بقلم/ محمد شريف بشير

- الدور المحوري للدولار
- لماذا ينخفض الدولار؟
- التأثير على أوروبا واليابان
- تأثير الدولار على سعر النفط
- الآثار السلبية لربط العملة الوطنية بالدولار

يتعرض الدولار الأميركي منذ مطلع العام 2002 لانخفاضات عديدة وصلت أدنى مستوياتها مقابل العملات الرئيسية للدول الصناعية في يوليو/ تموز من العام نفسه، في انخفاض هو الأول من نوعه منذ ست سنوات من سيطرته على أسواق العملات الأجنبية.

وللدولار أهمية كبيرة في التجارة العالمية إذ يمثل عملة أكبر اقتصادات العالم (الولايات المتحدة الأميركية). وتربط العديد من الدول عملاتها بالدولار أو بسلة عملات دول صناعية يمثل الدولار فيها وزناً نسبياً كبيراً.


الدور المحوري للدولار في الاقتصاد العالمي عزز من مكانته كعملة يساهم الارتباط بها في الحد من الضغوط التضخمية المستوردة
الدور المحوري للدولار
كما يقوم الدولار الأميركي بدور عملة الاحتياطي العالمي حيث تحتفظ البنوك المركزية في معظم دول العالم باحتياطيات كبيرة من الدولارات الأميركية لتلبية احتياجاتها من السلع والخدمات المستوردة، وبذلك يستولي الدولار على ثلثي احتياطيات النقد الأجنبي في العالم و80% من مبادلات سعر الصرف الأجنبي.

ونجد أن أكثر من 50% من صادرات العالم يتم دفع قيمتها بالدولار بما فيها البترول، إذ تسعر كافة دول منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك) نفطها بالدولار الأميركي. وفي الجملة يصل حجم التداول بالدولار حول العالم حوالي ثلاثة ترليونات، وبهذا ينعكس أي تذبذب واضطراب في سعر الدولار على أسعار هذه السلع والخدمات، كما يؤثر على تقييم العملات الأخرى مقابل الدولار.

إن الدولار كغيره من العملات الأجنبية الرئيسية مثل الين أو اليورو مدعوم باقتصادات قوية ذات إنتاجية عالية، وسيطرة على التجارة العالمية، ونفاذ إلى الأسواق الخارجية، وقدرة على زيادة الصادرات، ولاقتصاديات تلك الدول أيضاً شراكات تجارية في تكتلات اقتصادية كبيرة.

وفي هذا السياق يتضح أن الدور المحوري للدولار الأميركي في الاقتصاد العالمي من خلال السجل الممتد تاريخياً لانضباط السلطات النقدية في الولايات المتحدة في مكافحة التضخم، قد عزز من مكانة الدولار كعملة يساهم الارتباط بها في الحد من الضغوط التضخمية المستوردة.

إن قيمة عملة أي بلد تحددها بإيجاز جملة عوامل هي: المستوى العام للأسعار والاحتياطي النقدي وسعر الصرف ووضع البلد الاقتصادي والمالي. وبناء على ذلك نستطيع القول إن عملة ما تكون أقوى من عملة أخرى حين تستطيع العملة القوية شراء وحدات أكثر من العملة الأخرى، وهو ما يعرف في التعبير الاقتصادي بالقوة الشرائية.

وتعكس العملة في بعض جوانبها العلاقات التجارية والنقدية بين الدول، ولذلك يمكن أن نعرّف مناطق أو أقاليم على أساس وحدة النقد السائدة فيها مثل: منطقة الجنيه الإسترليني ممثلة في بريطانيا وبعض مستعمراتها السابقة في رابطة الكومنولث، ومنطقة الدولار وتضم أميركا وكندا وبعض دول أميركا الجنوبية، ومنطقة الين الياباني التي تشمل اليابان ودول جنوب شرق آسيا.

لماذا ينخفض الدولار؟
تشجع الإدارة الأميركية انخفاض الدولار من أجل زيادة الصادرات الأميركية وتقليل عجز الميزان التجاري، مما يعني تقليل المديونية الخارجية المتصاعدة للولايات المتحدة الأميركية. ويذكر أن تمويل العجز في الميزان التجاري الأميركي يتطلب 1.5 مليار دولار يومياً من الأموال الجديدة، وذلك في ظل العجز في الموازنة العامة الذي يتفاقم يومياً، ويتوقع أن يبلغ 400 مليار دولار في السنة المالية الحالية، و600 مليار دولار في السنة المالية المنتهية في عام 2004 ( أي 5.3% من الناتج المحلي الإجمالي).

ومن وجهة النظر الأميركية فإن انخفاض الدولار يجب أن يكون جزءا أساسياً من عملية تصحيح الحساب الجاري، لأن الانخفاض في الدولار يتسبب في عدد من التطورات الكلية في الاقتصاد الأميركي، مثل ارتفاع معدلات أسعار الفائدة، وإبطاء نمو الطلب الداخلي، وتعديل ادخار القطاع الخاص، إلى جانب تحولات في الطلب الكلي في أميركا والتي تؤثر بدورها على الاقتصاد العالمي.

وعلى هذا الأساس فإن ظاهرة انخفاض الدولار تعتبر وسيلة مقصودة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأميركية على حساب صادرات الدول المنافسة للأسواق الخارجية، خاصة الصادرات الأوروبية واليابانية والصينية.

فعندما يكون الدولار قوياً تقل كلفة شراء السلع والخدمات من خارج أميركا، وفي المقابل تصبح الصادرات الأميركية غالية للمشترين الأجانب، الأمر الذي يدفع بزيادة معدلات التضخم، ويعزز انخفاض الصادرات من تراجع الإنتاج الأميركي. أما ارتفاع كلفة الواردات فيخفض من معدلات التضخم، في حين سيزيد ارتفاع الصادرات من الإنتاج الأميركي.

إن سياسة الدولار الضعيف هي جزء من آلية الضبط الضرورية التي ستعيد توازن النمو وتقلل من العجز التجاري في أميركا، وكذلك تساعد على التحكم في الفوائض الأجنبية والتأثير على الاقتصاد العالمي وزيادة معدلات نموه.

ويؤثر بنك الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) على السياسة النقدية الدولية وأسعار الصرف الأجنبية عن طريق رفع أسعار الفائدة، مما يدفع الأجانب إلى الاستثمار في الصناديق الأميركية. وخلال هذه العملية سيحولون عملات بلادهم إلى الدولار فيزيد الطلب على الدولار وترتفع قيمته.


تعتبر ظاهرة انخفاض الدولار وسيلة مقصودة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأميركية على حساب صادرات الدول المنافسة للأسواق الخارجية
وفي خطوة تالية يقوم بنك الاحتياطي بشراء دولارات مقابل عملة أجنبية (الين الياباني مثلاً) مما يزيد من قيمة الدولار أيضاً وتنخفض قيمة الين، ثم يقوم ببيع الدولار مقابل الين مما يقلل قيمة الدولار ويزيد من قيمة الين.

ومهما حاولت أميركا هندسة انخفاض في سعر صرف الدولار فإن بعض الشركاء التجاريين لها مثل الصين واليابان وبعض دول جنوب شرق آسيا والتي تعتمد على التصدير لأميركا، تحاول إبطال مفعول هذه الهندسة من خلال شراء سندات أميركية. وبمعنى آخر تستثمر هذه الدول بعض فوائضها التجارية في أصول بالدولار بدلاً من تحويل كل قيمة صادراتها إلى عملاتها المحلية.

ويترافق ذلك مع زيادة في تدفقات رأس المال الخاص إلى خارج الولايات المتحدة الأميركية مما يضعف قيمة الدولار عالمياً. وتتحول هذه التدفقات إلى أوروبا منطقة اليورو الذي هو العملة المنافسة للدولار الأميركي في التجارة العالمية، وهذا ما أدى إلى ارتفاع اليورو مقابل الدولار.

التأثير على أوروبا واليابان
تمتد تأثيرات الدولار المنخفض أو الضعيف إلى اقتصادات أخرى، فعلى سبيل المثال أوروبا واليابان حيث يعتمد النمو الاقتصادي فيهما كلياً على الطلب الخارجي. فنجد أن ارتفاع الين تقليدياً يرفع سعر البضائع اليابانية دولياً، ومن شأن هذا الارتفاع الإضرار باليابان فتصبح صادراتها أعلى سعراً وأقل قدرة على المنافسة. ويؤكد الخبراء الاقتصاديون أن الين الضعيف هو أفضل وسيلة لتجنب حالة الركود الاقتصادي.

إن اتساع استخدام اليورو له فوائد عديدة للدول التي تتعامل به خاصة دول منطقة اليورو، ومن هذه الفوائد ما يلي: تقليص تكاليف تبادل العملات الوطنية، وتجنب مخاطر أسعار الصرف، والاستفادة من اقتصاد الحجم بسبب اتساع السوق، ومنع الصدمات الناجمة عن المضاربات في العملات.

ويمتد تأثير اليورو إلى الاقتصاد العالمي من خلال دوره في زيادة السيولة النقدية الدولية مما يجعل كلفة الاقتراض به منخفضة، ويؤدي إلى زيادة فرص الاستثمار والنمو الاقتصادي، ويعزز الثقة باليورو كعملة دولية مستقرة تقف في مركز الندية والمنافسة للدولار الأميركي، وربما مهددة للميزة التي انفردت بها الولايات المتحدة واحتكرتها لسنوات طويلة، وهي كونها المصرف لجميع دول العالم باعتبار أن الدولار هو عملة الاحتياطات الدولية الرئيسية، الأمر الذي سيفضي إلى انخفاض الطلب على الدولار مما قد يجعل الولايات المتحدة غير قادرة على تغطية العجز في ميزان مدفوعاتها بالإصدار النقدي فتضطر إلى المزيد من المديونية.

ويحقق ارتفاع سعر اليورو فوائد لمنطقة اليورو تتمثل في زيادة الثقة به بعدما انخفض أمام الدولار في بداية إصداره، وهذا يؤدي إلى زيادة الاستثمارات باليورو. ولكن ارتفاع اليورو له أيضاً آثار سلبية تتمثل في ارتفاع سعر الصادرات الأوروبية، وبالتالي إضعاف قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.

لكن من جانب آخر قد يتجه البنك المركزي الأوروبي إلى خفض سعر الفائدة على اليورو مع ارتفاع قيمته، وذلك بهدف خفض كلفة الاقتراض لتشجيع رجال الأعمال على الاستثمار. وكذلك يمكن أن يحقق انخفاض سعر الدولار لمنطقة اليورو انخفاضا في سعر النفط، فتقل كلفة الطاقة في أوروبا ومناطق استخدام اليورو.

تأثير الدولار على سعر النفط
يعد الارتباط بين النفط والدولار من المسلمات في الاقتصاد العالمي، وقد ساعد ما يعرف بالبترودولار والعائدات المتحققة من أسعار النفط العالية الولايات المتحدة على التعاطي مع حالات العجز التجارية الكبيرة التي أصابت اقتصادها، وذلك عبر تدوير الرساميل المتحققة من الصادرات النفطية للدول النامية وتوظيفها في استثمارات جديدة.

وفي هذا الصدد ذكرت صحيفة ذي غارديان "أن دولرة أسواق النفط تعد من أهم المحركات الأساسية في الأداء الاقتصادي الأميركي خلال السنوات الأخيرة"، إذ إن غالبية الدول المستوردة للنفط تحتاج إلى الدولار لتسديد قيمة مشترياتها من الوقود.

كما أن مصدري النفط بالمقابل يحتفظون باحتياطاتهم النقدية بالدولار ثم يقومون بإعادة استثمارها في الاقتصاد الأميركي. ولنضرب مثالاً على تأثير الدولار على أسعار النفط من خلال الدول الخليجية التي تعتمد على النفط كمصدر رئيسي لناتجها المحلي، حيث يشكل النفط ومنتجاته نسبة تتراوح بين 70 و90% من دخل الصادرات والإيرادات الحكومية.

وفي الوقت نفسه نجد معظم عملات دول الخليج ترتبط بالدولار بشكل رئيسي، الأمر الذي يعرضها للضغوط. ولا شك في أن إيرادات هذه الدول الناتجة عن بيع النفط في الأسواق العالمية ستتراجع نتيجة تراجع الدولار أمام العملات الأجنبية الأخرى، وخاصة إذا كان تصدير النفط يتم لأسواق غير أميركية. ثم يؤدي ذلك إلى تراجع في حجم استثمارات الدول النفطية بشكل كبير، مما يعني انخفاض فرص النمو في المستقبل.

الآثار السلبية لربط العملة الوطنية بالدولار
هناك عدد من الدول في العالم تربط عملاتها الوطنية بالدولار عوضاً عن تثبيت عملاتها على سلة من العملات الأجنبية. وهذا الإجراء تعتمده عادة المصارف المركزية لتثبيت سعر صرف العملة الوطنية. ولكن أي هبوط حاد للدولار أو انخفاض كبير في قيمته مقابل العملات الأجنبية الأخرى سيترتب عليه انحدار مماثل في سعر العملات المرتبطة بالدولار، وستكون السلع غير الأميركية غالية السعر مما ينعكس في ارتفاع أسعار السلع المستوردة بالنسبة لهذه الدول.


ما لم تتفق دول العالم على نظام اقتصادي تتوفر فيه العدالة والمساواة ويراعي مصالح كافة الدول، فإن أميركا ستواصل سيطرتها على ثروات ومقدرات الدول الأخرى عبر الدولار
ومما لا شك فيه أن انخفاض سعر الدولار مقابل العملات الحرة الرئيسية سيؤثر سلباً على عائدات بيع سلع الدول النامية في الأسواق الأوروبية واليابانية. ومن جهة ثانية فإن ربط أي عملة وطنية بالدولار يعني ربط معدلات التضخم المحلية وأسعار الفائدة بالتي في الولايات المتحدة، الأمر الذي يعكس كل نتائج المشكلات الاقتصادية التي تعاني منها أميركا على هذه الدول مثل تباطؤ النمو الاقتصادي وتداعياته السلبية على المؤشرات الرئيسية المعبرة عن أداء الاقتصادات المحلية للعديد من الدول الصناعية والنامية على حد سواء.

ولا تفوتنا الإشارة إلى تأثير الدولار على الذهب حيث يرتبط سعر الذهب عكسياً بحالة الدولار من ناحية القوة والضعف، باعتبار أن الدولار هو العملة الاحتياطية الأولى في العالم فيؤدي انخفاض الدولار إلى تحقيق فوائد للذهب على صعيدين:

  • أولاً- أن سعر الذهب سيزيد عند انخفاض سعر الدولار لأن تسعير الذهب يتم بالدولار.
  • ثانياً- عندما تهبط قيمة الدولار فإن الاستثمارات الأجنبية في الأسهم والسندات الأميركية ستهبط، مما يؤثر سلباً على الأسواق المالية ويعزز بصورة غير مباشرة من الطلب على الذهب للأغراض الاستثمارية بارتفاع أسعاره.

وفي الختام نخلص إلى أن انخفاض قيمة الدولار الأميركي يجلي لنا بوضوح المشاكل الرئيسية التي يعاني منها الاقتصاد الأميركي وأهمها العجز في الميزان التجاري والتضخم، وهما مشكلتان لهما تأثير بالغ على النمو الاقتصادي العالمي وديمومته. وما لم تتفق دول العالم على نظام اقتصادي تتوفر فيه العدالة والمساواة ويراعي مصالح كافة الدول، فإن الولايات المتحدة ستواصل سيطرتها على ثروات ومقدرات الدول الأخرى عبر الدولار ووسائل أخرى، وهو ما ينذر بشرّ مستطير.
________________________
* أستاذ في كلية الاقتصاد والمعاملات بجامعة العلوم الإسلامية في ماليزيا

المصدر : غير معروف