بقلم: غراهام فولر

ظلت الدراسة التي وضعها صموئيل هانتينغتون بعنوان "الصدام بين الحضارات" محل بحث ومناقشة منذ سنوات عديدة في الغرب والشرق الأوسط على حد سواء، وعندما كادت تلك المقولة أن تختفي وتتلاشى، عادت هجمات 11 سبتمبر لتحييها من جديد. ومن الواضح أن هناك مؤيدين للصدام بين الحضارات في كل من الغرب والعالم الإسلامي. نريد هذه المرة أن نقرر إن كنا حقا نعتقد هذه المقولة أو -وهو الأكثر أهمية- إن كنا نريد أن نعتقدها أم لا.


مقولة هانتينغتون لا تستطيع تفسير تلك الحروب التي اندلعت داخل الحضارات الكونفوشيوسية كما حدث بين الصين وفيتنام، أو بين اليابان وكوريا أو بين فيتنام وكمبوديا أو بين اليابان والصين.. إلخ. لقد حارب المسلمون بعضهم من أجل الحكم والأراضي منذ القرن الأول للإسلام

كنت دائما أتخذ موقفا مضادا من نظرية هانتينغتون. وردي عليه هو: نعم هناك توترات بين الحضارات، لكن المشكلة ليست في الحضارات وإنما في المصالح المختلفة. فهناك نزاعات وتوترات بين كل الجماعات سواء بين حضارة وأخرى أو داخل الحضارات نفسها. انظروا إلى الحروب بين الأوروبيين أنفسهم والتي دامت قرونا عديدة.

كما أن مقولة هانتينغتون لا تستطيع تفسير تلك الحروب التي اندلعت داخل الحضارات الكونفوشيوسية كما حدث بين الصين وفيتنام، أو بين اليابان وكوريا أو بين فيتنام وكمبوديا أو بين اليابان والصين.. إلخ. لقد حارب المسلمون بعضهم من أجل الحكم والأراضي منذ القرن الأول للإسلام. إننا قطعا لا نستطيع تفسير هذه الصراعات بالقول إنها بسبب الاختلافات في الحضارة أو الدين.

لقد اندلعت بعض الحروب في أوروبا بين مجموعات دينية مختلفة، بعضها بروتستانت، وبعضها الآخر كاثوليك، لكنك عندما تتفحص هذه النزاعات تجد أن هناك أسبابا أخرى أكثر أهمية وراءها: نزاعات اقتصادية أو على الأراضي، أو على الحكم أو نزاعات شخصية أو غير ذلك. فعندما يحارب البشر بعضهم يحاولون تبجيل صراعهم باسم شيء عظيم. إننا لا نقول إننا نحارب من أجل المصالح الاقتصادية أو من أجل الأراضي، بل نفضل القول إنها باسم الله، أو باسم عرق متفوق (كما هو الحال عند النازية)، أو باسم قوى التاريخ والطبقة العاملة (الشيوعية)، أو من أجل القيم المسيحية (الإمبريالية الغربية في القرن التاسع عشر). لقد ظلت آراء هانتينغتون مرفوضة تدريجيا من جانب غالبية الغربيين حتى يوم 11 سبتمبر. والآن يثير أسامة بن لادن هذا الموضوع من جديد.


واشنطن قلقة دائما من انتشار الديمقراطية في العالم الإسلامي بسبب الخوف من سيطرة الأصوليين على الحكم عن طريق الانتخابات.
إن كثيرا من الكتاب الغربيين -وخصوصا أولئك الذين لا يعرفون عن الإسلام سوى القليل- يقولون إن الإسلام معادٍ للغرب عداء دائما، وإن هذا صراع بين القيم. ولكن هل هو حقا صراع بين القيم؟ لقد قلت في كثير من كتاباتي إن معظم المسلمين هم في الحقيقة معجبون بالقيم الغربية، أو على الأقل بالقيم السياسية الغربية، إن لم يكن بالقيم الاجتماعية أيضا.

وأزعم أن كثيرا من المسلمين غاضبون لأنهم يحبذون اعتناق القيم السياسية الغربية من ديمقراطية وحقوق إنسان واحترام للتعددية في المجتمعات، ولأن واشنطن قلقة دائما من انتشار الديمقراطية في العالم الإسلامي بسبب الخوف من سيطرة الأصوليين على الحكم عن طريق الانتخابات. ومع ذلك هناك بعض المسلمين الذين يقولون إن الإسلام يرفض رفضا قاطعا القيم الغربية التي يرونها "مادية" وملحدة وتنكر شريعة الله.

لقد كرر الرئيس بوش أكثر من مرة أن الحرب ليست حربا ضد الإسلام إنما "حرب على الإرهاب". لكن بعض المسلمين يتشككون من هذا الزعم ويعتقدون أن هذه بالفعل حرب على الإسلام. وهم يعتقدون أن أحد أهدافها إضعاف العالم الإسلامي والسيطرة عليه. لقد أصبح هؤلاء الناس من حزب هانتينغتون ومؤيدي آرائه. إن حركة طالبان تؤيد وجهة النظر هذه. فقد أوضح الملا عمر أن الحرب في أفغانستان هي حرب بين الإسلام والكفر، فهو أيضا من مؤيدي هانتينغتون دون أن يعرف.

إن العالم الإسلامي بحاجة في هذه المرحلة إلى مناقشة جادة لمقولة هانتينغتون مرة أخرى. هل يعتقد المسلمون حقا أن هذه حرب بين الإسلام والكفر؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن صورة مستقبل العلاقة بين الشرق والغرب تبدو قاتمة جدا، لأنه إن كان هناك صدام حقيقي بين الحضارات أو الأديان فإنه لن يكون هناك حل للمشكلة ولا تفاهم متبادل. إننا في هذه الحالة نسير نحو الصدام. كما أنه لو اعتقد المسلمون بوجود صدام حتمي بين الحضارات، فإن مثل هذا الصدام سيحدث حقيقة.


النقاش لابد أن يكون داخل الإسلام أولا، أو بين المسلمين أنفسهم. هل يعتقدون أن الإسلام يجب أن يتصادم مع الكفر؟ أو بالأحرى، هل يمثل الغرب الكفر؟ ما هو "الكفر"؟ هل يشمل المسيحيين واليهود، أو المتدينين الهندوس والبوذيين؟
والحقيقة أن النقاش لابد أن يكون داخل الإسلام أولا، أو بين المسلمين أنفسهم. هل يعتقدون أن الإسلام يجب أن يتصادم مع الكفر؟ أو بالأحرى، هل يمثل الغرب الكفر؟ ما هو "الكفر"؟ هل يشمل المسيحيين واليهود، أو المتدينين الهندوس والبوذيين؟ فبالنسبة لبعض الوهابيين، فإنه حتى المذاهب الأخرى تعتبر كافرة. فالشيعة بنظرهم كفار على سبيل المثال. وباختصار، هناك تكفير لغالبية البشر. إن هذا لا يبدو مستقبلا واعدا لعولمة الإسلام. هل ينظر إلى الحكومات والمجتمعات الغربية على أنها فاشلة اليوم مقارنة بالمجتمعات والحكومات المسلمة؟ إن كان كذلك، فإنه لا أمل يرجى من المصالحة أو التعاون.

وماذا عن المسلمين الذين يعيشون في الغرب، الذين اختاروا طوعا أن ينتقلوا إلى الغرب؟ إن بعض الكتاب المسلمين في الغرب، وبعض الكتاب من جماعة المهاجرين في إنجلترا، أو من البرلمان الإسلامي في بريطانيا يكتبون بشكل جاد عن المشكلات التي يواجهها المسلمون الذين يعيشون في دار الكفر. هناك نقاشات تدور حول إن كان يحق للمسلمين شرعا أن يعملوا في الدوائر الحكومية في بريطانيا والولايات المتحدة، أو إن كان يجوز التصويت في الانتخابات أم لا. وما زال هناك مقالات مطولة وتحليلات نشرها حزب التحرير تنص بوضوح على أن الديمقراطية لا تتوافق مع الإسلام. فهم يرفضون الديمقراطية البرلمانية لكونها تمثل القوانين الوضعية وليس الشريعة الإلهية. حتى أنهم يدعون أنه لا يجوز تأييد القوانين التي تتوافق مع الإسلام بدعوى أن النظام نفسه الذي يصدر هذه القوانين هو نظام كافر.

أعرف أن كثيرا من المسلمين لا يتفقون مع هذه المواقف. وبالتأكيد فإن غالبية المسلمين الذين هاجروا إلى الغرب لهم وجهة نظر مختلفة بشأن ما يعنيه الإسلام.
كما أن الخط العام عند غالبية الإسلاميين مثل (الإخوان المسلمون) قد لا يتفقون مع هذه الطروحات. لكن الحقيقة الواضحة هي أن مثل هذه الطروحات موجودة وأنها تنتشر بشكل واسع من خلال المقالات في الصحف الإسلامية وفي الإنترنت. وفي كثير من الأحيان يستشهد بها الغربيون الذين لا يحبون الإسلام أو الذين يجهلون الإسلام أو أولئك الذي يخشون الإسلام بسبب هذه الأفكار.


هل يرغب المسلمون بقبول نظرية صموئيل هانتينغتون؟ هل هانتينغتون والملا محمد عمر يقولان الشيء نفسه؟.

نعم، ينبغي على الغرب أن يعمل أكثر لكي يتعلم الإسلام ويفهمه. ولكن أي إسلام؟ وإسلام من؟ حتى الآن فإن الرؤية الراديكالية عن الإسلام هي التي استحوذت على اهتمام الغرب من خلال الأعمال التي قام بها أسامة بن لادن. وقد يجادل المسلمون بأن هذا ليس هو الإسلام الحقيقي، لكن مثل هذه الآراء يقول بها كثيرون غيرهم من المسلمين والإسلاميين وليس أسامة بن لادن وحده. إن غالبية المسلمين الذين يتبنون هذه الآراء ليسوا من الإرهابيين أو المتشددين على الإطلاق لكنهم تبنوا وجهات نظر متطرفة. قد يكون ذلك بسبب الإحباط من الغرب أو من حكوماتهم، ولكن هل يمكن أن يؤدي المزيد من الطروحات المتطرفة إلى نجاح أعظم للعالم الإسلامي والأمة الإسلامية؟.

آمل أن يقوم العالم الإسلامي بمناقشة هذه الطروحات مناقشة أكثر عمقا في هذه المرحلة المفصلية الهامة من العلاقة بين الشرق والغرب. هل يرغب المسلمون بقبول نظرية صموئيل هانتينغتون؟ هل هانتينغتون والملا محمد عمر يقولان الشيء نفسه؟.

للمشاركة بالرأي والتعليق

المصدر : غير معروف