بقلم/ إبراهيم أبو الهيجاء

- التسلط ومتعة الحرب
- المادية والفوقية السادية
- السفلية الجنسية وتقديس القوة
- تحقيقات الكونغرس

أبو غريب ليس نموذجا فقط انكشف سره وانفضح أمره، ولكن بات من المؤكد أن في كل بلد فيه قواعد أميركية أو حكومات موالية فعلينا أن نتوقع أن ثمة سجونا تحتوي على مقهورين ومعذبين لا حقوق لهم ولا حياة، يقتلون بصمت ويموتون بدون أنين، وهذا ما تؤكده صحيفة واشنطن بوست الأميركية التي تتحدث عن تسعة آلاف معتقل خارج الحدود الأميركية في معتقلات غير معروفة بقواعد عسكرية وبلدان مختلفة منها دول عربية، يمارس فيها فنون التعذيب حتى الموت دون رقيب أو حسيب.

وبذلك يكون الحلف "الأنغلوصهيو-أميركي" قام بما يفوق خيالنا ويتجاوز أسوأ ظنوننا، وسواء أتى الأمر في إطار حمى الانتخابات أو نتاج تنافس العسكريين أو نتاج المباهاة التسلطية أو لبقية ضمير لدى جندي أميركي، فإن المحصلة هي سقوط المبرر الأخلاقي للحروب الأميركية بعد أن سقط من قبل المبرر العسكري والسياسي الذي احتل العراق بزعم وجود أسلحة دمار شامل.

إن ما جرى وسيجري هو مسلك لا يعبر عن هامشية أو أقلية أو أخطاء فردية أو حتى شهوة مرضية، بل هو في صميم الأخلاقية الأميركية المادية التي أنبتت فروع التسلطية الفاشية والسادية الهتلرية والجنسية الفرويدية والصراعية الداروينية.

التسلط ومتعة الحرب
بالإمعان في تاريخ الولايات المتحدة نستطيع القول إنه لم يخل طوال عقوده من تسلط وإرهاب واحتلال بدءا من إبادة السكان الأصليين مرورا بحروب الساكسون مع اللاتين ثم حرب الشمال مع الجنوب، وصولا إلى غزو معظم دول أميركا اللاتينية انتقالا إلى الشرق الأقصى والأوسط ثم إلى أفريقيا ثم إلى الخليج. وخلال كل هذه الاحتلالات والحروب استخدم الجيش الأميركي وحدات متخصصة في التعذيب والاغتصاب، وهذا ما يؤكده تحقيق أعده الصحفي جاري كوان في صحيفة بلتيمور صن عام 1995 ويعززه الجنرال مايرز بشأن أبو غريب "إنه لم يكن استثنائيا"، ويفسره كمبون مساعد وزير الدفاع الأميركي "إنك في لحظة معقدة من الصراع تضطر لذلك"، وكذلك تقارير مؤسسة "مسؤولو أجيال" التي تتحدث عن ملايين القتلى نتاج هذا التسلط والقهر والاحتلال.

المادية والفوقية السادية


تقوم الحضارة الغربية بالأساس على إلغاء الإنسان كإنسان واختزاله بالمادة والرقم والتكلفة، ويتكامل مع هذه الصورة خصخصة القتل والتعذيب في العراق عبر شركات خاصة أو مرتزقة!
الحضارة الغربية تقوم بالأساس على إلغاء الإنسان كإنسان واختزاله بالمادة والرقم والتكلفة، لذا لم يكن مستبعدا أن نرى تلك الصورة التي يظهر فيها الجنود يتبادلون الأحاديث بينما قبالتهم سجين عراقي عار مقيد ملقى على الأرض. ويتكامل مع هذه الصورة خصخصة القتل والتعذيب والتحقيق من خلال شركات خاصة أو مرتزقة يفوزون بعقود المهمات القذرة الأميركية بناء على من هو الأكثر قهرا وتسلطا وبرودة؟!

وبالتالي ينصب همّ هذه الشركات على تحقيق أكبر قدر من التعذيب لتحقيق أكبر عدد من الاعترافات وبأسرع الأوقات، لكي تفي هذه الشركات بشروط العطاء من جهة، وتثبت مقدرتها قبالة المنافسين من شركات أخرى، لأن المعيار هنا هو الكفاءة والجدوى وليس الأخلاق والضوابط.

وكذا محاولات الأميركان إصلاح ما فعلوه بالسجناء بعرض تعويضات مادية، وهذا أيضا يتناسب مع القيم الأميركية التي تعتقد أن كل شيء قابل للشراء والبيع حتى الشرف والكرامة والأوطان.

وهذا ما يصدق على العقيدة العسكرية الأميركية الاستباقية القائمة على تقدير نوايا الشر للغير ونسب الخير للذات، كما ردد بوش الابن مرارا "محور الخير أو الشر" "نحن أو هم"، أو تسمياته للحرب تارة بالصليبية أو العدالة المطلقة أو النسر النبيل.
وفي كل ذلك يعبر الأميركان عن عقيدة فوقية سبقهم إليها هتلر، تعتبر عرقها وعقولها ونموذجها هو الأرقى والأعلى، أما ما تبقى من الناس والدول فهم رعاع وبرابرة يحتاجون لمن يخرجهم من رعاعهم ويحسن استغلال ثرواتهم.

وفي الصور التي عُرضت تعبير عن ذلك وخاصة صورة ذلك الجندي الذي يجلس على معتقل عراقي عارٍ وقد استظهر فيها عضلاته، أو تلك الصورة التي يبول فيها الجندي البريطاني على ذلك المقيد العراقي، أو تلك الصورة التي تجر فيها المجندة الأميركية العراقي السجين بحبل من رقبته.. كلها مشاهد تؤكد المغزى الرئيسي (نحن الأعلى وأنتم العبيد). لذا وحسب قوانين العبودية الأميركية يجوز للأميركان أن يفعلوا ما شاؤوا بالعراقيين لأنهم بنظر الأميركان عبيد يجب أن تبقى السياط تلهب أبدانهم.

لقد قال رمسفيلد لوكالة إن بي سي قبل هذه الصور "إن اتفاقيات جنيف لا تنطبق على بعض السجناء"، بل إن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية روما المؤسسة لتشكيل المحكمة الجنائية الدولية في أول عهد بوش الابن يؤكد العقيدة الفوقية الأميركية والنية المسبقة للتملص.

السفلية الجنسية وتقديس القوة


الإنتاج الدارويني الهوبزي والمكيافيلي يومي في الحياة الأميركية تجسده الأفلام الأميركية المرتكزة على ذلك القوي الأميركي الذي لا يقهر والذي غالبا يتجاوز القانون الجامد لمعاقبة الأشرار والنيل منهم
وهذه أيضا نتاج أصيل للمادية الغربية، والتي أصلها فلاسفة غربيون أمثال داروين ونيتشه والذين يعتبرون أن عالم الإنسان هو عالم الطبيعة الأقرب للحيوان الذي يمارس حياته الجنسية بإطلاق غريزي، أو أن محورية حياته هو الجنس كما يعتبر فرويد.

ولقد كان لافتا إبان فضيحة "كلينتون–مونيكا" أن شعبية كلينتون كانت ترتفع كلما تكشفت أكثر تفاصيل جنسية مثيرة تتعلق بتلك العلاقة.

وفي أبو غريب كانت الصور تعبر بالفعل عن مفارقات عجيبة تؤكد هذه الوحشية الجنسية التلذذية، خذ مثلا تلك الصورة التي تمارس فيها مجندة التعذيب الجنسي لكومة من العراقيين من خلال تعريتهم، وهي تبدو عليها علامات الفرح والرضا، بينما صديقها وأبو الجنين الذي في أحشائها يقف خلفها منتصبا فرحا لم تتحرك فيه مشاعر الرجولة إما لأنه أصلا فاقد للإحساس الرجولي، أو ربما وجد سعادة صديقته بالتعذيب الجنسي تكريسا لرجولته وتجسيدا لأنوثتها المفقودة في حطام الحرب وحر العراق وغبار الصحراء.

في الوجه الآخر للمعادلة فإن تركز التعذيب ضد العراقيين في قضايا الجنس والتعرية ونزع الشرف والكرامة محاولة لتعويض النقص الكامن عند الأميركي أيضا الذي تقوم فلسفته على تعرية كل شيء وكراهية كل قداسة، لأنهم يعتقدون في الغرب أن الشرق عالم لاهوتي ينزع إلى المبالغة في قضايا المقدس والكرامة، ولذا فهم يعتقدون أن تلك هي نقطة ضعف المشرقيين. والظن هنا أنهم بالتعرية يحطمون إرادتهم أو يحاولون جعل النقص القائم في شخصيتهم الشاذة متساويا مع غيرهم، ولتأكيد ذلك يجعلون مجنداتهم تنال من الرجال، وجنودهم يغتصبون النساء أو يؤكدون العلاقات الشاذة من خلال إجبار السجناء على اغتصاب بعضهم أو اغتصاب سجينات.

إن أصل الإنسان هو الشر وليس الخير كما يقول فيلسوف الغرب هوبز، وما دام الإنسان شريرا فهناك قانون واحد يحكم آلية السيطرة وهي امتلاك القوة المادية. أما نموذج داروين ونيتشه فهو الصراعية الحيوانية التي يأكل فيها القوي الضعيف، وهنا يأتي الفيلسوف مكيافيلي ليعطي تعزيزا لهذه الفلسفة عندما يؤكد أن لا أهمية للمعايير والضوابط الأخلاقية "لأن الغاية عنده تبرر الوسيلة".

إن الإنتاج الدارويني الهوبزي والمكيافيلي يومي في الحياة الأميركية تجسده الأفلام الأميركية المرتكزة على ذلك القوي الأميركي الذي لا يقهر والذي غالبا يتجاوز القانون الجامد لمعاقبة الأشرار والنيل منهم، مستخدما أقسى وسائل التعذيب للحصول على المعلومات ولو اضطر لقتل الشرير. والأهم هو تلك النهاية الغريبة التي تؤكد تفوق البطل ونيل الاحترام رغم أنه اخترق القوانين.

هذه النماذج ليست خيالية بل هي في صميم الحياة الأميركية التي غزت وقتلت وعذبت واغتصبت والتي فسرت ما جرى في أبو غريب -حسب تحقيق الجنرال تاغوبا الذي أتى في ستة آلاف صفحة- بأن التصريح كان للمحققين "باستخدام القوة القاتلة لقمع المتمردين"، ملمحا إلى أن القرارات قيادية وفوقية وليست جزئية أو ميدانية، وهذا ما يؤكده تقرير نيويورك تايمز "بأن رمسفيلد أصر على استخدام القوة ضد السجناء والإساءة إليهم ومنعهم من النوم".

تحقيقات الكونغرس


الساقطون مع سقوط مظاهر الحرية الأميركية وانكشاف حقيقتها ليس فقط المبشّرين بها أو المحتمين بظلها، بل إن اللافت هو ذلك الصمت الذي لعبته المنظمات الإنسانية الغربية أو تلك العربية المعتاشة على الأموال الأميركية
يحاول البعض التقليل مما جرى في أبو غريب والتدليل على الشفافية الأميركية في متابعة الموقف من خلال التحقيقات العلنية التي جرت في الكونغرس! وهذه مخادعة لأن تحقيقات الكونغرس محاولات فقط لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الصورة الأميركية التي بشر بها المستغربون من أمتنا العربية.

إن التدقيق في تحقيقات الكونغرس يثبت أن التوظيف الحزبي مع قرب الانتخابات له علاقة في تعالي أصوات بعض الأعضاء، وهذا ما يفهم أيضا في إطار القيم الأميركية التي همها أن تربح وتحقق المصلحة الذاتية، ولو لم تفضح الصور ذاتها لما انبرى الكونغرس للدفاع عنها ولبقيت التحقيقات سرية، لذا كان من الواضح أن الإشكالية التي يعالجها أعضاء الكونغرس هي سؤال "لماذا لم نعلم؟" وليس "لماذا حصل؟".

بل إن بعض أعضاء الكونغرس طلب صراحة أن يجري توظيف صور القتلى الأميركان قبالة صور العراة، وكأن القتل هناك والتعرية هنا متساوية أو تبرير تلك بسبب ذاك, فالمشكلة في نظر الكونغرس الفشل في سرية ما جرى أو الدعاية الجيدة لجريمتهم وتعذيبهم، وهذا يساهم في تبرير الجريمة وحرف الأنظار عن جوهرها، ولا يحل مشكلة القيم الأميركية كما أنه لا ينهي الاحتلال الأميركي، ولن يصل قطعا إلى درجة محاسبة المجرم الرئيسي بوش، ولذا ليس لأحد أن يخدعنا.

إن الساقطين مع سقوط مظاهر الحرية الأميركية وانكشاف حقيقتها ليس فقط المبشّرين بها من عرب وعجم، أو أولئك المحتمين بظلها، بل إن اللافت هو ذلك الصمت الذي لعبته المنظمات الإنسانية الغربية أو تلك العربية المعتاشة على الأموال الأميركية، فهي أمام إرباكها وخوفها سقطت أيضا، وثبت أنها مجرد أدوات مسلطة بما يؤكد القيم الغربية وليس الانقضاض عليها مهما فعلت من انتهاكات.

أما الصمت الشعبي العربي والإسلامي فهو جد مفزع، ويحتاج إلى تحرك القوى الحية قبل أن تسقط كما سقطت الأنظمة التي توارت خلف سجونها وعجزها.

إن أبو غريب نقطة تاريخية لها ما بعدها في انتكاسة المفاهيم والقيم الأميركية، وانتصار أكيد للضعفاء والمعذبين وكل المظلومين، وإن صاحبه كل ذلك الألم والإحباط.
_________
كاتب فلسطيني

المصدر : غير معروف