بقلم/ غراهام فولر

"العالم الإسلامي" تعبير فريد في معناه. إن هذا العالم -في اللغة الإنجليزية على الأقل- هو الوحيد الذي نتحدث عنه. وفي ذات الوقت فنحن لا نشير إلى "عالم مسيحي" أو "عالم لاتيني" -إشارة إلى أميركا الجنوبية- أو إلى عالم بوذي أو كنفوشيوسي. هناك فقط عالم إسلامي، ويوحي هذا التعبير بأن المسلمين يعيشون في عالمهم الخاص الذي لا يملك الكثير من القواسم المشتركة مع أجزاء العالم الأخرى.


وصف بن لادن بجيفارا القادم أدى بشكل مباغت إلى تحريره من النطاق الثقافي للعالمين العربي والإسلامي ووضعه في إطار جديد ذي معالم كونية
وينظر العالم الإسلامي وكذلك الغرب إلى زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن بوصفه منتميا إلى العالم الإسلامي، فهو يطرح قضيته بلغة إسلامية على الرغم من أن فهمه للإسلام مغاير لما يراه كثير من المسلمين.

لذا فقد دهشت وأنا أتجول في حرم إحدى الجامعات قبل بضعة أسابيع لرؤية قميص يرتديه أحد الطلاب وعلى صدره صورة بارزة لأسامة بن لادن، ولا يبدو على الطالب الذي يرتدي القميص أنه ينتمي إلى إحدى دول الشرق الأوسط.

أما العبارة المصاحبة لصورة بن لادن فقد كانت أكثر إثارة، إذ تقول "أسامة بن لادن تشي جيفارا القادم". ومما يجدر ذكره أنني لم أر مثل هذا القميص في القاهرة أو في كراتشي وإنما في أوكلاند بنيوزيلندا.

ما رأيته هو قميص واحد فقط، ولكنني لا أستطيع أن أجزم كم عدد الأشخاص الآخرين الذين يرتدون القميص نفسه، وبالطبع فإن مما يزعج الكثيرين رؤية قميص يجعل من بن لادن بطلا، علما بتبنيه لأعمال العنف والدمار والإرهاب.

وقد أصيب العالم الإسلامي بالكثير من الضرر من قبل أسامة بن لادن حيث تولى تخريب العلاقات مع الغرب وتقوية نفوذ العناصر المتطرفة في إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش في مواجهة العالم الإسلامي، وليس هذا ما أود مناقشته في هذا السياق. بل المهم هنا هو نص الرسالة الذي يتجاوز كثيرا مجرد الافتتان ببن لادن من قبل الشباب المسلم كما درجنا على ملاحظته في الشرق الأوسط، فوصف بن لادن بتشي جيفارا القادم أدى بشكل مباغت إلى تحريره من النطاق الثقافي للعالمين العربي والإسلامي ووضعه في إطار جديد ذي معالم كونية.


عند المقارنة بين بن لادن وجيفارا لابد من اعتبار الأول الأنجح في تحقيق الأهداف، وذلك لضخامة الأثر الذي تركته هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على العالم أكثر مما فعله جيفارا عبر نطاقه المحدود في أميركا اللاتينية
وهكذا صارت لبن لادن رسالة موجهة إلى الآخرين بجانب المسلمين، وربما كان الشخص الذي وضع الصورة والشعار على القميص من غير المسلمين مما يطرح سؤالا عن المعنى الحقيقي لهذه الظاهرة.

ففي المقام الأول يعتبر العالم الإسلامي بن لادن رمزا للمقاومة الموجهة ضد الهيمنة الأميركية، كما أن علينا أن نتذكر أن أولى الفتاوى التي أصدرها بن لادن كانت موجهة نحو الوجود العسكري الأميركي في المملكة العربية السعودية.

ولم يكتف بن لادن بذلك بل تجاوز مضمون الفتوى وبدأ في الدعوة إلى الكفاح ضد الأميركيين كافة، ولاحقا ضد كافة اليهود باعتبارهم أعداء الإسلام. لقد تخطى بن لادن مصدر الاستياء في المملكة إلى إدانة الوجود الأميركي في العالم الإسلامي بأسره.

إن الرسالة التي وصفت بن لادن بتشي جيفارا القادم توحي ببروز أجندة هي أعظم شأنا مما كان يحلم بن لادن نفسه بتحقيقه. فقد كان جيفارا بالطبع رمزا للنضال الشجاع المستميت ضد القوى المؤيدة للوضع الراهن في أميركا اللاتينية آنذاك خاصة ضد النفوذ الأميركي هناك، ورمزا لمقاتلي حرب العصابات المقهورين. وقد نشرت ثلاثة كتب جديدة العام الماضي تحمل قصة حياته، مما يدل على استمرار أسطورة جيفارا.

وإذا ما رأينا المقارنة بين بن لادن وتشي جيفارا فلابد من اعتبار بن لادن الأنجح في تحقيق الأهداف، وذلك لضخامة الأثر الذي تركته هجمات 11 سبتمبر/ أيلول على العالم أكثر مما فعله تشي جيفارا عبر نطاقه المحدود في أميركا اللاتينية. لقد ترك بن لادن أثرا كبيرا على العالم الإسلامي وعلى الغرب ولم يصل تأثيره إلى النهاية بعد.

إن ذاك القميص أدى إلى ربط بن لادن بمرحلة نضالية أكثر اتساعا وذات هدف رئيسي هو معاداة الولايات المتحدة المصحوبة بالعنف في كل أنحاء العالم.

وبطبيعة الحال فإن للعديد من غير المسلمين شكاوى مغايرة لتلك التي يجأر بها المسلمون، فهم أقل وعيا واهتماما بالقضية الفلسطينية وبالوجود العسكري الأميركي في المملكة العربية السعودية.. إنهم أكثر اهتماما بقضايا الإمبريالية العالمية وبالطبع قوى الليبرالية الجديدة والعولمة وهي أمور التزم بن لادن الصمت إزاءها في أغلب الأحيان.

ولنا أن نتساءل: هل تقوم الولايات المتحدة حاليا بدفع ثمن توليها لدور القوة العظمى الوحيدة في العالم؟ وهل ما نشهده الآن ليس فقط رد فعل في الشرق الأوسط على الحرب ضد الإرهاب، ولكن أيضا على الوجود والنفوذ الأميركي في كافة أنحاء العالم؟


إن هجمات سبتمبر/ أيلول ساعدت على تسريع خطى التورط الأميركي في مختلف أنحاء العالم، ولم يقتصر هذا التدخل على المجالين السياسي والاقتصادي هذه المرة وإنما تعداهما إلى التدخل العسكري المباشر كما حدث في أفغانستان والعراق
وكما درسنا في العلوم السياسية فإنه في حال بروز قوة مهيمنة في أي وقت، فإن غالبية بقية دول العالم ستتضامن لمواجهة هذه القوة.

إذن فإن بروز ظاهرة المقاومة ضد واشنطن كان لابد لها من الظهور بالتدريج على أي حال، بدءا من سقوط الاتحاد السوفياتي. لكن أحداث سبتمبر/ أيلول والحرب التي تلتها على الإرهاب ساعدت في تسريع خطى التورط الأميركي في مختلف أنحاء العالم. ولم يقتصر التدخل الأميركي فقط على المجالين السياسي والاقتصادي هذه المرة، وإنما تعداهما إلى التدخل العسكري المباشر كما حدث في أفغانستان والعراق. لذا فإن تطور القوى المواجهة نما بخطى أسرع مما كان يمكن أن تكون عليه الحال دون أحداث 11 سبتمبر/ أيلول.

ولكن هل يعقل أن تكون الولايات المتحدة قد شرعت حاليا في توحيد القوى المنشقة ليس فقط في العالم الإسلامي ولكن على مستوى قوى اليسار كذلك؟ لقد أصبح الدين -وهو أحد أدوات التعبير عن المظالم في العالم الإسلامي- شريكا لليساريين الناقدين لمظاهر الظلم في العالم مع التركيز على الهيمنة الأميركية المرتبطة بالرأسمالية والعولمة والبيئة.

ومن الصعب الحكم على مستقبل هذا التوجه الجديد المناهض للولايات المتحدة خاصة في مجال الحرب على الإرهاب. وربما ليس مطلوبا منا التركيز أكثر مما يجب على قميص واحد ظهر في نيوزيلندا، ولكن إن كان في وسع صبيان من أصول أنغلوسكسونية في نيوزيلندا ارتداء قميص من هذا النوع، فعلينا أن نتأمل مقدار الشعبية التي يمكن لمثل هذا القميص أن يحظى بها في أميركا اللاتينية أو حتى في أفريقيا، علما بوجود أسباب ومظالم خاصة بكل منطقة.

وربما لن يرتكب معظم الذين يرتدون هذا القميص أعمال عنف، ولكنهم قد يبدون تعاطفهم مع من يقومون بأعمال العنف. فهل يحلم بن لادن بأن يكون ذات يوم بطلا من أبطال العالم الثالث؟
___________________________
* مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية

المصدر : الجزيرة