بقلم/ إبراهيم غرايبة

- القوة العالمية
- موازين القوى القائمة اليوم ومعاييرها
- القوى العظمى والتحديات الجديدة
- العالم الإسلامي في خريطة القوى العالمية

تعاقبت على مدار القرون الخمسة الفائتة مجموعة من الدول الكبرى في الهيمنة على العالم، مثل تركيا (الدولة العثمانية)، ثم إسبانيا والبرتغال، ثم هولندا والنمسا، وألمانيا، ثم بريطاينا وفرنسا، ثم اليابان وألمانيا وإيطاليا وروسيا والولايات المتحدة، وقد سيطرت على المسرح العالمي بعد الحرب العالمية الثانية قوتان عظميان تميز الصراع بينهما بالاعتماد على الردع النووي كأداة لتنظيم العلاقة بين الشرق والغرب، وإخضاع نزاعات مسارح الأطراف إلى المركز، وغلبة العامل السياسي الإستراتيجي على الضغوط الاقتصادية.

وهيمنت الولايات المتحدة منذ عام 1991 على المسرح العالمي، وبدا أن نظاما عالميا جديدا يتشكل تمثل فيه الولايات المتحدة مركز القيادة والهيمنة، وتبدو مجموعة من الدول مرشحة لمنافستها، وهي الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا، والصين، وروسيا، واليابان.

ومازال هذا المشهد الذي بدأ بالتشكل منذ نهاية القرن الخامس عشر يتفاعل ويستعيد نفسه، ومازال السؤال قائما عن القوى العالمية -صعودها وسقوطها- ومستقبلها.

القوة العالمية
يعرف المفكر الإستراتيجي الأميركي جوزيف ناي "القوة" بأنها: القدرة على التأثير في الأهداف المطلوبة، وتغيير سلوك الآخرين عند الضرورة بالقوة الصلبة العسكرية أو الناعمة الثقافية والاقتصادية.

وترتبط القوة بالموارد، ولذلك فإن فهم القوة يقتضي فهم الموارد، فتكون المحصلة التطبيقية لفم القوة ومصادرها بالنسبة للدولة هي: امتلاك عناصر معينة امتلاكا متفوقا أو مؤثرا، مثل السكان، والإقليم الجغرافي، والموارد الاقتصادية الطبيعية والتجارية، والقوة العسكرية، والاستقرار السياسي.

وتكون في أحيان كثيرة موارد أو مصادر قوة معينة هي سر القوة والتأثير، مثل الصناعة القائمة على الطاقة البخارية والسيطرة البحرية البريطانية في القرن التاسع عشر، وسكة الحديد الألمانية في النصف الأول من القرن العشرين، والقوة النووية للولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في النصف الثاني من القرن العشرين.

وفي القرن السادس عشر كانت السيطرة والتأثير لإسبانيا بواسطة السيطرة على الذهب والتجارة الاستعمارية وعلاقات الأسر الحاكمة، وفي القرن السابع عشر كانت السيطرة لهولندا بواسطة التجارة ورأس المال، وفي القرن الثامن عشر كانت السيطرة لفرنسا بالثقافة والصناعات الريفية والسكان والإدارة العامة.

موازين القوى القائمة اليوم ومعاييرها


كانت القوة العالمية تتحقق أساسا بالقوة العسكرية، ولكن المعيار العسكري لم يعد حاسما أو فريدا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل يصبح أحيانا عبئا اقتصاديا وسببا للضعف والتراجع وربما الانهيار
يرجح غازي العزي مؤلف كتاب "سياسة القوة: مستقبل النظام الدولي والقوى العظمى" أن المرحلة القائمة ليست نظاما دوليا جديدا، ولكنها مرحلة انتقالية لم تحسم بعد ولم تستقر على حالة نهائية، والخريطة العالمية ترشح الوضع للعودة إلى ثنائية قطبية أو متعددة الأقطاب.

كانت القوة العالمية تتحقق أساسا بالقوة العسكرية، بالجيوش المدربة والمنظمة، والأسلحة المتفوقة، وشجاعة الجنود والمقاتلين ومهارتهم، ولكن المعيار العسكري لم يعد حاسما أو فريدا في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، بل إنه يصبح أحيانا عبئا اقتصاديا وسببا للنزف المؤدي للضعف والتراجع وربما الانهيار.

وقد ظهرت تهديدات جديدة مثل التلوث والمافيات والمخدرات والإرهاب والصراعات العرقية والإثنية مما لاتفيد في مواجهتها الحلول العسكرية. والعدد الكبير للسكان يشكل موردا كبيرا للدولة يعطيها زخما سياسيا واقتصاديا ومصدرا للكفاءات والكوادر العلمية والإدارية والجيوش والموظفين والقوة الدفاعية، وقد يؤدي أيضا إلى إضعاف الدولة واستنزافها.

وقد تزايدت أهمية المعيار الاقتصادي في القوة العالمية في المرحلة الجديدة أكثر من أية فترة سابقة، وربما كانت الأسباب الاقتصادية هي التي أدت إلى انهيار الاتحاد السوفياتي.

والمساحة الجغرافية للدولة أو الإقليم تحدد قوته وموارده وعمقه، وكانت المساحات الشاسعة المفرطة في اتساعها سببا في السقوط، والإمبراطوريات الحديثة التي تضخمت كثيرا ضعفت بسبب هذا التضخم والامتداد، وقد استطاعت اليابان بأرخبيل من الجزر لا يكاد يصلح للسكن أن تقيم قوة اقتصادية عظمى، وعجزت دول تعج بالثروات الطبيعية عن إطعام شعوبها.

وأصبحت المعرفة معيارا مهما ولعلها المعيار الأساس في القوة والتأثير، فقد ارتبطت القوة العسكرية والاقتصادية بالتكنولوجيا، وقد أصبحت الصناعات المعرفية، مثل الكمبيوتر والبرامج والرقاقات المعلوماتية والهندسة الوراثية والاتصالات والإعلام هي الأكثر استقطابا لرؤوس الأموال والقوى العاملة حتى إنها تشكل مرحلة عالمية ثالثة بعد مرحلتي الزراعة والصناعة. ويرتبط بالمعرفة المستوى التعليمي والبحث العلمي والكفاءات العلمية المدربة وبراءات الاختراع كمعايير لامتلاك قوة المعرفة واقتصادها.

القوى العظمى والتحديات الجديدة
نشأ فراغ كبير في النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبرغم أن الولايات المتحدة تبدو هي القوة الأولى المهيمنة عالميا، ولكنها تواجه تحديات كبرى تتمثل في حجم الإنفاق العسكري، وتراجعها الاقتصادي والسكاني نسبيا، وتصاعد الثقافات الوطنية، وتراجع حصة الدولار في التبادلات والاحتياطات العالمية، وغياب التناغم الاجتماعي الوطني، وقد تلجأ للخروج من أزماتها إلى العزلة أو الاتحاد مع بريطانيا وربما أوروبا.

وقد بدأت روسيا منذ مجيء بوتين محاولات كبرى لوقف التراجع الذي بدأ مع غورباتشوف وتسارع في عهد يلتسين، ومازالت برغم ما يبدو من انهيارها تمتلك فرص العودة من جديد على المسرح العالمي باعتبارها قوة رئيسة منافسة للولايات المتحدة، فمازالت تملك قوة عسكرية ونووية هائلة، ومستوى تعليميا متقدما، وموارد كثيرة، وقد تدخل في شراكة مع أوروبا.

وقد تحولت اليابان إلى عملاق اقتصادي وإن بقيت قزما سياسيا ولا شيء يذكر في القوة العسكرية، وتسيطر على قطاعات تكنولوجية ومعلوماتية مستقبلية، ويتمتع سكانها بمستوى تعليمي متقدم، ولكنها تعاني من العزلة والتحولات الديموغرافية التي تضعف قواها العاملة وأنظمة الضمان الاجتماعي والادخار، وإذا استطاعت اليابان بناء تحالف مع الصين كما فعلت فرنسا وألمانيا فإنهما يستطيعان إعادة تنظيم آسيا وجعلها القارة الأقوى في العالم، وبالطبع فإن الولايات المتحدة ستبذل كل جهودها الممكنة لمنع ذلك التحالف.

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي يفرض نفسه كقوة مؤثرة ومستقلة بعد عقود من التبعية للولايات المتحدة، ويمتلك الاتحاد الأوروبي قوة اقتصادية معادلة للولايات المتحدة وتأثيرا سياسيا عالميا كبيرا، وبدأ اليورو الأوروبي يشكل تحديا للدولار، ويجري تنافسا سياسيا واقتصاديا بين الولايات المتحدة وأوروبا بقيادة فرنسا وألمانيا كما لوحظ في حرب الخليج الثالثة على سبيل المثال.


نشأ فراغ كبير في النظام العالمي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، وبرغم أن أميركا تبدو القوة الأولى المهيمنة عالميا، إلا أنها تواجه تحديات قد تجبرها على العزلة أو الاتحاد مع بريطانيا وربما أوروبا
وبدأت الصين تأخذ دورا اقتصاديا عالميا مهما مضيفة إلى رصيدها السكاني والعسكري دعامة رئيسة مهمة، وبرغم أن الصين تعاني من الفساد والنمو غير المتوازن بين الأقاليم الصينية والصراع السياسي في قمة هرم السلطة فقد تحولت إلى قوة عظمى وسوق كبير تتنافس عليه الشركات والاستثمارات الأجنبية.

ويبدو أن العالم متجه إلى نظام تحكمه الدبلوماسية متعددة الأطراف والأقطاب والتحول إلى مجموعة معسكرات وأقاليم متنافسة اقتصاديا وسياسيا، ويتميز هذا النظام بالاستقرار لأنه يعتمد على تشكيل ائتلافات متغيرة تصد كل محاولة للهيمنة عليه، ويعتمد على إستراتيجيات دفاعية أكثر منها هجومية، وقد يسمح ذلك بالسيطرة على العنف، ويشجع التعاون الدولي لحل المشكلات الإنسانية المشتركة.

العالم الإسلامي في خريطة القوى العالمية
هل يمكن للبلدان الإسلامية أن تكون كيانا دوليا أو قوة جديدة توازي في عناصرها التكوينية القوى الدولية الموجودة حاليا؟

ربما يبدو السؤال غير واقعي، ويطرح في سياق واقع يخلو ظاهريا من عناصر القوة الضرورية التي ينبغي على العالم الإسلامي أن يمتلكها لكي يشكل هذا التكتل الدولي القوي المفترض، ويجيء توقيته في لحظة تاريخية تبدو فيها الدول الإسلامية رازحة تحت سلسلة من الضغوط والإشكاليات الداخلية التي لا يمكن إيجاد حلول لها في الأمد المنظور.

ولكن اللحظة الراهنة تبدو عند النظر في السياق التاريخي مرحلة مؤقتة وإن كانت لا تعزز أي توقع مستقبلي إيجابي بأن العالم الإسلامي سينهض من جديد.

وكما تخطط الإدارة الأميركية والغربية سياساتها العامة وإستراتيجياتها على أساس أن العالم الإسلامي كتلة جغرافية وحضارية وجغرافية سياسية واحدة برغم إصرارها عند التنظيم الإجرائي على اعتبار العالم الإسلامي دولا مختلفة، فيجب الاستمرار في النظر والتفكير والتحليل على أساس أن العالم الإسلامي كتلة واحدة، والمحافظة على هذه الفكرة ثقافيا وسياسيا لأنها هي الأصل ولا تلغيها المرحلة المؤقتة التي تمر بالعالم الإسلامي.

وربما يستحيل فهم الأحداث والتفاعلات الجارية اليوم فيما يخص العراق وإيران وتركيا وسورية والخليج وأفريقيا إلا عند الأخذ بالاعتبار الرؤية الإستراتيجية التي ترى العالم الإسلامي كتلة واحدة والتعامل معه على هذا الأساس عند أميركا والغرب.

تضم منظمة المؤتمر الإسلامي في عضويتها 56 دولة إسلامية، ويوجد تجمعات إسلامية كبيرة في دول ليست إسلامية، مثل الهند وأفريقيا وفي أوروبا وأميركا.
ويمتلك الإسلام ديناميكية مؤثرة في السلوك والقيم وبعدا تكوينيا نفسانيا في المجتمعات الإسلامية، وكانت الخصوصية الدينية العامل الأساسي لتحفيز وانطلاق معظم حركات التحرر الوطني للشعوب الإسلامية.

وشهدت السبعينات موجة عودة فكرية وثقافية إلى الدين وتراجعا للأفكار والتنظيمات القومية والاشتراكية، وبدأت مرحلة إعادة صياغة للمجتمعات والعلاقات يمثل الإسلام مكونا مهما فيها، وبدأت الحركات الإسلامية تنال نصيبا مهما في المقاعد النيابية والبلدية والنقابية وتقود معظم الأعمال الأهلية المجتمعية والتطوعية والعامة.

كما شكلت الحركة الإسلامية العمود الفقري لعمليات مقاومة الاحتلال في فلسطين وأفغانستان ولبنان، وحركات الاستقلال والدفاع عن الذات في كشمير وآسيا الوسطى وروسيا والفلبين وبورما وغيرها من الأقطار والأقاليم.

وبدأت أيضا تقوم تجمعات إسلامية قائمة على تشكيل إستراتيجي أيدولوجي للعالم الإسلامي مثل منظمة المؤتمر الإسلامي، التي انبثق عنها أو يعمل بموازاتها منظمات إسلامية متخصصة مثل المنظمة الإسلامية للتربية والثقافة والعلوم، ورابطة العالم الإسلامي، ومنظمة الإذاعات الإسلامية، والبنك الإسلامي للتنمية.

ولكن الوحدة الحضارية والثقافية في العالم الإسلامي لم تمنع التعددية العرقية والإثنية وتأثيرها الحاد في بعض الأحيان في البلد الواحد أو على مستوى العالم الإسلامي، وقد ساهم الاستعمار الغربي في تغذية الصراعات القومية والعرقية وتشجيعها وتوظيفها، وهذا الرأي يمكن اقتباسه من كتاب غربيين، ويمكن الاستدلال على سبيل المثال بكتاب "الجغرافيا السياسية للعالم المعاصر" لمؤلفيه بيتر تيلور وكولن فلنت.

إن القراءة السياسية الاقتصادية للأرقام والإحصائيات الاقتصادية والتجارية في العالم الإسلامي تكشف عن حالة صعبة من التبعية للغرب، وتظهر ضعف التنسيق والعمل الاقتصادي بين دول العالم الإسلامي.

والمشكلة الأخرى في العالم الإسلامي هي التباعد في السياسة الخارجية والأنظمة السياسية بين دوله، وقد أدى هذا التباعد إلى تبني سياسات ومواقف خارجية متناقضة زادت من حدة التشتت بين الدول والمجتمعات الإسلامية.

ولكن يستطيع العالم الإسلامي أن يكون قوة عالمية اقتصادية وإستراتيجية دون موارد وشروط إضافية إلى ماهو قائم ومتحقق بالفعل، فما يلزم العالم الإسلامي هو إرادة سياسية وتوظيف معقول لموارده وإمكانياته، ولا يلزمه في الوقت الحاضر قوة عسكرية وتكنولوجيا إضافية، ولا أن يخوض حروبا وصراعات ومغامرات عسكرية وسياسية.


يستطيع العالم الإسلامي أن يكون قوة عالمية اقتصادية وإستراتيجية دون موارد وشروط إضافية, فما يلزم العالم الإسلامي هو إرادة سياسية وتوظيف معقول لموارده وإمكانياته
فالعالم الإسلامي كيان جغرافي ممتد في ثلاث قارات تتجاوز أهميتة الجيوبولوتيكية أي كيان عالمي آخر مثل الولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو فرنسا أو ألمانيا أو أوروبا مجتمعة، ويبلغ عدد سكان العالم الإسلامي حوالي مليار وثلاثمائة مليون نسمة بالإضافة إلى تجمعات إسلامية كبيرة في أفريقيا وآسيا وآووربا وأميركا.

ويمتلك العالم الإسلامي ثروات بترولية وزراعية وتعدينية تفوق ما لدى الكيانات الأخرى، ويمتلك عمقا تاريخيا وحضاريا وثقافيا وتعددية عرقية وثقافية غنية جدا، وفاعلية اجتماعية لدى الأفراد والمجتمعات تؤهل العالم الإسلامي للاحتمال والنهوض.
ويقدم الإسلام رصيدا معنويا كبيرا يجمع المسلمين ويوحدهم ويحفزهم للعمل والنهوض ويمدهم بثقافة محركة للعمل والتعلم.

وستكون نهضة العالم الإسلامي سريعة لا تحتاج إلى زمن طويل بسبب توافر المؤهلات والشروط اللازمة، ولكن المشكلة ستبقى في الابتداء الفعلي والإرادة والرغبة هذا بالإضافة بالطبع إلى التخلص من الهيمنة الاستعمارية التي تعي ربما أكثر من المسلمين هذه القوى والموارد الكامنة.
ــــــــــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : غير معروف