بقلم غراهام فولر

تعتبر مبادرة السلام السعودية غريبة من حيث منشئها، وقد أوجدت وضعا سياسيا أكثر إثارة مما كنا نتوقع. كما نستطيع تكوين رؤية إيجابية أو سلبية عن مستقبلها في آن واحد، فهي من ناحية تعتبر تقدما كبيرا على طريق التسوية العربية الإسرائيلية في وقت وصلت فيه الأزمة إلى أسوأ وضع منذ عدة عقود، ومن ناحية أخرى إذا أريد لها أن تنجح فلا بد من تقديم تنازلات ضخمة من حكومة الليكود والكثير من جانب واشنطن وبعض الشيء من العالم العربي أيضا، وهو ما لن يكون من السهل تحقيقه.


مبادرة السلام السعودية عامة تغطي غالبية القضايا التي تحتاجها أي مبادرة سلام ناجحة، ومع ذلك فهي لا تطرح مسألة الحدود أو المياه ولم تأت على ذكر عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وكان منشأ مبادرة السلام غريبا لأنها لم تعلن رسميا وإنما بشكل غير مباشر عبر مقال كتبه توماس فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز قبل بضعة أسابيع عندما كتب أنه تبادل مع ولي العهد السعودي الأمير عبد الله "وجهات النظر نفسها" عن سبل التوصل إلى تسوية. وكما نعرف، فإن المبادرة غير مفصلة لكنها تغطي بشكل عام معظم القضايا التي تحتاجها أي مبادرة سلام ناجحة كالاعتراف الدبلوماسي من جانب العالم العربي بإسرائيل، وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة على أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة وتكون مرتبطة ببعضها وعاصمتها القدس الشرقية، وإزالة جميع المستوطنات الإسرائيلية المقامة في الضفة والقطاع. ولا تطرح المبادرة مسألة الحدود أو المياه بالتفصيل، كما أنها لم تأت على ذكر حق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة. لكن هذه المسائل وخصوصا حق العودة يمكن أن تكون متضمنة في المفاوضات. ويتفق غالبية المراقبين على أن حق الفلسطينيين الكامل بالعودة إلى "إسرائيل" ليس واقعيا على الرغم من ضرورة إقرار إسرائيل بمسؤوليتها القانونية عن خلق مشكلة اللاجئين وبالتالي وجوب دفع تعويضات مالية للاجئين ووضع خطة ما لإعادة توطينهم في أماكن مختلفة.

غير أن ما يجعل هذه المبادرة مثيرة للاهتمام هو أنها تلقى اهتماما كبيرا وإيجابيا من جانب الغرب. ومع ذلك نعلم أن هذه المبادرة مرفوضة كليا من جانب شارون وحزب الليكود. وحتى لو قدم شارون تنازلات ولو بسيطة بشأن المبادرة فإن بنيامين نتنياهو ينتظر للهجوم عليه ومحاولة تولي قيادة حزب الليكود من جديد عن طريق الرفض التام لقيام أي دولة فلسطينية.


سياسة واشنطن تجاه المبادرة غير واضحة ومن غير المعروف إن كان الرئيس بوش راغبا بتغيير سياسته الشرق أوسطية المؤيدة لشارون لكنه قد يفعل ذلك إذا رأى أن دعمه لشارون فيه خطر على المصالح الأميركية في المنطقة.

ورغم ذلك تظل سياسة واشنطن بشأن هذه المسألة غير واضحة، ولابد أن أعترف شخصيا أنني غير متأكد من الموقف الذي يتبناه الرئيس بوش بشأن هذه المبادرة. ففي البداية اعترف كولن باول اعترافا مهذبا بالمبادرة رغم أن واشنطن لم تأخذها على محمل الجد، لكن عندما بدأ العالم العربي يناقشها بدأت واشنطن تعطيها مزيدا من الاهتمام والجدية. والسؤال الهام هو: هل الرئيس بوش راغب حقا بتغيير مسار سياسته الشرق أوسطية مرة أخرى بحيث ينتقل هذه المرة ضد شارون بعد أن تبنى سياساته منذ 11 سبتمبر/أيلول؟ وهل أدرك بوش تماما أن سياسات شارون تمثل نهاية ميتة ولن يكتب لها النجاح أبدا؟ وهل بوش على استعداد لتحدي حزب الليكود واللوبي الصهيوني الأميركي الذي يدعم الليكود؟ بصراحة أجد من الصعب تخيل بوش وهو يقوم بهذا العمل. لكنه قد يعمله إذا اعترف أن الدعم الأميركي لشارون يصبح أكثر خطورة على منطقة الشرق الأوسط والمصالح الأميركية وحتى على الحرب التي أعلنها بوش على الإرهاب.

إن ما يثير الاهتمام حتى الآن هو أن شارون ظل يلتزم الحذر في الحديث عن المبادرة على الرغم من أنه ليس من النوع الحذر في العادة، فمن الواضح أن المبادرة بالنسبة له مرفوضة تماما لأنها تتضمن إنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، وتفكك المستوطنات اليهودية التي تعتبر عزيزة على قلبه، وتعيد القدس الشرقية إلى الفلسطينيين. ومع ذلك لم يستنكر شارون المبادرة بل إن إسرائيل عملت ضجة من هذه المبادرة بادعائها أنها تحتوي على بعض "النقاط الإيجابية"، وهو موقف أرى أنه يعني بأن شارون يتحسس خطرا حقيقيا من رفض المبادرة بشكل صريح. ومن المؤكد أنه يشعر بالضيق التام من احتمال تبني واشنطن لهذه المبادرة. والواقع أنه يعول على العالم العربي نفسه في تخريب المبادرة وهو ما يحرر إسرائيل من أي انتقاد أو لوم عند انهيارها.

والواقع أن الدعوات الإسرائيلية لولي العهد السعودي الأمير عبد الله لزيارة القدس صدرت في الأساس لوضع الأمير عبد الله في موقف حرج ومن ثم إثبات أن السعوديين "ليسوا جادين بخصوص المبادرة" إذا رفض الأمير عبد الله زيارة القدس كما فعل السادات. إن أكبر أمل لدى شارون هو أن تفشل القمة العربية في لبنان هذا الشهر في الوصول إلى اتفاق بشأن المبادرة، وهو احتمال وارد. وفي هذا المجال فإن أمام العرب فرصة كبيرة لحشر إسرائيل في الزاوية عن طريق قبولهم المبادرة التي هي ليست كاملة بالطبع لكنها تخلق مشكلات لإسرائيل أكثر مما تسببه للعرب.

وفي هذا المقام لست واثقا كثيرا من أن الرئيس بوش سيقبل المبادرة. وبصراحة أشك بأنه لا يعرف ما ينبغي عليه عمله. وليس من شك في أن كثيرا من المسؤولين في إدارة بوش يعرفون أن سياسات شارون فاشلة وخطيرة، لكن بوش نفسه يبدو أنه رهينة لحربه على الإرهاب والتي دفعته لقبول تبريرات شارون بأن المشكلة هي مشكلة إرهاب وليست مسألة احتلال إسرائيلي. فهل بوش على استعداد للتخلي عن شارون لمصلحة المبادرة السعودية إذا وافق عليها العرب؟

إن صمت إسرائيل واللوبي الإسرائيلي في واشنطن حتى الآن يعكس قلقهم من الوضع، فهم الآن لا يطيقون اتخاذ موقف سلبي تجاه المبادرة، ولكن إن بدا لهم أن العرب سيقبلونها فإنه سيتحتم على شارون والليكود واللوبي الإسرائيلي في واشنطن إعلان الحرب الشاملة عليها وهو ما سيكون مكلفا ومدمرا بالنسبة لهم، وسيكون الليكود في حالة حرب ليس مع العرب وواشنطن فقط، وإنما سيكون عليهم مواجهة دعم هام آخر للمبادرة من أوروبا وروسيا والصين وغالبية دول العالم. ومن شأن هذا الموقف عزل إسرائيل تماما عن العالم كما أن بوش نفسه سيجد أنه من الصعب عليه دعم شارون. وفي هذه الحالة يمكننا أن نتوقع قيام شارون بإطلاق العنان لمغامرات عسكرية كبيرة وجديدة أو قيامه بتدمير السلطة الفلسطينية لكي يمنع تنفيذ المبادرة.


الكرة في ملعب العرب للموافقة على المبادرة وبعدها ستكون في ملعب واشنطن.. الغالبية العظمى من الشعب الأميركي مستعدة لقبول المبادرة السعودية ويعتبرونها تسوية عادلة.

ولذلك فإن الكرة الآن في ملعب العرب من أجل الموافقة على المبادرة في القمة، ثم بعد ذلك ستكون الكرة في ملعب واشنطن، فهل سيكون بوش عندها على استعداد للتخلي عن شارون تخليا كاملا؟ أعتقد أن الغالبية العظمى من الأميركان مستعدة لقبول هذه المبادرة وسيعتبرونها تسوية عادلة. كما أنني أعتقد أن غالبية اليهود الأميركان سيقبلونها. لكن الذي سيرفضها في أميركا هو اللوبي الإسرائيلي المؤيد لليكود. ومع ذلك يستطيع بوش التغلب على هذا اللوبي بسهولة إذا امتلك الشجاعة والحكمة لفعل ذلك بدعم من الشعب الأميركي. وللأسف لم نر حتى الآن ذلك النوع من الشجاعة أو الحكمة في سياسة بوش من عملية السلام في الشرق الأوسط، لكن المبادرة السعودية قد تمثل تحولا رئيسيا، وهو ما نأمله.

لقد قام ولي العهد السعودي الأمير عبد الله بحركة جريئة على رقعة الشطرنج وهو ما أعطى العالم العربي مبادرة سياسية وصوتا قويا جديدا إذا رغب العرب بهذه المبادرة.

المصدر : غير معروف