بقلم/ غراهام فولر

هل العرب عاجزون حقا أمام الهجمات الوحشية التي نفذتها إسرائيل ضد الفلسطينيين في الشهر الماضي؟ إنني ومنذ أسبوعين أتنقل بين عدد من الدول العربية أتحدث إلى أناس كثيرين بشأن الوضع الحالي في فلسطين، ولاحظت بالطبع حالات الغضب العارم والإحباط والمرارة التي يشعر بها هؤلاء بسبب الأمور الفظيعة التي تحدث هناك وخصوصا بعد تدمير مخيم جنين.

كما يلقي العرب باللائمة على الولايات المتحدة بسبب دعمها لإسرائيل ويقولون إن أميركا تتقاسم معها المسؤولية عن هذه الأحداث. إنني اتفق معهم على أن واشنطن يمكنها أن تعمل أكثر مما تعمل الآن لكبح جماح إسرائيل، والواقع أن الرئيس بوش أظهر انحيازا واضحا نحو إسرائيل ولا يمكن لأحد أن يدعي بأن السياسات الأميركية متوازنة. ويقول العرب إنهم يشعرون بالغضب والعجز، إنهم يعتقدون أنهم لا يستطيعون عمل شيء لتغيير السياسات الأميركية، ولكن هل هذا حقا صحيح؟

لنكن صرحاء في بحث طبيعة السياسة الأميركية، فالولايات المتحدة نظام ديمقراطي لمواطنيها، وحتى لدول أخرى تأثير كبير في قراراتها المتعلقة بالسياسة الخارجية.

إن الديمقراطية نظام جيد للحكم من كثير من النواحي، لكن بالنسبة للسياسة الخارجية فإن هذه الديمقراطية تجعلها أكثر تعقيدا وصعوبة. والواقع أن كثرة مجموعات المصالح في أميركا واختلافها تجعل من الصعوبة أن يكون للإدارة الأميركية سياسة خارجية واضحة ومتماسكة.


اللوبي الكوبي في أميركا هو الذي أطاح بمرشح الرئاسة الديمقراطي آل غور في ولاية فلوريدا التي حسمت نتيجة الانتخابات لصالح بوش، والأميركيون السود هم الذين ضغطوا على كلينتون لغزو هاييتي
دعونا ننظر إلى إحدى مجموعات الضغط المهمة في الولايات المتحدة، ولا أعني هنا اللوبي الإسرائيلي بل اللوبي الكوبي، فهناك جالية كبيرة جدا من المنفيين الكوبيين تعيش في ولاية فلوريدا واستطاعت أن تملي على واشنطن السياسة الأميركية تجاه كوبا منذ 40 عاما ووضعت "فيتو" على أي محاولة انفتاح في العلاقات الدبلوماسية بين واشنطن وهافانا حتى لو كان ذلك في مصلحة الولايات المتحدة. والواقع أن الصبي الكوبي إليان غونزاليز الذي تم إنقاذه في عرض البحر قبل سنتين عندما هرب مع أمه من كوبا في قارب صغير أعيد بقرار من الرئيس الأميركي السابق كلينتون إلى والده في كوبا بعد ثمانية أشهر، وذلك على الرغم من أن الجالية الكوبية في ميامي طالبت بإبقائه في أميركا. وقد أثار ذلك غضب الكوبيين في فلوريدا وجعلهم يصوتون في الانتخابات الرئاسية الأخيرة لصالح بوش بنسبة 100% ضد منافسه آل غور، وربما كان ذلك هو سبب فوز بوش في فلوريدا، وهي التي رجحت كفة فوزه بالانتخابات. هذه إذن قوة إحدى المجموعات العرقية في أميركا.

كما أن الأميركيين السود أثروا في السياسة الأميركية في أفريقيا، وهؤلاء أنفسهم الذين طالبوا الإدارة الأميركية برئاسة كلينتون بغزو هاييتي لتغيير القيادة السيئة فيها. كما أن الأميركيين السود أثروا في السياسة الأميركية تجاه السودان. وإضافة إلى هؤلاء فإن للأميركيين المنحدرين من أصول أميركية لاتينية تأثير كبير في السياسات الأميركية بشأن أميركا اللاتينية، وتحاول المكسيك توجيه الأصوات المكسيكية في أميركا باتجاه قضايا معينة للمكسيك مصلحة فيها.

وبالطبع فإن الجميع يدركون قوة اللوبي الإسرائيلي في الولايات المتحدة وهي التي تهيمن على الرؤية الأميركية في الشرق الأوسط حتى لو لم تكن الولايات المتحدة تدعم إسرائيل بنسبة 100% في جميع القضايا، ولذلك أين هي الأصوات العربية التي يمكن أن تساعد في إيجاد توازن في وضع تملك إسرائيل فيه نفوذا كبيرا على السياسات الأميركية في الشرق الأوسط؟

إنني أصاب بالدهشة عندما أسمع العرب يشتكون من أنهم لا يستطيعون عمل شيء سوى الصراخ لأميركا بخصوص ما تفعله إسرائيل. لننظر إلى قوة السعودية وحدها، فهي تملك موارد نفطية ضخمة تحتاجها الولايات المتحدة وبقية دول العالم، والسعودية سوق كبير للمعدات التكنولوجية المتطورة والطائرات والمعدات العسكرية الأميركية، كما أن لها استثمارات تتجاوز المائة مليار دولار في الولايات المتحدة، فهل مثل هذه الدولة عاجزة وضعيفة؟ أعتقد أن السعودية تملك أوراقا تلعبها ضد واشنطن أكثر من الأوراق التي تملكها الولايات المتحدة ضد الرياض.

ويكنّ السعوديون والعرب الآخرون الذين درسوا في الولايات المتحدة حبا خاصا لأميركا ويزورونها باستمرار، ولديهم ذكريات جميلة من العلاقات والصداقات فيها، ويعتبرون الولايات المتحدة صديقا يجب أن يثقوا به. ثم عندما تتخذ الولايات المتحدة سياسة تضر المصالح العربية كما هو الحال في فلسطين، فإنهم يشعرون بالأذى والغضب. لكن هذه قد لا تكون نظرة ناضجة نحو السياسة الدولية، فالدول قد تكون صديقة لكن يكون بينها في الغالب اختلافات كبيرة حتى وهي دول صديقة فيما بينها. فالولايات المتحدة لها خلافات معروفة مع بريطانيا وفرنسا وألمانيا واليابان على سبيل المثال لا الحصر. إنها "صديقة" و"حليفة"، لكن هذه الدول لا تعتمد على "الصداقة" الأميركية. إنها تساوم الولايات المتحدة وأحيانا تساوم مساومة قاسية في سبيل حماية مصالحها، وأميركا تفهم ذلك وتفعل الشيء نفسه معها. إن الصين واقعية في تعاملها مع واشنطن وكذلك روسيا، فلماذا لا تكون السعودية واقعية هي الأخرى؟


السعودية والعرب بشكل عام يملكون أوراق ضغط قوية على الإدارة الأميركية وخصوصا النفط والاستثمارات الكبيرة وغيرها
ليس هناك من داع للسعودية لكي تعلن الحرب على أميركا أو تقطع إمدادات النفط عنها أو تسحب كل استثماراتها، لكن هذه الوسائل يمكن استعمالها بطريقة حذرة وهادئة لكي توضح الرياض أنها لن تسمح بتجاهل مصالحها دون أن تخرب علاقتها مع واشنطن. ولكن بدلا من أن توظف السعودية أوراقها بحذر وقوة فإنها تتصرف مثل ولد صغير خاب ظنه لأن والده لم يكن عادلا معه، ولذلك فإنه يشعر بالغضب والضرر من والده. لكن السعودية ليست طفلا بالطبع، وليست ضعيفة، ويجب أن لا تتوقع من أميركا أن تكون "عادلة" معها دائما أو تريد منها أن تراعي المصالح السعودية بسبب الصداقة التي بينهما، فهذه ليست علاقة صحية من الناحية السيكولوجية. إننا بحاجة إلى علاقة أكثر نضجا مع السعودية لكي تكون علاقة بين دولتين ناضجتين تحبان بعضهما وتتقاسمان كثيرا من المصالح، لكنهما لا تعتمدان على مجرد "الصداقة" لحماية مصالحهما.

وبوصفي مواطنا أميركيا فإنني لا أتمنى رؤية أميركا متضررة، لكني أعتقد أن وجود علاقة أكثر نضجا مع السعودية هي في مصلحة البلدين. السعوديون يجب عليهم أن يساوموا بأوراقهم بقوة وأن يتوقعوا من أميركا أن تساوم هي الأخرى وتستخدم أوراقها، وعندها لن تشعر السعودية "بالخيانة" من جانب واشنطن.

ليس من حق أي دولة احتكار النفوذ على السياسة الأميركية في الشرق الأوسط بما في ذلك إسرائيل، فهذا ليس في مصلحة أميركا لأنه يضعف مرونتها في تنفيذ سياساتها حتى لو كنا نؤيد حق إسرائيل في الوجود. لكن ما يجري الآن لا يتعلق بوجود إسرائيل وإنما بسياسات شارون السيئة جدا والخطيرة.

ولذلك فإنني بوصفي أميركيا أرحب بوجود مراكز ضغط كثيرة ومتنافسة في واشنطن بدلا من لوبي واحد. لقد سئمت من إلحاح العرب بأن كل ما يجري سببه خطأ واشنطن، في الوقت الذي لا يمكن فيه اعتبار السعودية ضعيفة أو عاجزة عن إيصال مواقفها للرأي العام الأميركي، فبعض الضغط من جانب السعودية سينجح في جذب الرأي العام الأميركي تجاه القضية الفلسطينية. وإذا فهمت الولايات المتحدة أن للسعودية تأثيرا في المصالح الأميركية فيمكن أن يحدث نقاش مفتوح بشأن السياسات الأميركية داخل أميركا، وسيكون هذا مفيدا جدا لأميركا لأن الاهتمام الحالي بالقضية الفلسطينية محدود جدا داخل المجتمع الأميركي.

إنني لا أعني السعودية وحدها بهذه الملاحظات، فهناك دول عربية أخرى لديها هي أيضا الكثير من الأوراق التي يمكن أن تؤثر بها في الولايات المتحدة لكنها تبدو غير راغبة باستخدامها أو أنها تخشى من ذلك. هذه الدول عليها هي الأخرى أن تكبر وتتعامل في العلاقات الدولية كدول ناضجة ولا تلوم أميركا على كل شيء وكأن أميركا هي الوالد الذي يجب أن يقوم بكل شيء، لأن ذلك ليس هو العالم الحقيقي.

وأخيرا، عندما يقول العرب إن أميركا "تتبع مصالحها"، يجب أن يتذكروا أن السؤال الذي لا يجد إجابة له في أميركا هو "ما هي مصالح أميركا الحقيقية؟"، فالأميركيون بمختلف فئاتهم وأصولهم ينظرون إلى المصالح الأميركية نظرات مختلفة.

إن السياسات الأميركية في الشرق الأوسط ستكون متوازنة عندما يتم عرض المصالح العربية والإسرائيلية عرضا متساويا وباستخدام ميزان قوة متساو أيضا.

المصدر : غير معروف