب الأقوى والمسيطر بشكل شبه كامل على محافظة السليمانية والحليف الأقوى للولايات المتحدة في كردستان العراق، قطف ثمارا ناضجة من الحرب الأميركية على النظام العراقي.

فقد استفاد من آلة الحرب الأميركية المتقدمة في تفتيت كيان أنصار الإسلام، وتشريد مقاتليه بين إيران وقرى كردستان، واستغل الورقة الأميركية في إجلاء مقاتلي الجماعة الإسلامية من منطقة خورمال التي كانت تحول بينه وبين مقاتلي أنصار الإسلام إلى منطقة أخرى مما أفقدها عمقا إستراتيجيا مهما، فضرب عصفورين بحجر واحد كما يقال، وعزز بذلك نفوذه في معقل التيار الإسلامي في ناحية حلبجة وما حولها.

بعد انتهاء الحرب وسقوط نظام الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين، لم يعد من مبرر لاحتفاظ الأحزاب الكردية بأسلحتها التي كانت تحتاجها في قتالها للنظام السابق، فقررت القوات الأميركية تجريد هذه الأحزاب من أسلحتها الثقيلة، وإعادة تنظيم ونشر المليشيات المسلحة للحزبين الكبيرين (البشمرغة) على قوات حرس الحدود والشرطة والجيش العراقي الجديد.

وهذا من شأنه أن يضعف سيطرة الاتحاد الوطني على الأرض والإنسان في هذه المنطقة، فكان لا بد من تفجير المخاوف من مصدر خطر يتهدد الأمن والاستقرار في كردستان، وزرع القلق والخوف لدى القوات الأميركية الموجودة بشكل رمزي جدا في كردستان، والمشغولة بضربات المقاومة وسط العراق، ولا تمهلها المقاومة العراقية لإرسال قوات حفظ الأمن في الشمال.

وأفضل من يمكن أن يمثل هذا الخطر في نظر الأميركيين هو التيار الإسلامي، فكانت حملة الاعتقالات الكبيرة التي طالت مختلف الجماعات الإسلامية وإن كانت تركزت على كوادر الجماعة الإسلامية، فهذا العدد الكبير من المعتقلين الذين يهددون استقرار وأمن المجتمع يلزمه الاحتفاظ بقوات (البشمرغة) وإعفاؤها أو منحها مزيدا من الوقت لتسليم أسلحتها وإعادة تنظيمها.

فقد أصبح مصطلح ودور (البشمرغة) أحد مكونات الحياة الكردية التي يُعتز بها في الوعي الكردي، وليس من السهل شطبها من الواقع.


الواقع الجديد سيجبر الجماعات الإسلامية الكردية على تحول المسلح منها إلى سياسي، أما السياسي فإن أمامه فرصا أفضل للنشاط والانطلاق في ظل وضع مستقر يخضع لمعايير العمل السياسي والمنافسة الشريفة
الخيارات المتاحة
وإذا وجد مثل الاتحاد الوطني الكردستاني ما يبرر به الحاجة لاحتفاظه بأسلحته، واعتمادا على العلاقة القوية التي تربطه بالقوات الأميركية، فإن الجماعات الإسلامية المسلحة بالتأكيد لن تفكر في مثل هذا المنحى، وستقف أمام أحد خيارين لا ثالث لهما، إما التجرد من السلاح أو استخدامه للاستمرار في حمله.

أما أنصار الإسلام، فإن سياق مسارها ونمطها الفكري لا يوحي بإمكانية تسليم أسلحتها بأي حال، إذ يقوم بناؤها الوجداني والفكري على فكرة الاستشهاد أولا والإعذار إلى الله بأداء ما يُعتقد بأنه واجب شرعي، قبل السعي لتحقيق أهداف ما مثل إقامة دولة إسلامية أو غيرها.

فإمكانيات المجموعة وظروفها وساحة عملها لا تشجع كثيرا على تحقيق مثل هذه الأهداف الكبيرة، وقد لا تنتهي مجموعة أنصار الإسلام بشكل نهائي لمجرد شن حرب عليها، فمثل هذه الأفكار يصعب إبادتها، ولكنها قد تتحول حسب تقديرات بعض المراقبين إلى مجموعات صغيرة مبعثرة وغير فاعلة، لكنها قد تبقى مزعجة لبعض الأطراف المعادية.

أما الجماعة الإسلامية، فإنها قامت بالفعل بتسليم أسلحتها للقوات الأميركية، وتدرس حاليا فكرة تحولها إلى حزب سياسي، لا يتعاطى العمل العسكري، لكن يعوق التعجيل بذلك أمران:

أولهما وجود تيار قوي يقوده (دلشاد) يدعو للتمسك بمنطلقات الجماعة وموقفها الفكري من الجهاد خصوصا ضد القوات الأميركية، وهذه مسألة ربما تشكل حرجا لقيادة الجماعة التي لطالما دعت لجهاد الأميركيين، ولكنها تدرك اليوم أن الواقع لا يسمح لها بالعمل على ذلك، بسبب هيمنة القوة الأميركية على الأرض العراقية برمتها، وهي بالتالي مجبرة على تجاوز قناعاتها الفكرية للتعاطي مع الواقع بعقلانية.

ثانيهما هو استمرار اعتقال علي بابير أمير الجماعة لدى القوات الأميركية، وهو الذي يقود تيار الحوار الهادئ مع الأميركيين والتعامل بواقعية مع ظروف العراق الجديدة، للحيلولة دون الانتحار.

واستمرار اعتقال بابير سيعزز موقف التيار الرافض للتحول السياسي، وبالمقابل من شأن التعجيل بالإفراج عنه أن يدفع الجماعة لتبني الخط السياسي، ووضع السلاح جانبا، للتفاعل مع الحالة الجديدة.

أما الحركة الإسلامية فإنها، على ما يبدو باتت خارج حسابات القوى المتصارعة، فهي تعاني من حالة انعدام الوزن السياسي أو العسكري، وبالتالي فهي لن تقاوم ما تفرضه القوى المسيطرة على الساحة من أجل تسليم السلاح والتحول إلى حزب سياسي.

الاتحاد الإسلامي الكردستاني، وهو الحزب الذي لم يتسلح قط، ربما يكون من أكثر المستفيدين من الحالة الراهنة، فالتطورات الأخيرة وحالة التحول إلى العمل السياسي وعدم جدوى حمل السلاح كما أثبت الواقع، ستعطي مصداقية عالية للخط الذي تمسك به من البداية، وربما يجني مكاسب أكبر مستقبلا، في حال تجريد كافة الأحزاب الكردية من السلاح، بما فيها الاتحاد الوطني الكردستاني.

فقوة الاتحاد الوطني العسكرية كانت تفرض شروطا غير منصفة للعبة السياسية في الساحة، فالاتحاد يكاد يحتكر السلطة في منطقته، وعندما تتحول المنافسة إلى منافسة سياسية عادلة، القول الأخير فيها لصناديق الاقتراع.

فمن المتوقع أن ترتفع مكاسب الاتحاد الإسلامي أكبر مما هي عليه الآن حسبما يرى الأستاذ "فريد اسه سرد" مدير مركز الدراسات والبحوث الإستراتيجية في السليمانية، إلا أنه يعتقد أن الاتحاد الإسلامي بنى مكتسباته الشعبية على حساب فشل حكومتي السليمانية وأربيل في توفير مستوى معيشة جيد للمواطن الكردي، بسبب الظروف غير الطبيعية التي كانت تعمل فيها على مدى 12 عاما.

وفي حال استقر نظام الحكم في العراق وتمكنت الحكومة من تلبية احتياجات المواطن، فإن الاتحاد الإسلامي سيفقد جزءا لا بأس به من أوراق اللعب التي تساعده على التغلغل في المجتمع من خلال الأنشطة الاجتماعية والإغاثية.

وفي تقدير فريد أن الحالة الحزبية بعمومها ستتغير في كردستان، بعد استقرار الحياة وسيرها بشكل طبيعي، فالأحزاب والحركات كانت تشكل موردا معيشيا لعدد غير قليل من الناس، سواء داخل أطر الحزب أو مؤسساته، أو داخل مؤسسات الدولة. وفي حال حصول المواطن على مصدر دخل معقول من عمل مستقر في مؤسسات الدولة، سيتيح ذلك للمواطن التفكير في مسألة الانتماء الحزبي كأحد الخيارات وليس خيارا وحيدا مجبرا عليه تحت ضغط الواقع، وهذا سيهز حتما الحالة الحزبية بعمومها.

وفيما يخص الجماعات الإسلامية الكردية، فإن الواقع الجديد سيجبرها على تحول المسلح منها إلى سياسي، أو البقاء على شكل مجموعات صغيرة غير فاعلة وتعمل تحت الأرض، أما السياسي منها فإن أمامه فرصا أفضل للنشاط والانطلاق في ظل وضع مستقر يخضع لمعايير العمل السياسي والمنافسة الشريفة.
ــــــــــــــــــ
* كاتب أردني

المصدر : الجزيرة