بقلم/ نبيل الفولي

من السهل أن نفسر حوادث الاغتيال الصهيوني المتكررة لقيادات حركة المقاومة الإسلامية (حماس) على أنها شيء طبيعي ومتوقع، لأنها تصدر عن دولة ألفت هذه السياسة حتى قبل أن تولد، لكن على الرغم من أن هذا يفسر جانبا مهما من السلوك الصهيوني، وهو استمرار التعامل مع الخصم -والصديق أحيانا- بمنطق "رئيس العصابة" بالمعنى الدارج لها، لا بمنطق "رجل الدولة"- على الرغم من هذا، فإن الوجه الأهم للحقيقة لا يتضح من خلال هذا الرؤية، حيث لا توفر مسوغا نفهم من خلاله التركيز الصهيوني على استهداف كل قيادات حماس، من كان منهم رمزا سياسيا، ومن كان قائدا عسكريا، حيث إن اغتيال السياسيين يزيد النقمة على إسرائيل، ويزيد من تعاطف الشعب الفلسطيني والعربي مع الحركة المجاهدة.


فهم الشيخ ياسين ورفاقه المؤسسون أصل الإشكالية الفلسطينية، وهي استبعاد الشعب الفلسطيني من المعادلة الفلسطينية ذاتها، بحيث يصبح هذا الشعب منفعلا منتظرا للحل من الخارج لا فاعلا يؤثر في التوازنات بشكل حقيقي
كذلك توحد هذه الرؤية بشكل غير دقيق بين اختيارات اليمين واليسار الإسرائيليين في مواجهة المقاومة الفلسطينية، ومع اتحاد الهدف من سياسة الحكومات الإسرائيلية المتتابعة مهما تكن -وهو تحقيق الأمن للدولة والمواطن الإسرائيلي- إلا أن هناك فروقا نوعية بينهما في السياسة المختارة، ولا خلاف على أن اليمين لا يضع حدا نهائيا لكم العنف الذي يمكن أن يستخدمه وصولا إلى هدفه.

ومنذ أعلن عن خطة رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون "لفك الارتباط" مع قطاع غزة، كرر بعض المسؤولين الإسرائيليين أنهم لن يسمحوا "للإرهابيين" بأن يعدوا الانسحاب من غزة نصرا لهم يشبه ما حدث في جنوب لبنان، أكدوا على ذلك المعنى مرارا، خاصة بعد حوادث الاغتيال الأخيرة، ويمكن أن نلاحظ أن أبرز من ردد فكرة أن انسحاب إسرائيل من غزة هو هزيمة وفرار أمام المقاومة هما الشهيدان الشيخ أحمد ياسين والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، فهل يقف "فك الارتباط" المزمع وراء اغتيالهما؟

حتى هذه الرؤية لا تقدم سببا شاملا يفسر موجة الاغتيال التي تستهدف بها إسرائيل رؤوس حماس البارزة، ليس فقط لأن خطة فك الارتباط هذه حديثة عهد، لم تقتل الصواريخ الإسرائيلية بعدها من الشخصيات الفلسطينية البارزة سوى شيخي حماس الراحلين، بل أيضا لأن فهم اغتيالهما بمعزل عن اغتيال أو محاولات اغتيال من سبقهم من قادة حماس، يجزئ القضية، ويقطع أوصالها في غير صالح الفهم السليم لأبعادها.

إن خطة فك الارتباط قد تقدم تفسيرا لتسريع وتيرة الاغتيالات الإسرائيلية أخيرا، والبلوغ بها إلى الذروة، ولكن "فك الارتباط" نفسه يمكن أن يمثل الوجه الآخر للاغتيالات مفسرين معا في ضوء شيء آخر سيأتي في ما بعد، والفرق بينهما هو كالفرق بين الوجه الناعم والوجه الخشن لشيء واحد.

إذن، لعل الدعم الأميركي لإسرائيل يقف وراء هذه العمليات من بدايتها، فتصريحات الرئيس الأميركي جورج بوش السابقة على اغتيال الشيخ ياسين والتالية لها -مثلا- وكذلك زيارة شارون لواشنطن قبيل اغتيال الرنتيسي، وتصريحات الأميركيين عقب عملية الاغتيال بأن من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها ضد "الإرهاب"، هذا كله ربما فسر موجة الاغتيال القاسية ضد القادة الفلسطينيين من حماس.

لكن الحقيقة هي أن الدور الأميركي في هذا الجانب لا يعدو تقديم الحماية والتغطية السياسية والعسكرية للاختيارات الإسرائيلية، فالقاعدة هي أن واشنطن لا تقدم لإسرائيل مقترحات، ولكنها تمنحها ما أسماه القرآن "بالحبل" في قوله تعالى (... ولو آمن أهل الكتاب لكان خيرًا لهم منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون. لن يضروكم إلا أذى وإن يقاتلوكم يولوكم الأدبار ثم لا يُنصَرون. ضُربت عليهم الذلة أين ما ثُقفوا إلا بحبل من الله وحبل من الناس...)، هذا "الحبل" الذي يجعل الفعل الإسرائيلي دائما مدعوما بعنصر من خارج، دون أن يشترط ذلك كون الفعل المقتَرح نفسه قادما من هذا الخارج.

إذن، لنبحث عن سبب آخر أشمل يفسر لنا موجة الاغتيال الإسرائيلي لقادة حماس، ويضع هذه الموجة في سياقها الصحيح مما يجري في الشارع الفلسطيني خاصة، وحسب الظرف الدولي عموما.

دعنا منذ البدء نتفق على أن إسرائيل تتحسس مصيرها منذ الثمانينيات بشكل آخر وسط التصاعد السريع للقوة الفلسطينية الداخلية المقاومة لمشروعها، فلأول مرة -مع اشتداد الانتفاضة- تشعر إسرائيل منذ قيامها بأن الداخل الفلسطيني يهدد وجودها ذاته، ولا تقدم الدولة العبرية على عملية بحجم اغتيال أحمد ياسين والرنتيسي ولا حتى قيادات حماس من الدرجة التالية إلا وفي حسابها بعد إستراتيجي خطير.

فماذا فعلت حماس حتى تجابه بهذا الكم الهائل من الدماء المسفوحة، مع وعد إسرائيلي في كل مرة بمواصلة هذه السياسة؟!

إن الجواب يكمن في دور الحركة وطبيعتها والتحول العميق الذي حدث مع ظهورها في ساحة العمل التحريري الفلسطيني، مع ملاءمة الظرف الدولي في "الزمن الأميركي" لأي إجراء إسرائيلي، وهذا الأمر الأخير واضح، وأما دور الحركة فلا يمكن أن نختصره في تبني حماس نهجا يوصف بالراديكالية، ويستهدف إزالة دولة إسرائيل من الوجود، فنفس هذا التوجه تبنته جميع الفصائل الثورية الفلسطينية تقريبا -وإن كان البعض قد تراجع عنه في مرحلة من مراحل تاريخه التالي- ومعنى هذا هو أن السر يكمن في التناغم بين الجانبين النظري والعملي من رؤية حماس التحريرية.


ما فعله الشيخ أحمد ياسين وحركته هو إعادة الشعب الفلسطيني إلى واجهة المشهد من جديد ليزاول الشعب الفعل بنفسه بعد أن حرم من هذا الدور قرابة نصف قرن في أعقاب الثورة الكبرى
(1936-1939)
لقد فهم الشيخ ياسين ورفاقه المؤسسون أصل الإشكالية الفلسطينية، وهي استبعاد الشعب الفلسطيني من المعادلة الفلسطينية ذاتها، بحيث يصبح هذا الشعب منفعلا منتظرا للحل من خارج، لا فاعلا يؤثر في التوازنات بشكل حقيقي، وآمن ياسين أن هذا هو السبب في تعقد قضية فلسطين، واستطالة زمن الاحتلال، وقد عبر عن هذا بوضوح في قوله عن حرب 1948 "لو الأمة العربية اعتمدت.. بدعم الشعب الفلسطيني وتسليح الشعب الفلسطيني، كان غير وجه المعركة تماما، لأنه هو أدرى ببلده.. فإحنا قبل الجيوش العربية كنا نتقدم على اليهود، وننتصر في معارك، ويهزموننا في معارك، نأخذ منهم ويأخذون منا، لكن عندما جاءت الجيوش العربية خلاص فقدنا السلاح، فقدنا القوة، وصرنا معتمدين على هذه الجيوش، فإذا انسحبت كنا مهددين بالخطر ولا بد أن ننسحب معها (الجزيرة -شاهد على العصر- ج1).

ما فعله الشيخ أحمد ياسين وحركته هو إعادة الشعب الفلسطيني إلى واجهة المشهد من جديد، ليزاول الشعب الفعل بنفسه، بعد أن حرم من هذا الدور قرابة نصف قرن في أعقاب الثورة الكبرى 1936-1939.

لقد بدا في هذه الثورة أن الشعب الفلسطيني يمتلك طاقة جهادية هائلة، قام بها في وجه بريطانيا، أكبر قوة استعمارية في العالم حينئذ، وحارب في نفس الوقت امتداد المشروع الصهيوني سرطانيا، فقاتل ببسالة، وأضرب بثبات في أطول إضراب سجله التاريخ لشعب من الشعوب (178 يوما)، وفاوض الزعماء الفلسطينيون عن شعبهم باحتراف.

كان الشعب حينئذ مسلحا، والجبهات مع إخوانه في الدول القريبة مفتوحة لتقديم العون، فكانت للشارع الفلسطيني والقرية الفلسطينية قدرة عالية على الفعل والتأثير.

وقد بلغ من أهمية هذه الثورة أن بعض التحليلات ذهبت إلى أن قوة الأداء الثوري فيها كانت كفيلة بتحرير فلسطين من الاستعمار البريطاني، حيث "نجح الثوار في السيطرة على الريف الفلسطيني وقراه، وتمكنوا من احتلال عدد من المدن لفترات محدودة، وانهارت السلطة المدنية البريطانية"، إلا أن وجود العامل اليهودي في المسألة والسعي الصهيوني إلى إقامة كيان في فلسطين يلم الشتات اليهودي من العالم، هو الذي سار بدفة الأمور في اتجاه آخر (د. محسن محمد صالح.. القضية الفلسطينية خلفياتها وتطوراتها حتى سنة 2001).

وقد وصف المناضل الفلسطيني الراحل أحمد الشقيري -أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية- بعض أحداث تلك الأيام كأحد شهودها بقوله "استقدمت الحكومة البريطانية قوات إضافية لإخماد الثورة، حتى بلغت 50 ألف جندي بكامل أسلحتهم، ومنها أسراب الطائرات، وعينت على رأس هذه القوات الجنرال "ديل" مدير العمليات والاستخبارات في وزارة الحربية البريطانية.

وفشلت القوات البريطانية في إخماد الثورة، وأنزل المجاهدون العرب خسائر جسيمة في العدو، في الأرواح وفي السلاح، وسقط الشهداء بالعشرات والمئات من أبناء الأمة العربية إلى جانب رفاقهم في الجهاد والاستشهاد من أبناء فلسطين، وازداد الموقف خطورة حين أقدم المجاهدون العرب على ضرب أنابيب البترول وإشعالها بالنار.

في جنين استطاع نفر من المجاهدين أن يقتحموا سراي الحكومة، ويقتلوا المستر موفات الحاكم البريطاني، وهو وسط حراسة شديدة ثقيلة، وعاد "القاتل" سالما غانما.

في بئر السبع اقتحم الثوار دور الحكومة، وأشعلوا النار فيها، وهاجموا السجن، وأطلقوا سراح السجناء، وتوالت هجمات الثوار في طول البلاد وعرضها، وانتشرت محاكم الثورة في كل مكان، وتعززت القوات البريطانية، وحل الجنرال هايننغ محل الجنرال ويفل، وأنشأت قوات الجيش البريطاني سورا من الأسلاك الشائكة المكهربة يمتد على حدود البلاد من الشمال والشرق، لقطع المدد عن الثورة (أحمد الشقيري.. أربعون عاما في الحياة العربية والدولية).


الشيخ ياسين في معركته مع دولة إسرائيل منتصر في كل الأحوال، قتلوه وهو يريد الموت، وقتلهم وهم يريدون الحياة، وترك من خلفه رجالا مثله يتمنون أمنيته ويتبنون مشروعه
لقد بدا أن الشيخ أحمد ياسين وحركته يمثلون طلائع ثورية حقيقية، تعي التاريخ وتفهم بعمق الأطراف المؤثرة في الحالة الفلسطينية، ولا ننسى أن إسرائيل في بنيانها وهيكلتها -لا في طبيعتها- دولة عصرية، تولي الدراسات الأكاديمية أهمية كبرى، ولدى الدولة العبرية قرون استشعار قوية، ومادة الحس التي تستمد منها هذه القرون قوتها هي هذه الدراسات التي تهتم بالتجربة الصليبية في المنطقة اهتماما قويا، وتراقب أسباب صعود القوى المقاومة للاحتلال وأسباب هبوطها، ولذلك فهي (إسرائيل) تلجأ إلى القوة المفرطة مع القيادات الفلسطينية لإخلاء الساحة من آباء الثورة المنتظرة، إذ المعزوفة الثورية لا بد لها من قيادة خبيرة عاقلة تضبط مسارها وتحافظ على طاقتها وتوجهها الوجهة الصحيحة.

وأخيرا، فإن الشيخ أحمد ياسين في معركته مع دولة إسرائيل منتصر في كل الأحوال، قتلوه وهو يريد الموت، وقتلهم وهم يريدون الحياة، وترك من خلفه رجالا مثله يتمنون أمنيته، والأهم من ذلك لنا هو أنهم يتبنون مشروعه التحريري، حتى بقسماته وملامحه الدقيقة. وقد يقول المستقبل القريب أو البعيد إن ياسين بمشروعه هذا هو الذي قتل دولة إسرائيل!

أما إسرائيل الآن فتود لو أغلقت على نفسها حدودا تستطيع قوتها الحالية حمايتها فيها من الفلسطينيين، فالكتاب المقدس قد ربى للكثيرين من الإسرائيليين نوعا من الرعب الدفين من هؤلاء الفلسطينيين "العماليق"، وأشار عليهم بأن جدارا يحيط بهم قد يكفل لهم الأمان، ففي حزقيال نقرأ هذا التقريع لهم "وَلَمْ تُشَيِّدُوا جِدَاراً حَوْلَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ لِتَصْمُدُوا..." (كتَاب حزقِيال 13: 5).
ــــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة