بقلم: غراهام فولر

لكل من يأمل في رؤية العالم العربي أقوى وأكثر ثقة بنفسه وقادرا على الاهتمام بشؤونه الخاصة في المنطقة، كان الاجتماع الأخير لوزراء الخارجية العرب مخيبا للآمال. فبينما أصدر الوزراء عدة بيانات حساسة ومفيدة -على الورق على الأقل- مازال البيان في الواقع ضعيفا ولن يكون له تأثير كبير في الأزمة العراقية. ومهما كانت النقاط الجيدة التي تضمنها البيان الختامي، فإن أهميته ضاعت بالإعلان الذي صدر عقب الاجتماع وصرح بأن القرارات غير ملزمة لأي دولة. ومن ثم لم يتعد البيان كونه مجرد حبر على ورق.


في الوقت الذي تخرج فيه معظم دول العالم في مظاهرات ضخمة احتجاجا على خطط الحرب الأميركية، نرى الشارع العربي يغط في سبات عميق

أمام العرب فرصة أخرى إذا ما عقدوا القمة العربية التي دعت إليها مصر في الأيام القليلة القادمة. ولكن يجب ألا نعقد آمالا كبيرة على ذلك، فالخلافات بين الدول العربية كبيرة والصوت العربي ما زال ضعيفا جدا، وفي الوقت الذي تخرج فيه معظم دول العالم في مظاهرات ضخمة احتجاجا على خطط الحرب الأميركية، نرى الشارع العربي يغط في سبات عميق. والآن نعلم السبب لهذا الصمت المطبق، فالحكام المستبدون في معظم العالم العربي يخافون من الرأي العام والتظاهرات الشعبية، كما أنهم يخافون أن ترى الشعوب العربية بوضوح مدى ضعف القادة العرب الذين ليس لديهم أي قاعدة مستقلة من التأييد الشعبي، ولهذا فإنهم لا يجترئون على معارضة واشنطن علانية. ولكن الفرنسيين والألمان الذين هم على شاكلة أميركا في كثير من الأمور، تزعما الحركة المناوئة للحرب ومعارضة واشنطن.

طبعا من السهل أن تتفق جميع الدول العربية على سياسة واحدة، وكذلك يصعب على الأوروبيين أن يفعلوا الشيء نفسه، كما أن هناك خلافات هائلة بشأن الحرب موجودة في أميركا أيضا. لكن العالم العربي يمكن أن يكون له تأثير هائل في عدم ترجيح خيار الحرب إذا ما وافقت جميع الدول العربية على عدم تقديم الدعم العسكري لخطة الحرب الأميركية.

إن من أهم الوسائل التي يستطيع بها العالم العربي المساعدة في السيطرة على منطقته هي أن يهتم أكثر بهذه المنطقة. وأنا أفهم تماما لماذا يحق للعرب أن يغضبوا من تدخل أميركي آخر في المنطقة، ومن حرب أخرى ضد المسلمين. ولكن الحقيقة هي أن صدام يعتبر مشكلة للمنطقة بتعديه على جيرانه وامتلاكه للأسلحة الكيميائية التي استخدمت بالفعل ضد جيرانه. نظام صدام معروف بوحشيته المرعبة، ومعظم العراقيين تقريبا يريدون التخلص منه، بالحرب إن لزم الأمر. ولكن هناك بعض العرب لا يبالون كثيرا لما يريده الشعب العراقي، ألا وهو التخلص من صدام. ويعتبر نظام صدام مصدرا للقلق والتعويق الإقليمي. والعرب وحدهم هم الذين ينبغي لهم أن يقلقوا بشأن صدام وعليهم أن يضغطوا عليه ليرحل ويعملوا على عزله دبلوماسيا وسياسيا واقتصاديا. ولكن بسبب غضب العرب على سياسات واشنطن، تلك السياسات السيئة غالبا، نجدهم بدلا من ذلك يتقبلون صدام بكل سرور، وهذا هو أحد أسباب ضعف العرب اليوم وهو السبب نفسه الذي حدا بأميركا وأوروبا وروسيا والصين لتحديد مصير العراق وليس العرب أنفسهم. لو كان العرب قادرين على مواجهة كثير من أزماتهم الإقليمية لأمكن تقليل التدخل الخارجي، والأوربيون مثال حي للعرب في هذه المسألة.

القادة العرب ليسوا بالطبع في موقف يسمح لهم بانتقاد قائد عربي آخر لسوء قيادته. ورغم أن صدام بالتأكيد هو أشرس وأقمع قائد عربي في القرن العشرين، فإن القادة العرب يخشون من انتقاد حكمه الاستبدادي، لأنهم قد يكونون عرضة للنقد كذلك. وهذا هو جزء من الحلقة المفرغة التي يعيش فيها العرب. فهم ضعفاء لأنه ليس لهم صوت مسموع أو سيطرة على زعمائهم أو سياساتهم، ثم هم غاضبون على واشنطن أو الغرب لتدخله في شؤونهم. بإمكان العالم العربي أن يحدث اختلافا كبيرا إذا رغب في تحديد مصير صدام، لكن من غير المحتمل أن يحدث ذلك لأن القادة العرب في أضعف حالاتهم. وهذا الموقف من المحتمل ألا يتغير في قمة عربية. وفشل العرب في تحديد معاييرهم الخاصة للقيادة يترك فراغا للآخرين للقيام بالمهمة.


القادة العرب في أضعف حالاتهم، وهذا الموقف من المحتمل ألا يتغير في قمة عربية. وفشل العرب في تحديد معاييرهم الخاصة للقيادة يترك فراغا للآخرين للقيام بالمهمة

في أميركا اللاتينية وافقت كل الدول على قطع العلاقات الدبلوماسية مع أي زعيم يصل إلى سدة الحكم عن طريق الانقلاب. وهذه السياسة لها بعض التأثير في تفكير أولئك الساسة الذين قد تسول لهم أنفسهم تجاهل الديمقراطية.

خيبة أمل الشعوب العربية كبيرة، ولكن كيف سنحدث التغيير؟ هناك بعض الدوافع للأمل، والمهم هو أن تنفذ جميع الدول المشاركة القرارات التي يتم التوصل إليها في القمم العربية. وكانت هذه هي النتيجة الرئيسية للمقترح السعودي الأخير للإصلاح في العالم العربي الذي كان من المقرر مناقشته في القمة العربية القادمة. لقد نص بيان 13 فبراير/ شباط 2003 على أنه "بعد مراجعة الموقف العربي الحالي وملاحظة الصمت الذي استمر طويلا جدا وعدم الاكتراث الذي يصعب فهمه فيما يتعلق بالتطورات في الساحة العربية، التطورات التي تشير إلى حالة الوهن وقلة الحيلة التي جعلت فئة من الناس تستسهل مهاجمة الأمة العربية والإضرار بمصالحها الشرعية، يعتقد ملوك ورؤساء الدول العربية أنه قد حان الوقت لحث الأمة وتعبئة طاقاتها".

كذلك أشار البيان إلى أن "أي شخص يعتقد أن هذه المبادئ لا تلائم مقاصده وأهدافه لا يمكن أن يكون جزءا من العمل العربي المنشود، وهذا الشخص حر في التصرف وفق معتقداته، ومن الآن فصاعدا لن يقبل قول لا يصدقه العمل ولا عهد دون وفاء، وسيظل هذا الميثاق ملزما لأي شخص يحمل المسؤولية بجد وعلى نحو صحيح، وأي شخص يحيد عن هذا سيحاسبه الله أولا ثم شعبه ثانية".

هذه كلمات مشجعة، فهي تشير إلى أنه حتى على أعلى مستويات الحكومات العربية هناك وعي بالمشكلة. لكن هذا ليس كل المشكلة، فالبيان أخفق في التسليم بالواقع القائم وهو أن معظم الأنظمة الحالية هي نفسها جزء من المشكلة وليست جزءا من الحل.

الضعف والعجز العربي في تحديد ومراقبة سياسات المنطقة سيئ للعرب، ولكنه سيئ أيضا للغرب لأنه سيؤدي إلى مواقف خطيرة وتدخل غربي. أعلم أن الغرب قد ساعد في إحداث بعض مشاكل الشرق الأوسط خاصة عبر افتقار السياسة الأميركية إزاء القضية الفلسطينية إلى التوازن. لكن العرب مازالوا بحاجة ليقرروا مصيرهم ومستقبلهم بأنفسهم كلما أمكن والمشاركة في حل المشاكل قبل أن يقوم باقي العالم بذلك نيابة عنهم بوسائل لن يرضى عنها العرب غالبا، فوجود المفتشين لا يكفي، ولكن إحداث نوع من التغيير للنظام سيساعد الشعب العراقي حتما في تخفيف حدة التوتر والبدء بالديمقراطية في المنطقة وكسب المزيد من الاحترام للعرب في جميع أنحاء العالم وأخيرا المساعدة في إبقاء القوات الأميركية بعيدا.

المصدر : غير معروف