بقلم: ياسر الزعاترة*

-عرفات.. تاريخ من الأزمات
-عرفات في أسوأ أحواله
-عرفات والتوجه المصري
-عرفات.. فرصة أخرى للنجاة؟

لم يكن مصير السيد ياسر عرفات رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية أو رئيس السلطة الفلسطينية مطروحا على أجندة السياسة الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية كما هو شأنه منذ أسابيع، وتحديدا منذ يوم الاثنين 26 يونيو/ حزيران 2002.. إنه اليوم الذي ألقى فيه الرئيس الأميركي (جورج بوش الابن) خطابه حول الشرق الأوسط بعد انتظار دام أسابيع، وتحدث فيه للمرة الأولى عن "قيادات جديدة للشعب الفلسطيني". وعندما سئل عما سيحدث لو انتخب عرفات ثانية أجاب "أنا أقصد قيادة أخرى".

هذا الجانب من الخطاب الذي تضمن "رؤية" بوش لمستقبل الصراع في المنطقة لم يكن سهلا، فقد اعترف وزير الخارجية الأميركي (باول) بأنه وضع "على مضض"، وذلك بعد عدة فرص منحت لعرفات "للتخلي عن الإرهاب" والبدء في تنفيذ إصلاحات".

منذ ذلك اليوم وسؤال المصير الذي ينتظر الرئيس الفلسطيني هو الأكثر تداولا في الأروقة السياسية الفلسطينية العربية والدولية، إذ لم تحظ نقطة في خطاب (بوش) بكم من الجدل والأخذ والرد كما حصل مع قصة تغيير عرفات، وقد زاد من حدة الجدل ذلك الرد الذي اقترحه هذا الأخير على خطاب (بوش) عندما رحب به، كما لو أنه لم يشر إلى تغييره من قريب أو بعيد. وقد نقلت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عما وصفته "محفل تقدير إسرائيلي" قوله تعليقا على ذلك "إن هذا الرجل الذي يلقي كلمة في مراسم تشييع جثمانه هو نفسه الذي يثني على الشانق".

عرفات.. تاريخ من الأزمات


لقد وضع عرفات يده منذ البداية على أسرار القوة داخل (فتح) ومنظمة التحرير، وفي المحيط الذي يلعب فيه، وجعل من نفسه نقطة التقاء الفرقاء من يسار الحركة مثل (جماعة السوفيات) وسواهم من معسكر اليسار، إلى يمينها بلونه الديني، إلى يمينها الآخر والأقرب إلى الليبرالية والتحاور مع الغرب واليهود في آن معا
من الضروري القول إن ياسر عرفات كان ولايزال قائدا لواحدة من أهم وأكبر حركات التحرر في التاريخ الحديث، بوصفها تخوض في بحر قضية لعلها الأكثر تعقيدا لكثرة ما تتداخل فيها الأبعاد العربية والإسلامية والإقليمية والدولية، فضلا عما تطرحه من قضايا ذات صلة بالتاريخ والعقائد.

هذه القضية المعقدة تصدرها لعقود رجل لا بد من الاعتراف بأنه استثنائي في قدراته، أيا كانت نقاط الاختلاف أو الاتفاق مع سياساته.

لقد وضع عرفات يده منذ البداية على أسرار القوة داخل حركته (فتح) ومعها منظمة التحرير، وفي المحيط الذي يلعب فيه، فقد جعل من نفسه نقطة التقاء الفرقاء داخل (فتح) وبالتالي منظمة التحرير، من يسار الحركة مثل (جماعة السوفيات) وسواهم من الألوان الأخرى داخل معسكر اليسار، إلى يمينها بلونه الديني، إلى يمينها الآخر والأقرب إلى الليبرالية والتحاور مع الغرب واليهود في آن معا.

هؤلاء جميعا كانوا يتطاحنون في ما بينهم وكان حكمهم ومرجعهم في النهاية هو عرفات، لأنه شيخ القبيلة أولا، ولأنه مالك مفاتيح القوة الأخرى، وعلى رأسها المال والسلاح، فالمال هو الحاجة اليومية للجميع أشخاصا ومجموعات والقوة والسلاح هما الحكم الآخر في النزاعات، وجميع العسكر من قادة المجموعات لا بد لهم من صلة ما معه، كي يواصلوا فعلهم.

سر القوة الأهم
بيد أن سر القوة الأكثر أهمية الذي وضع عرفات يده عليه هو ذلك المتصل بالعلاقة مع مصر الدولة العربية الأكبر والأهم، فمنذ اللحظة الأولى وضع عرفات يده في يد القيادة المصرية من عبد الناصر، إلى السادات وصولا إلى حسني مبارك، ولذلك وفرت له القاهرة الحماية من الإسرائيليين، ومن الفرقاء العرب الآخرين سيما قيادة معسكر المعارضة في دمشق.

رضا القاهرة كان على الدوام سفينة النجاة لعرفات، فحين خرج من بيروت توجه مباشرة إلى القاهرة على رغم العلاقة العربية المضطربة معها آنذاك بسبب قصة كامب ديفد.

القاهرة بدورها لم تكن تفعل ذلك عبثا.. فغزة وفلسطين هي الخاصرة وهي جزء من الأمن القومي المصري، ولا يمكن لأي قيادة فيها أن ترضى بأن يكون عنوان فلسطين بعيدا عنها في كل الأحوال، فكيف وهي ترى نفسها العنوان العربي الأول للجميع؟!.

لقد دفع عرفات للقاهرة كل الاستحقاقات المطلوبة لاستمرار زعامته، فهو تخلى منذ البداية عن فكرة الحركة الثورية المنفلتة من كل عقال ووضع بيضه في سلتها، فكان أن ابتعد عن التناقض معها حين اعترفت باستحقاقات الهزيمة العربية في حرب يونيو/ حزيران 1967، ثم ما لبث بعد ذلك بقليل أن اعترف بما اعترف به العرب، أي قبول التفاوض على الأراضي المحتلة عام 1967، والاعتراف الضمني بالوجود الصهيوني على الأراضي المحتلة عام 1948.

وبالطبع فإن هذا التوجه لم يكن انسجاما مع الوضع العربي وحسب، بل كذلك مع المشهد الدولي الذي اعترف بإسرائيل كدولة وجدت لتبقى. وعرفات الحريص على أن يظل العنوان الحقيقي للفلسطينيين والقضية قدم هذا الاعتراف ليس للغرب وحده وإنما للاتحاد السوفياتي كذلك.

لم تكن أخطاء عرفات قليلة، بيد أن إمساكه بالخيوط على النحو المشار إليه كان كفيلا بتجاوزها، ولعل من أهم أخطائه هو دخوله على خط التناقضات العربية بين فينة وأخرى ما جعله ملعونا عند البعض في هذه المرحلة أو تلك، مقبولا عند البعض الآخر، دون أن يؤدي ذلك إلى إنهاء وضعه القيادي للقضية.

مأزقه الجديد
بدأت قصة إقصاء عرفات عن قيادة الشعب الفلسطيني واقعيا كنوع من الضغط الشاروني عليه بقصد ابتزازه، ولا شك أن واشنطن قد انسجمت عمليا مع الهدف المذكور، بيد أن ذلك لم يصل إلى حد القطع بعدم إمكانية التعامل معه.

ثمة أكثر من تطور دفع واشنطن نحو القرار الجديد كما تبدأ في خطاب (بوش)، لعل الأهم بينها هو ذلك المتصل بالوضع الداخلي الأميركي ممثلا في خضوع (بوش) لابتزاز اللوبي الصهيوني والكونغرس المتصهين، إضافة إلى اليمين المسيحي الجمهوري المنحاز إلى "إسرائيل" بلون عقائدي. أما الثاني فهو ارتفاع منسوب التراجع العربي أمام الضغوط الأميركية على نحو لم يسبق له مثيل منذ أعوام مدريد وأوسلو ووادي عربة. يضاف إلى ذلك الانتصار الذي حققه (شارون) على السلطة في عملية "السور الواقي" وهو الانتصار الذي لم يتحقق سوى باعتراف قادتها به من خلال قبول الإملاءات التالية كما تجلت في صفقة المقر وكنيسة المهد، وإلغاء لجنة تقصي الحقائق في مخيم جنين.

من المؤكد أن رفض عرفات إعطاء (شارون) ورقة إعادة الأمن دون أفق سياسي واستمرار لعبه على عامل الوقت قد أرهق الدولة العبرية وحلفاءها الأميركان، وهو سبب آخر يضاف إلى عوامل الغضب عليه وانتظار التخلص منه. ولا شك أن إشارات من داخل السلطة طالما بثها رموز معروفون تشير إلى "عبثية" الرجل ومراهنته على "العنف" أو المقاومة أو الكفاح المسلح قد ساهمت هي الأخرى في ذلك. كل ما سبق لم يكن ليدفع واشنطن نحو الاستخفاف بعرفات لو بقي وضع المقاومة كما كان عليه في فبراير/ شباط ومارس/ آذار وأبريل/ نيسان، بيد أن تراجع الرجل والصفقات التي قبلها، وبالتالي تراجع شعبيته إضافة إلى تراجع مد الشارع العربي. كل ذلك سهل مهمة واشنطن في إعلان موقفها الرافض لاستمرار قيادته للشعب الفلسطيني.

عرفات في أسوأ أحواله


عرفات يعيش اليوم أسوأ أحواله على الإطلاق، سواء لجهة شعبيته المتراجعة قياسا بما كان عليه الحال خلال انتفاضة الأقصى، سيما أشهرها الأخيرة، أم لجهة وضعه الصحي والذهني المتعب، فالرجل يشيخ وقدراته تتراجع على نحو طبيعي، فكيف ضمن منظومة الضغوط التي يتعرض لها؟!

ليس من الصعب القول إن ياسر عرفات يعيش اليوم أسوأ أحواله على الإطلاق، سواء لجهة شعبيته المتراجعة قياسا بما كان عليه الحال خلال انتفاضة الأقصى، سيما أشهرها الأخيرة، أم لجهة وضعه الصحي والذهني المتعب، فالرجل يشيخ وقدراته تتراجع على نحو طبيعي، فكيف ضمن منظومة الضغوط التي يتعرض لها؟!.

وضعه الصعب يتبدى من خلال جرأة الكثيرين داخل السلطة عليه ممن كان بإمكانه أن يلقيهم أرضا ويطأ رقابهم بقدمه كما هي هوايته عندما ينوي إذلال أي واحد من مساعديه!!.

ولعل قصة إقالة جبريل الرجوب خير شاهد على هذا الواقع الحصار الذي يتعرض له وتحكم الإسرائيليين بمن يتصل بهم من الرموز، وتراجع الوضع العربي أمام واشنطن يضيف عليه عبئا جديدا، لم يعد قادرا على احتماله، ومع ذلك فهو لم يستسلم حتى هذه اللحظة، بل لا يزال مصرا على أن سفينة الإصلاح المطلوبة أميركيا، هو وحده ربانها والقادر على حملها إلى البر المطلوب، وها هو الموقف الأوروبي والدولي لايزال على قناعته به عنوانا للشعب الفلسطيني.

من الصعب القول إن عرفات لم يعد عنوانا بالنسبة للدولة العبرية وواشنطن على حد سواء، فالاتصالات معه لاتزال قائمة بشكل غير مباشر، بل إن من غير العسير القول إن موافقة الرجل على ما هو معروض إسرائيليا وأميركيا، أي العودة إلى مهمة (لحد) وقبول حكاية "الدولة المؤقتة"، ربما أعاده على نحو سريع إلى المشهد السياسي كعنوان مفضل للحوار، بيد أنه يدرك أن ذلك سيشطبه من حساب الشعب الفلسطيني وتاريخه بعد هذه المرحلة الرائعة ممثلة في انتفاضة الأقصى وأشهرها الأخيرة على نحو خاص.

هذا البعد أكده وزير الدفاع الإسرائيلي (بن إليعازر) في القاهرة (15/7) حين قال "أكدت للرئيس مبارك أن الأمرين اللذين يهماننا هما أننا نريد أن ننجح في القضاء على المنظمات الإرهابية وإلى أي قدر يمكننا أن نضمن وصول جميع الأموال إلى الأهداف الحقيقية، أما بقية الأمور فهي مرتبطة بهذين الأمرين".

يحدث ذلك لأن الأميركان والإسرائيليين لا يجدون إجابات على أسئلة ما بعد عرفات، كما لا يتفقون على وسيلة التخلص منه في حال بقائه حيا، وهم يناورون معه أملا في دفعه نحو قبول إملاءاتهم، ولعل إشارة بوش قبل أيام إلى كون الإصلاحات الفلسطينية تحرز تقدما ربما كانت نوعا من منح الأمل للرجل بإمكانية إعادته إلى المشهد السياسي إذا قدم المطلوب، بدل دفعه نحو اليأس وركوب المجهول، بما ينطوي عليه ذلك من استحقاقات قد تخرب اللعبة.

عرفات والدور المصري


منذ اللحظة الأولى وضع عرفات يده في يد القيادة المصرية من عبد الناصر إلى السادات وصولا إلى حسني مبارك، ولذلك وفرت له القاهرة الحماية من الإسرائيليين ومن الفرقاء العرب الآخرين سيما قيادة معسكر المعارضة في دمشق
ليس ثمة جواب حاسم على سؤال الموقف المصري من عرفات إذ ثمة إشارات سلبية وأخرى إيجابية. من الإشارات السلبية، تلك التي وردت على لسان الرئيس المصري لدى زيارته لواشنطن وحديثه عن عام أخير لعرفات، فضلا عن بداية تحرك مصري على بدائل عن الرجل، إضافة إلى حديث عن إمكانية القبول بتهميشه على غرار طرح (بن إليعازر) في القاهرة والذي لخصه بالقول "تجاهل شخص وتشجيع الباقين".. أما الإشارات الإيجابية فيه تلك التي تتحدث عن إصرار مصري على إبقاء عرفات عنوانا للفلسطينيين مع إعطاء القاهرة فرصة الإشراف على "إصلاحاته".

من الصعب القول إن القاهرة لا تزال مصرة تماما على عرفات بحيث تتجاهل المستقبل، فهي تتحرك على البدائل الأخرى حتى لا يأتي إلى القيادة من يناهضها، وإن كان ذلك صعبا إلى حد كبير، نظرا لقدرتها على إثارة المتاعب له، أي للخليفة الجديد، مع أن وضعها المتراجع حاليا والذي قد يتراجع أكثر في حال ضرب العراق ربما حال دون ذلك مؤقتا.

إن قناعة القاهرة بمآل اللعبة القائمة ستشكل عنصر حسم لها، فإذا اقتنعت أن صاحبها (عرفات) راحل لا محالة، فإن ذلك سيكون إيذانا برحيله فعلا، أما إذا اقنتعت بغير ذلك فسيشكل طوق نجاة مهم بالنسبة إليه، سيما وهو لا يكل ولا يمل من محاولة اللعب على قصة "الإصلاحات" ومحاولة إثبات جدتيه فيها. ويبقى أن القبول بخيار "التهميش" أي الرئاسة بوجود رئيس وزراء قوي ومقرب من القاهرة قد يكون معقولا، حيث سيعتمد الأمر بعد ذلك على التطورات اللاحقة في حين يتصل بالمفاوضات.

عرفات.. فرصة أخرى للنجاة؟

إذا لم تتدخل الأقدار في قضية عرفات برحيله الطبيعي، فإن أمام الرجل فرصة أخرى للنجاة مما هو فيه إلى جانب دخول التاريخ كقائد للشعب الفلسطيني.

هذه الفرصة لا يمكن إدراكها خارج سياق استرجاع وضعه القوي خلال أشهر فبراير/ شباط ومارس/ آذار وأبريل/ نيسان عندما كان في ذروة قوته وشارون في أسوأ أحواله والشارع العربي في قمة عطائه، في حين أن الأنظمة محرجة مما يجري.

أمامه فرصة حقيقية لإعادة المقاومة إلى زخمها بإعلان العصيان الشامل ورفض كل ما هو معروض عليه، حتى لو أدى ذلك إلى إبعاده أو نهاية من لون آخر، ولا شك أن هذا التطور سيشكل قلبا للطاولة في وجه الجميع بما في ذلك الدول العربية التي ستغدو في وضع صعب أمام شعوبها.

إذا لم يحدث ذلك فإن الوضع سيبقى على سوئه، وسيغدو أسوأ في حال ضرب العراق وتغيير وضعه الداخلي، بيد أن أي تطور مهما كان لن يفرض قائدا "لحديا" على الشعب الفلسطيني، فهذا الشعب العظيم الذي قدم كل هذه البطولة والتضحية لا يمكن أن يكون لقمة سائغة لأي أحد، وقوافل شهدائه وأسراه إلى جانب تاريخه الرائع ستبقى حارسا له من الوقوع في مثل هذا المطب.

_______________
*كاتب وصحفي فلسطيني

المصدر : غير معروف