بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- خطاب هرتسيليا
- دواعي إعلان هرتسيليا

- رؤية شارون
- الجدار يكشف النوايا
- خداع إزالة المستوطنات
- الأفق

عندما تولى أرييل شارون رئاسة الوزراء في إسرائيل كان هاجسه على كل الأصعدة تحقيق ثلاثة أهداف:

  1. على الأرض، سعى شارون إلى تثبيت مكونات الاحتلال والاستيطان في العمق الفلسطيني وتأكيد حالة الفصل السياسي بشكل أمني يمنع قيام استقلالية فلسطينية سياسية ويفرض الحل الإسرائيلي من طرف واحد، بما يؤمن شروط التسوية المريحة لإسرائيل ويبقي الفلسطينيين تحت الرحمة الإسرائيلية.
  2. في المنطقة، تأكيد الهيمنة الإسرائيلية كجزء مكمل إستراتيجيا أو مستقل تكتيكيا عن الهيمنة الأميركية.
  3. في السياسات، الحفاظ على ائتلافه وحكمه ولفت انتباه الشعب الإسرائيلي عن أزماته الاقتصادية والوجودية، بإعلاء حالة الاتحاد الأمني في تصعيد المواجهة مع الفلسطينيين بدل السعي لأي حلول ولو كانت هامشية، واضعا اشتراطات سياسية وأمنية مستحيلة القبول.


خطاب هرتسيليا جمع بين الغموض في بعض أجزائه والوضوح في بعضها الآخر، بما يمكن تفسيره على نحو دبلوماسي لدى المجتمع الدولي وابتزازي لدى الفلسطينيين وتكتيكي يرضي كل مكونات المجتمع الإسرائيلي

خطاب هرتسيليا
خطاب شارون في مؤتمر(هرتسيليا) الشهير لم يأت بجديد يشذ عن تلك الأهداف، وقد جمع بين الغموض في بعض أجزائه والوضوح في بعضها الآخر، بما يمكن من تفسيره على نحو دبلوماسي لدى المجتمع الدولي، وعلى نحو ابتزازي لدى الفلسطينيين، وعلى نحو تكتيكي يرضي كل مكونات المجتمع الإسرائيلي بقواه الأمنية والحزبية والنخبوية، وكانت رسائل شارون كالتالي:

  1. للأميركان والمجتمع الدولي: أنه مع خريطة الطريق وإعادة تموضع أو ترتيب البؤر الاستيطانية غير القانونية.
  2. للسلطة الفلسطينية: إما أن ترضوا بما أراه من حلول سياسية يمكن تحسينها وبقاؤكم كسلطة، أو سأفرض الحل الأحادي الأمني بما يبقيكم ممزقين سياديا وسلطويا واقتصاديا.
  3. للمجتمع الإسرائيلي المأزوم سياسيا ووجوديا واقتصاديا: حاول أن يعدل صورته السياسية الغامضة تجاه الحلول السياسية إلى صورة من يملك الحل التفصيلي، فمن جهة يوهم المستمع المأزوم بأنه يريد الانسحاب الأحادي لحل مشاكله، ومن جهة يوهم مستمعه اليميني ورصيده الانتخابي بأنه ماض في الفصل الأحادي بما يلبي الشروط الأمنية ويحافظ على الهوية اليهودية.

دواعي إعلان هرتسيليا
في غمرة تعارضات الصورة أو الرسالة الملتقطة من خطاب هرتسيليا علينا أن نحدد ما يريده شارون. في غمرة التفسير المتسرع وكأن "شارون" انفصل عن "شارون" القديم أو أنه بدواعي أزمات المجتمع الإسرائيلي يريد التخلي عن حلمه اليهودي أو أرض إسرائيل الكبرى.

وبرأينا، شارون لم ينفصل عن شارون القديم وهو لايزال يؤمن بالاستيطان ولم يتخل عن حلمه الصهيوني، وخطابه في هرتسيليا محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من مشروعه بأفضل لغة دبلوماسية وأقل تنازلات ممكنة، وبما يمكن من بقائه سياسيا أطول زمن في ظل عدة تطورات هامة يمكن رصدها كالتالي:

  1. تصاعد أحاديث انعدام الأفق السياسي والأمني لحكومته على وقع الصمود الفلسطيني وبقاء وتيرة المقاومة، وترجمة ذلك بجدل سياسي حتى داخل اليمين الصهيوني، والأهم الجدل العاصف داخل المؤسسة الأمنية.
  2. قطع الطريق على محاولات بعض اليساريين الإسرائيليين إعطاء الفلسطينيين أثمانا يراها شارون إشكالا تكتيكيا يحرجه ويؤخر مضيه في مشروع الجدار الفاصل الهاجس الأكبر لشارون، الذي هو أهم بنظره مما حصلت عليه إسرائيل في وثيقة جنيف من تنازلات جديدة من الفلسطينيين في قضية اللاجئين.
  3. تراكم خطير لأزمة إسرائيلية مستعجلة هي الأزمة الاقتصادية، وأزمة آتية هي الأزمة الديمغرافية.
  4. تزايد تأكد تهم الفساد ضد شارون وابنيه في ما أطلق عليه "قضية الجزيرة اليونانية" التي تثبت تلقي شارون تمويلا خارجيا وغير مشروع لحملته الانتخابية السابقة.


خطوات شارون الأحادية ما هي إلا كلمات فارغة، لأنه ماض في هذه الخطوات بشكل فعلي منذ أكثر من سنة ونصف بما يؤكد رؤيته الأيدولوجية ويستبق الإشكالات الديمغرافية والاقتصادية والأمنية

رؤية شارون
شارون البارع في التكتيك تعود كجندي على الالتفاف والسيطرة على الأحداث قبل أن تدهمه وتسحقه، وخطابه في هرتسيليا رغم أنه تعبير عن أزمة عميقة تعايشها حكومته ومجتمعه نتاج مفرزات الانتفاضة الفلسطينية، إلا أن علينا ألا نتسرع في القول بأن شارون تخلى عن شارون القديم أو أن الحلم الصهيوني الذي يعشعش في مخيلته قد تنازل عنه بهذه البساطة.

فشارون كان يعارض الجدار الفاصل على سبيل المثال، خوفا من تهمة (تحديد الحدود السياسية لإسرائيل)، ولكن شارون استغل التواطؤ الأميركي والتأييد الشعبي الإسرائيلي والسكوت الفلسطيني الرسمي، لتحويل الجدار من مسار على طول تخوم المدن الإسرائيلية إلى جدار في عمق الأراضي والقرى الفلسطينية، وبما يؤدي في النهاية إلى تأكيد رؤيته السياسية التي أعلن عنها في برنامجه الانتخابي منذ اليوم الأول بإعطاء الفلسطينيين "دويلة" على حوالي 45% من أراضي الضفة الغربية.

وبرأينا فإن الخطوات الأحادية التي أعلن عنها شارون في هرتسيليا بالكثير من التزويق والتزيين السياسي وعبارات التأييد لتسوية خريطة الطريق ما هي إلا كلمات فارغة لأن شارون ماض في هذه الخطوات بشكل فعلي ومنذ أكثر من سنة ونصف، وبما يؤكد رؤيته السياسية والأيديولوجية ويستبق الإشكالات الديمغرافية والاقتصادية والأمنية، وتقوم رؤية شارون على عدة محاور أهمها:

  1. بقاء قطاع بعرض 16-20 كم في غور الأردن من النهر وحتى شارع ألون تحت السيطرة الإسرائيلية.
  2. بقاء قطاع بعرض حوالي 10 كم من صحراء يهودا (الطريق الذي يربط القدس بأريحا عبر نهر الأردن).
  3. بقاء قطاع أضيق على طول الخط الأخضر من الغرب بطول ما بين عدة مئات من الأمتار وحتى 7.5 كم.

وبالشكل التفصيلي فإن خطة شارون سينتج عنها:

  • إقامة أربع كتل فلسطينية في الضفة الغربية مشتتة شمالا ووسطا وجنوبا.
  • ترتبط هذه الكتل بممرات ضيقة تبقى تحت الرحمة الأمنية الإسرائيلية مع بعضها ومع غزة، وباستثناء القدس ومحيطها كما يتضح باعتبارها جزءا لا يتجزأ من الدولة اليهودية.
  • بقاء مناطق واسعة من قطاع (ج) في يد إسرائيل لإبقاء ما يمكنها من مساومة الفلسطينيين لاحقا.
  • بقاء المستوطنات المعزولة في عمق الأراضي الفلسطينية بغرض المساومة أيضا.
  • تقليص العلاقة الاقتصادية ما بين إسرائيل والفلسطينيين إلى الحد الأدني، لدفعهم للبحث عن حلول أخرى في الرزق والعلاقة من خلال الهجرة إلى دول الجوار.

الجدار يكشف النوايا
يؤكد استمرار البناء في الجدار الفاصل وقرار التسريع في بنائه مؤخرا أن خطاب شارون لم يكن إلا عملا دعائيا لكسب الوقت، كون الجدار ومساره يجري بناؤه منذ سنتين، وإذا ما تم الجدار حسب ما هو مخطط ويتمنى شارون فسيؤدي ذلك إلى عدة حقائق:

  1. شمول حوالي 53 ألف مستوطن يعيشون في 14 مستوطنة في غربي الجدار، أي ستكون مضمونة عمليا لإسرائيل.
  2. ستقع 19 بلدة وقرية فلسطينية غربي هذا الجدار (جدار العمق)، ويبلغ عدد سكانها أكثر من 100 ألف نسمة، وبذلك ستصبح أكثر من 150 قرية وبلدة وتجمع سكاني يقطنها حوالي 697 ألف نسمة معزولة غربي الجدران العازلة (الغربي وجدار العمق)، بينما ستصبح 36 قرية واقعة شرقي هذين الجدارين في الوقت الذي تعزل فيه أراضيها غربي الجدارين وتعداد سكان هذه التجمعات 72 ألف نسمة.
  3. تصل المساحة المستهدفة بجداري العزل (الغربي وجدار العمق) إلى ما يربو على 1248 كم2، أي ما يعادل 21.3% من المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
  4. أما مساحة العزل الشرقي على طول الأغوار فتبلغ حوالي 1242 كلم2، أي ما نسبته 21.2% من مساحة الضفة الغربية، وتضم 20 تجمعا سكانيا فلسطينيا يعيش فيها حوالي 17 ألف نسمة، إضافة إلى 41 مستوطنة وبؤرة استيطانية يعيش فيها حوالي 8000 مستوطن.
  5. وهذا يعني عمليا ضم ما نسبته 42% من مساحة الضفة الغربية وحوالي 2490 كم2، وفصل 714 ألف فلسطيني و170 تجمعا فلسطينيا عن ترابطهم السكاني المدني، وتأكيد وجود 96 مستوطنة في عمق وبجانب الضفة الغربية.


ما تغير في تكتيكات شارون هو حديثه عن تبديل بعض مواقع المستوطنات غير القانونية التي تصب في مصلحة إسرائيل الإستراتيجية وتحديدا الأمنية وليس العكس

خدع إزالة المستوطنات
ما تغير في تكتيكات شارون هو حديثه عن تبديل بعض مواقع المستوطنات التي يطلق عليها زورا "غير القانونية"، ولكن علينا ألا نقع في الخداع الذي يحاول أن يسوقه بهذا الشأن لسببين:

الأول: أن البؤر الاستيطانية التي أخليت في حقبة شارون الأولى على يد ( بنيامين بن أليعازر) وزير الدفاع العمالي في حكومة الوحدة أعيد افتتاحها في حقبة شارون الثانية بل وبزيادة خمسة مواقع وعاد العدد ليرتفع من 101 إلى 110.

الثاني: أن مجمل البؤر غير القانونية التي وصل تعدادها إلى 110 أقيم أكثر من 60 منها أي أكثر من نصفها في عهد شارون، وبالتالي فإن إزالة بضع منها هو خداع كبير، وهو عملية وهمية ما أسهل التراجع عنها تحت وقع ضغوط المستوطنين واليمين الصهيوني.

الثالث: حتى لو أزال شارون عشرات المستوطنات "غير القانونية" في ضوء تصوره وفعله الأحادي النهائي والبعيد فإن ذلك سيصب في مصلحة إسرائيل الإستراتيجية وتحديدا الأمنية وليس العكس، وسيتفهم المستوطنون ذلك مع الوقت حينما يرون ما حققه لهم شارون على الأرض.

الأفق
خطاب شارون إنتاج جديد لإستراتيجية شارون القديمة التي أعلن عنها من أول يوم، وهو محاولة التفافية وتكتيكية على ما تحققه إستراتيجية المقاومة الفلسطينية، وسيكون من الخطيئة الفلسطينية الوقوع في مصيدتها التي توهم بإمكانية الحوار مع شارون لتحسين رؤيته أو التخفيف من آثارها، ولعل رفض شارون للتنازلات الفلسطينية الجديدة التي أتت عبر وثيقة جنيف مؤشر على تصميمه على رؤاه ورفض كل ما يشوش على إستراتجيته، وخطاب شارون يدعو الفلسطينيين إلى مزيد من التنازل بما يتوافق مع إستراتيجيته التي -كما تقدم- تعطي الفلسطينيين فتاتا مقطعا في ممرات مهترئة دون سيادة أو قوة أو لاجئين أو قدس، بما يوفق بين مشكلة بقائهم الدولية والواقعية ضمن منطق (أكثر سكان وأقل أرض)، وحلم شارون الصهيوني اليهودي في (دولة يهودية ديمقراطية مهيمنة في أبعد من النيل والفرات)، كل هذا يؤكد الاستنتاجات التالية:

  1. أنه لا تسوية مع شارون إلا بما يتوافق مع خطته أو يقترب منها.
  2. أن المراهنة على سقوط شارون بفعل تفكيك بعض البؤر الاستيطانية وقراءة خطابه وكأنه اصطدم مع اليمين الصهيوني قراءة خاطئة لشارون الأب الروحي للاستيطان واليميني حتى النخاع، وإن استخدم بعضا من تكتيكاته اللفظية ومناوراته السياسية.
  3. أن التأييد الأميركي لخطاب شارون والتصريح اللافت للمبعوث الأوروبي للشرق الأوسط مارك أوتييه الذي اعتبر الجدار الفاصل "قرارا سياديا إسرائيليا" لا يمكن فهمه إلا في إطار الضغط على الفلسطينيين ودفعهم للقبول لمجاراة شارون على أمل توريطه سياسيا، بينما ما سيحدث هو تورط الفلسطينيين وليس العكس، في ضوء أن الثمن لردع شارون وتدخل الأميركان والأوروبيين الفاعل هو حدوث حرب أهلية فلسطينية وحتى دون ثمن سياسي مضمون، ولعل نموذج الهدنة الذي تسعى مصر لتثبيته أكد أن المنطق المقبول لإسرائيل هو الهدنة المجانية فقط.
  4. في ضوء ما تقدم يبقى للفلسطينيين مقاومتهم، كونها السلاح المنطقي والوحيد الكفيل بتسريع نهاية شارون وحقبته السياسية، والتهادن معها لا يسهم إلا بإعطاء شارون المزيد من الوقت لاستمرار مشروعه المتسارع على الأرض، فإستراتيجية المقاومة وتصاعدها هي المنافس الحقيقي لإستراتيجية شارون بزيادة الجدل الصهيوني وتعميق الأزمات الداخلية التي يحاول شارون الالتفاف عليها في كسب المزيد من الوقت.
  5. ______________________________
    * كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف