بقلم: غراهام فولر*

ألقى الرئيس الأميركي جورج بوش يوم 25 يونيو/حزيران خطابه الذي طال انتظاره عن رؤيته للتسوية المستقبلية بين الفلسطينيين والإسرائيليين، فهل حمل هذا الخطاب أي شيء جديد؟ نعم هناك الكثير مما هو جديد فيه، ولكن هل سيحدث شيئا مختلفا في نهاية المطاف؟ إن ذلك سيعتمد على الكيفية التي ستنفذ بها واشنطن خطتها في هذا الشأن.

وبصراحة فإنني متشكك من إمكانية نجاح الخطة بالطريقة التي يريدها بوش أو الفلسطينيون، ولذلك أخشى أن الوضع القائم حاليا سيستمر وقتا طويلا وربما يسوء أكثر.


بوش على استعداد لتقديم "المساعدة" للفلسطينيين لإجراء الإصلاحات وتغيير الحكومة، لكنه أيضا يتوقع من الدول العربية تحمل الجانب الأكبر من هذه المسؤولية، ومع ذلك سيكون مخطئا جدا لو اعتقد أنه بموقفه هذا ستكون يده حرة في عمل ما يريد بالعراق
إن المبدأ الأساسي لأي تسوية نهائية وهو "الأرض مقابل السلام" ما زال موجودا، ولكن اتفاق أوسلو القديم ولى الآن إلى غير رجعة لأن الهدف النهائي الذي تم تحديده الآن بوضوح هو إقامة دولة فلسطينية. لكن شروطا جديدة بالغة الأهمية طرأت وهي أن على الفلسطينيين أن ينتخبوا قيادة جديدة ويقوموا بإصلاحات ديمقراطية واضحة ويضعوا حدا للفساد ويفرضوا سلطة القانون. وبالطبع فإن جميع الفلسطينيين سيرحبون بحكومة أكثر شفافية وبحكم القانون وإنهاء الفساد، وسيكون الفلسطينيون سعداء بإجراء انتخابات جديدة إذ تبقى السلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية أكثر ديمقراطية من كثير من الدول العربية.

لكن بوش طلب رسميا إحداث تغيير في القيادة الفلسطينية عن طريق الانتخابات. إن المطالبة بالانتخابات أمر جيد، ولكن ماذا لو فاز عرفات؟ والحقيقة أن حدسي يقول إن عرفات سيفوز وخصوصا إذا قرر الفلسطينيون الانتصار لكبريائهم ورفضوا الضغط الأميركي، فكيف ستتعامل واشنطن مع عرفات بعدها أو مع إدارته؟ هل ستضع التسوية النهائية على الرف وتنتظر لحين ذهاب عرفات؟ إن واشنطن لا تستطيع الانتظار كل هذه المدة إذا كان ذلك يعني استمرار التدهور في المشكلة الفلسطينية ويعني مزيدا من الغضب في العالم العربي. وليس من الواضح إن كان بوش راغبا بتقديم تنازلات في هذه المسألة في الوقت الحالي، كما أنه لم يترك لنفسه فسحة كبيرة للمناورة في هذا المجال.

دعونا لا ننسى أن بغداد بالنسبة لبوش أكثر أهمية من فلسطين، فهو لم يكن يريد أبدا الانغماس في تفاصيل القضية الفلسطينية بسبب تعقيداتها وبسبب المشكلات التي تخلقها لأي رئيس أميركي مع اللوبي الإسرائيلي، والآن مع اليمين المسيحي أيضا.

هل يعتقد بوش أنه بخطابه أصبح "يتعامل" مع القضية الفلسطينية عن طريق تقديم سياسة واضحة ومن ثم يمكنه الآن أن يمضي قدما في التعامل مع العراق ورئيسها؟ من الواضح أنه لا العالم العربي أو الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي يرى الخطاب كافيا.


لو قدم بوش جزرة للفلسطينيين فستكون متواضعة جدا، وعلى أي حال لن يحصل الفلسطينيون عليها في الوقت الحالي، إضافة إلى أن الجزرة قد تكون بيد الإسرائيليين أكثر مما هي بيد البيت الأبيض، لأن شارون هو الذي سيحدد ما إذا كان الفلسطينيون قد أوفوا "بالتزاماتهم" وبالتالي هو الذي سيحدد متى يعطيهم هذه الجزرة
وحتى لو كان تشكيل حكومة فلسطينية جديدة وإجراء إصلاحات أمرا جيدا فإن هذه العملية ستأخذ وقتا طويلا وستتطلب انهماكا أميركيا متواصلا وهو ما لا يريد بوش عمله، إضافة إلى ذلك لم يعط الرئيس بوش جدولا زمنيا لإقامة دولة فلسطينية وإنما قال إنها لن تأتي إلا بعد ثلاث سنوات على أقرب توقيت، وحتى لو جاءت بعد ثلاث سنوات ستكون دولة فلسطينية "مؤقتة" على كل الأحوال، حدودها وسلطاتها غير واضحة ومن المتوقع أن يواصل شارون خلال هذه المدة خلق "حقائق جديدة على الأرض" وهو ما يزيد التوتر أكثر. والواقع أنني أشك في استعداد الفلسطينيين للانتظار ثلاث سنوات حتى يروا أي منافع حقيقية من هذه الدولة.

وماذا عن إسرائيل؟ إن خطة بوش تتضمن من حيث المبدأ هدفا بعيد المدى لا يريده حزب الليكود، وهو دولة فلسطينية وتجميد المستوطنات. لكن العبء المباشر لا يقع على إسرائيل، فهي ليس عليها عمل شيء سوى انتظار الإصلاحات الفلسطينية والحكومة الفلسطينية الجديدة. لكن موقف شارون هنا قوي، فمن المؤكد أن العمليات الانتحارية ستستمر في إسرائيل وبالتالي سيرد شارون عليها وقد يحتل مزيدا من الأراضي الفلسطينية. ومثل هذه السياسات من جانب الليكود تعمل على تقوية الجماعات الفلسطينية الراديكالية من مثل حماس والجهاد الإسلامي وكتائب الأقصى.

والحقيقة أن كلا من شارون والراديكاليين الفلسطينيين يستفيدون من الإرهاب لأن الجانبين لهما أهداف راديكالية وهي أخذ كل فلسطين وليس جزءا منها فقط، ولذلك أعتقد أنه من الواضح أن شارون سيتمكن من إحباط أي جهود فلسطينية لإحداث إصلاح حقيقي وإسكات الإرهاب. وماذا لو شرع شارون في بناء سور "دائم" بين إسرائيل وفلسطين؟ إن حزب الليكود المتشدد لا يحبذ مثل هذا السور لأنه يعني نهاية للمستوطنات، لكن شارون قد يستمر في هذه الخطة والتي تعني أن إسرائيل هي التي ستحدد الحدود النهائية وليس المفاوضات بين الجانبين.


لا أتوقع رؤية أي شيء إيجابي في فلسطين ما لم تزدد الأمور هناك سوءا وهو ما سيرغم الجميع على إعادة النظر في المشكلة مرة أخرى
إن ما هو إيجابي أيضا في خطاب بوش هو أنه اعتبر القدس جزءا من التسوية وأنه ذكر الحاجة لحل مشكلة حقوق اللاجئين الفلسطينيين. كما أن بوش أتى على ذكر الحضارة الإسلامية وعبر عن احترامه لها. وكانت ملاحظاته عن حاجة جميع المسلمين لحياة أفضل وحرية أكبر علامة إيجابية هي الأخرى، ولكن ما الذي سيفعله لتنفيذ هذه الأهداف المثالية في الدول العربية؟ وفي خضم حرب على الإرهاب هل سيضغط بوش على الأنظمة الموجودة لكي تمنح مواطنيها المزيد من حقوق الإنسان والديمقراطية؟

واضح أن بوش أطلق بعض الملاحظات الإيجابية في خطابه وهي من حيث المبدأ مرضية، وقد يكون الرئيس الأميركي مخلصا وصادقا في هذا الجانب، لكن الخطاب يجمع بين وجهات نظر مجموعتين مختلفتين على الأقل: فالجانب الأكثر مثالية ودبلوماسية في الخطاب يعكس رغبة وزارة الخارجية، في حين يمثل الجانب الذي يطالب بأمور جديدة -وهو لب الخطاب- وجهات نظر نائب الرئيس ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رمسفيلد ونائبه وولفويتز.


أشك في قيام بوش بخطوات إيجابية كثيرة لتغيير الوضع القائم، والواقع أن خطته لا تتضمن أي مسؤولية أو واجبات من جانب واشنطن تجاه حل المشكلة الفلسطينية

ومع ذلك أشك في قيام بوش بخطوات إيجابية كثيرة لتغيير الوضع القائم. والواقع أن خطته لا تتضمن أي مسؤولية أو واجبات من جانب واشنطن تجاه حل المشكلة الفلسطينية. إنه على استعداد لتقديم "المساعدة" للفلسطينيين لإجراء الإصلاحات وتغيير الحكومة، لكنه أيضا يتوقع من الدول العربية تحمل الجانب الأكبر من هذه المسؤولية. ومع ذلك سيكون بوش مخطئا جدا لو اعتقد أنه بموقفه هذا ستكون يده حرة في عمل ما يريد بالعراق.

إجمالا فإن التنفيذ الحقيقي لهذه الأفكار قد لا يجلب النجاح رغم تضمن الخطاب لعدد من النقاط المثيرة والأفكار الجديدة.

إن إنهاء الاحتلال وحده هو الكفيل بتحقيق ذلك، لكن بوش لم يشر إلى هذه المسألة كمهمة أولى، لأنه لا يرى نهاية للاحتلال إلا بعد أن ينفذ الفلسطينيون المطلوب منهم. ولو قدم بوش جزرة للفلسطينيين فستكون متواضعة جدا، وعلى أي حال لن يحصل الفلسطينيون عليها في الوقت الحالي، إضافة إلى أن الجزرة قد تكون بيد الإسرائيليين أكثر مما هي بيد البيت الأبيض، لأن شارون هو الذي سيحدد ما إذا كان الفلسطينيون قد أوفوا "بالتزاماتهم" وبالتالي هو الذي سيحدد متى يعطيهم هذه الجزرة.

ستحاول السلطة الفلسطينية التعامل إيجابيا مع كل ما تقدم وخياراتها في ذلك محدودة جدا. لكن خطاب بوش لم يأت بشيء كبير لحل المشكلة. وإذا اعتقد الرئيس الأميركي أنه قدم "رؤية إستراتيجية" للمشكلة الفلسطينية فإنه اعتقاد خاطئ. إنني لا أتوقع رؤية أي شيء إيجابي في فلسطين ما لم تزدد الأمور هناك سوءا، وهو ما سيرغم الجميع على إعادة النظر في المشكلة مرة أخرى.

المصدر : غير معروف