بقلم/ غراهام فولر

شهد الأسبوع الماضي بعض التغيرات الدراماتيكية في الشرق الأوسط وهو ما يشجعني قليلا للتطرق إلى اتجاه سياسة بوش. إن أحد تلك الأحداث كان سلبيا للغاية لكن حدثين آخرين كانا إيجابيين.

دعونا نبدأ بالحدث السلبي، ففي مقابلة أجرتها معه شبكة السي إن إن في الثاني من هذا الشهر دعا رئيس الغالبية الجمهورية في مجلس النواب الأميركي ريتشارد آرمي إلى طرد الفلسطينيين من الضفة الغربية. وصرح بأنه أولى هذا الموضوع دراسة متأنية وجادة وأنه يعتقد بأنه من المستحيل على الفلسطينيين واليهود العيش معا بسلام ولذلك فإن الحل هو طرد الفلسطينيين. وأضاف أنه يؤمن بإقامة دولة فلسطينية ولكن هذه الدولة يجب أن لا تكون في الضفة الغربية وإنما "في مكان آخر". ويعتقد آرمي أنه ينبغي على إسرائيل أن تستولي على جميع الأراضي المحتلة لاستخدامات إسرائيل وحدها. وكانت ملاحظاته واضحة وصريحة، حتى أنه عندما طلب منه المذيع التفكير في هذه الملاحظة أكثر، أصر على موقفه الذي أعلنه.

هذا التصريح الذي يبعث على السخط تصريح غير مسؤول وخطير. إنها ملاحظة لا تنم فقط عن جهل صدر عن مسؤول رفيع المستوى في الهيئة التشريعية، لكنه يعطي العامة إشارات قد تجعل آخرين يتبنون هذه الفكرة. والأكثر أهمية من ذلك، هو من أين حصل آرمي على هذه الأفكار؟ هل هي علامة على مدى نفوذ اللوبي اليهودي (إيباك) وتأثيره على الكونغرس؟ هل هذه هي الطريقة التي تجعل أعضاء الكونغرس المؤيدين لإسرائيل يحاولون فيها الضغط على الإدارة الأميركية؟ هل سيستخدمها شارون مع بوش خلال زيارته؟ أشك في ذلك. إن المظهر الوحيد الذي يبعث على التفاؤل في هذا الموقف هو قيام آرمي بسحب تصريحه في اليوم التالي وقال إنه لم يكن يقصد طرد الفلسطينيين. وكان واضحا أن شخصا ما، قد يكون من الإدارة الأميركية، قد تحدث معه حول تصريحه وجعله يتراجع عنه. ومع ذلك فإن الضرر قد حصل، وهو علامة سيئة على مدى تأثير خط شارون في واشنطن حتى لو كانت الفكرة بعيدة جدا عن الواقع.


إطلاق سراح الرئيس الفلسطيني من مقره برام الله نصر كبير لعرفات وهزيمة كبيرة لشارون الذي يأمل بطرد عرفات حتى يضمن بقاء سيطرته على الضفة الغربية.. وإطلاق سراح عرفات جاء كصفقة مع إسرائيل مقابل إلغاء لجنة تقصي الحقائق الدولية بمذابح مخيم جنين
وعلى الرغم من هذه الواقعة المحبطة، فإن هناك حدثين على قدر كبير من الأهمية: الأول هو إطلاق سراح عرفات الذي كان محاصرا في مقره برام الله. وأعتقد أن ذلك كان نصرا كبيرا لعرفات وهزيمة كبيرة لشارون. ولماذا هو هزيمة لشارون؟ لأن شارون كان يعول كثيرا على عزل عرفات وتهميشه، وكان شارون يأمل بإضعاف عرفات أو تدميره أو ربما كان يأمل بإيجاد قيادة بديلة، وهو أمل غير واقعي. كما أراد شارون خلق حالة من الفوضى في الضفة الغربية حتى لا تتم مفاوضات سلام جادة. ويأمل شارون أنه في غياب أي قيادة فلسطينية، ستتمكن إسرائيل من الحفاظ على سيطرتها على الضفة الغربية. وكحل للأزمة كان شارون يأمل بإبعاد عرفات عن الضفة الغربية ويتركه في دولة عربية بعيدا عن فلسطين. ولحسن الحظ لم تقبل إدارة بوش بهذا الحل من جانب شارون وحذرت الإسرائيليين باستمرار من أن عرفات هو الزعيم الشرعي للفلسطينيين حتى لو لم تكن الولايات المتحدة تحبه ولديها انتقادات على قيادته. وكان بوش يحذر شارون باستمرار من المساس بعرفات، ونتيجة لذلك تركه شارون حبيسا ذليلا في غرفته الصغيرة المظلمة داخل مقر قيادته المدمر. وأعتقد أن الإدارة الأميركية ستحاول حمل عرفات على تغيير نهجه التفاوضي، إلا أنني لا أعتقد أيضا أن هناك قائدا فلسطينيا جادا يمكن أن يتخذ موقفا مغايرا لموقف عرفات في ظل الظروف الحالية، فهل ستؤيد واشنطن جهود البحث عن بديل لعرفات في المستقبل؟

على أي حال فإن نجاح بوش في إطلاق سراح عرفات حدث مهم للغاية، وربما جاء كصفقة مع إسرائيل مقابل إلغاء مهمة لجنة تقصي الحقائق التي شكلتها الأمم المتحدة للتحقيق في الفظائع التي وقعت في مخيم جنين. لكن أحداث جنين لن يتم نسيانها حتى لو لم تذهب لجنة تقصي الحقائق إلى هناك، فقد زارها العديد من الصحفيين الدوليين ومنظمات حقوق الإنسان الدولية لتوثيق الأحداث. وسيأتي الوقت الذي ستعلن فيه هذه الأمور في المستقبل كما أن كثيرا من التفاصيل يعرفها العالم اليوم، فهذه الأحداث أثرت سلبا على التأييد الذي تلقاه إسرائيل في الولايات المتحدة وأوروبا.

أما الحدث الثاني الإيجابي في نفس الأسبوع فقد يكون أكثر التغيرات أهمية في السياسة الأميركية، فقد التقى وزير الخارجية كولن باول مع ممثلين عن روسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي من أجل التوصل إلى فهم مشترك بشأن عقد مؤتمر سلام الشهر القادم، وهذه هي المرة الأولى التي توافق فيها الولايات المتحدة على مشاركة قوية في عملية السلام من جانب دول أخرى. وكانت واشنطن في السابق ترعى عملية السلام بنفسها وكانت تحذر الدول الأخرى من التدخل فيها بدعوى أن عملية السلام تفسد إذا ما تدخل أكثر من طرف فيها. وأعتقد أن شيئا حدث في تفكير الإدارة الأميركية جعلها تغير سياستها هذه، وأظن أن بوش يزداد استياء وسخطا من سياسات شارون، ليس فقط بسبب الأعمال الفظيعة التي ارتكبها بحق الفلسطينيين خلال العمليات العسكرية الإسرائيلية الحالية، وإنما أيضا بسبب انعدام فعالية الطريقة التي يتصرف بها شارون وهي طريقة فاشلة. إنه لن يتمكن من وقف العمليات "الإرهابية" من الجانب الفلسطيني والتي لا شك أنها ستزيد بعد أحداث مخيم جنين حتى لو انسحبت إسرائيل. إن كثيرا من مسؤولي الأمن والاستخبارات والجيش في إسرائيل يصرحون علنا بأن إسرائيل لا يمكنها كسب الصراع مع الفلسطينيين بالوسائل العسكرية. وبموجب هذه الظروف أعتقد أن الرئيس بوش وجد أن تأييده لسياسات شارون فيه شيء من المجازفة، فشارون يبدو أنه لا يفهم سوى لغة الحرب.

ولو كان الروس الآن والأوروبيون والأمم المتحدة يتعاونون مع الولايات المتحدة بخصوص عملية السلام في الشرق الأوسط فإن تلك أخبار مشجعة. إنها تقوي وضع باول داخل الإدارة الأميركية وهو الذي كان يلح باستمرار على ضرورة تضافر الجهود الدولية من أجل حل هذه المشكلات. لقد تلقى جناح الصقور في الإدارة الأميركية وهم الذين يدعمون تفرد الولايات المتحدة في حل مشكلة الشرق الأوسط، تلقوا ضربة قوية في الوقت الحالي على الأقل. والأكثر أهمية من هذا، أن ذلك يقوي أوراق بوش ضد شارون لأن الأخير يحاول صف مختلف أجنحة الإدارة الأميركية إلى جانبه. أما الآن فسيكون من الأسهل على بوش الضغط على شارون في أي مؤتمر سلام قادم.


هناك ضرورة لممارسة ضغط كبير على إسرائيل خلال الشهور القليلة القادمة، وأي تقدم حقيقي باتجاه تحقيق السلام سيكون مستحيلا بوجود شارون
من ناحية أخرى ستبرز الحاجة لممارسة ضغط كبير على إسرائيل خلال الشهور القليلة القادمة. والواقع أنني أعتقد بأن أي تقدم حقيقي باتجاه تحقيق السلام سيكون مستحيلا بوجود شارون. إن الصفقة النهائية التي يجب أن يحصل عليها الفلسطينيون يجب أن تكون أفضل من العرض الذي قدمه باراك، وهو أفضل عرض قدمته إسرائيل للفلسطينيين حتى الآن. لقد كان عرض باراك جيدا ولكن ليس بما فيه الكفاية، فأي اتفاق يراد له القبول لابد أن يتطرق إلى وضع القدس ويحقق العدل للاجئين الفلسطينيين حتى لو لم يكن بالإمكان عودتهم جميعا إلى فلسطين. لكن شارون لا يستطيع حتى تقديم العرض الذي قدمه باراك للفلسطينيين، فكيف سيكون حال مؤتمر السلام في هذه الظروف؟ وماذا سيفعل شارون عندما يعود الإرهاب، وهو ما سيحدث بالتأكيد؟

لذلك فإنني متفائل من أحداث الأسبوع الماضي، فهي قد تمثل تغيرا جديدا في التفكير الأميركي وزيادة في ابتعاد الإدارة الأميركية عن شارون، لكنها ليست سوى البداية، فكيف ستتعامل واشنطن مع المسألة الأكثر صعوبة وهي مؤتمر السلام المتوقع عقده الشهر القادم؟

المصدر : غير معروف