بقلم: خالد الحروب*

سمات الهجمات الأخيرة

التأثيرات الداخلية

التأثيرات الخارجية

هجمات الطائرات على برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع الأميركية في واشنطن يوم الثلاثاء 11 سبتمبر/ أيلول 2001 تعتبر حادثاً تاريخياً ومفصلياً بكل المعايير. فمن ناحية تاريخية ومن زاوية الخسائر البشرية والمادية, تعتبر أضخم وأجرأ هجوم معاد للولايات المتحدة يتم في داخل أراضيها منذ قيام الاتحاد الأميركي. ولا يقترب من هذه الهجمات على مستوى العنف وعدد القتلى إلا الهجوم الذي شنه سلاح الجو الياباني على سفن الحربية الأميركية إبان الحرب العالمية الثانية في ميناء بيرل هاربر في ديسمبر/ كانون الأول 1941.

سمات الهجمات الأخيرة

غير أن الهجمات الحالية تتميز بعدة سمات بالغة الأهمية هي ما تضفي عليها صفة "المفصلية التاريخية"، وهذه السمات هي:
1- أن المنفذ ليس دولة ذات سيادة يمكن تحديدها ومعادية للولايات المتحدة بما يوفر إمكانية شن حرب أو ضربات ثأرية ضدها كما كان الحال بعد الضربة اليابانية حيث قصفت هيروشيما وناغازاكي بالقنابل النووية, وطوكيو بالقنابل الكروية الحارقة, الأمر الذي أدى إلى مقتل مئات الألوف من المدنيين.

2- تعتبر وسيلة التنفيذ -باستخدام طائرات مدنية محملة بالركاب للهجوم على أهداف محددة مسبقاً- جديدة وغير مسبوقة في تاريخ أعمال العنف والإرهاب في العصر الحديث.

3- هناك عدم تناظر مفرط في بساطة الأسلحة المستخدمة, وهي سكاكين عادية تستخدم في خطف طائرات, ومقدار الدمار الهائل الذي خلفته العملية سواء من ناحية عدد القتلى أو الخسائر المادية, فضلا عن التأثيرات المختلفة التي سنأتي عليها لاحقاً.

4- أن هذه الهجمات جاءت مفاجئة تماماً في شكلها وطبيعة تنفيذها لكل المخططين الأمنيين والإستراتيجيين, وخارج إطار كل المناظير الأمنية والإستراتيجية الأميركية والغربية. فهذه المناظير كانت دائماً تضع كل السيناريوهات المختلفة, مثل وجود عدو ذي قدرة عسكرية هائلة كالاتحاد السوفياتي قادر على إلحاق الأذى بالولايات المتحدة أو أوروبا الغربية, أو مجموعة دول تعتبرها الولايات المتحدة "مارقة" يمكن أن تعتدي على المدن الأميركية بالصواريخ بعيدة المدى, أو بتفجيرات ضد مصالح أميركية في الخارج, أو منظمات تعتبرها الولايات المتحدة "إرهابية" تستهدف منشآت أميركية.. كل تلك السيناريوهات وضع مقابلها إجراءات مضادة ووقائية وطورت عمليات استخبارية واسعة النطاق لإحباط أي عملية تأتي وفق واحد منها. غير أن هجمات نيويورك وواشنطن جاءت من خارج إطار كل التوقعات والحسابات.

وبسبب تميز ومفصلية هذه التفجيرات وضخامة آثارها سياسياً واقتصادياً ومعنوياً وأمنياً ونفسياً, فإنها ستكون ذات تأثيرات وانعكاسات عديدة وعميقة سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها, ويمكن التوقف عند بعضها أدناه.

أولاً: التأثيرات الداخلية

رجال الإنقاذ يبحثون بين الأنقاض
الأثر الأول: سيكون على صعيد "عقيدة الأمن القومي الأميريكي" Doctrine of American National Security. فهذه العقيدة تطورت في العقود الماضية على تصور "تهديدات إستراتيجية" من نوع مختلف تحوم حول وجود عدو خارجي يهدد الأرض الأميركية أو المصالح الأميركية، وعلى شكل دولة أو دول يمكن تحديد عنوانها ويمكن الرد عليها في حالة نشوب عداء متبادل. وفي السنوات الأخيرة تم تطوير هذه العقيدة بعض الشيء لتتضمن "مخاطر"، أي أقل من "التهديد الإستراتيجي"، وهذه "المخاطر" قادمة أساساً إما من قبل دول أو منظمات لا تشكل تهديداً إستراتيجياً للولايات المتحدة لكن بإمكانها الإضرار بمصالحها سواء داخل أو خارج الأرض الأميركية. أما الآن فإن هذه الهجمات تقلب تلك الرؤى حيث يتبدى أن هناك منظمات أو مجموعات من الأفراد قد تكون قادرة على تشكيل وتنفيذ "تهديدات إستراتيجية" ضد الولايات المتحدة تشل الحركة السياسية والاقتصادية وتضرب في قلب وزارة الدفاع, وتضطر الرئيس الأميركي للاختفاء وإدارة البلاد من "مكان آمن" ربما تحت الأرض. ومن هنا فإننا سوف نرى بالتأكيد انقلاباً في الفكر الأمني والإستراتيجي الأميركي يضع على المحك كل أنماط التفكير السائدة بما فيها مشروع الدرع الصاروخي الذي تأسس وفق الرؤية التقليدية لتصور التهديدات والمخاطر.

الأثر الثاني: متعلق بتثوير النقاش بين التيار "الانعزالي" في السياسة الخارجية الأميركية والتيار "التدخلي". ورغم أن هذا النقاش يدور -وسوف يحتدم أكثر فأكثر في المرحلة المقبلة- في داخل أميركا نفسها, فإن تأثيراته سوف تكون خارجية، لذا فإننا سنناقشه بشكل أوسع أدناه تحت عنوان التأثيرات الخارجية.

الأثر الثالث: الاتجاه إلى تكثيف "آليات الأمن الداخلي" بما يعنيه ذلك من تشديد الرقابة على حركة الناس خاصة في المرافق الكبرى والمزدحمة, وزيادة نشر كاميرات المراقبة في المناطق العامة. وهذا التطور يسير في اتجاه عام في المدن الغربية وينمو ببطء لكنه الآن سيتسارع بالتأكيد بحيث تكون أجهزة الرقابة قادرة على رصد وتصوير أي حادث في أي مكان في المدن الرئيسية. وهذا التطور يقلق كثيراً من منظمات حقوق الإنسان وكثيراً من علماء الاجتماع حيث يتحول المجتمع إلى رهينة لكاميرات المراقبة, ويفقد الأفراد الشعور بالخصوصية في ظل مراقبة دائمة. ويذكر هنا أن أحد علماء الاجتماع قد ألف كتاباً مؤخراً عن تنامي هذه الظاهرة في الدول الغربية سماه "مجتمع كاميرات المراقبة".

الأثر الرابع: سيكون على صعيد الجاليات العربية والمسلمة تحديداً، فسوف تعاني هذه الجاليات من قيود إضافية, ومراقبة لصيقة لنشاطاتها, بل وإغلاق لبعضها أيضاً. فمن المعتاد أن ينظر كثيرون في دوائر صناعة القرار في واشنطن -خاصة بتأثير من اللوبي الصهيوني- إلى مسلمي الولايات المتحدة وجمعياتهم كمحاضن للجماعات المتطرفة. وفي السنوات الأخيرة عانت هذه الجمعيات من حملات تشويه كبيرة, ثم عانت الجالية المسلمة عموماً من حملات تشوية أوسع (مثلاً عرض الفيلم سيئ الصيت جهاد في أميركا لليهودي ستيف إيمرسون عشرات المرات في محطات تلفزة قومية ومحلية). لكن الأمر الأهم من التشويه هو الانحياز القانوني ضد الجالية في التشريعات كما كان واضحاً في تشريع قانون الأدلة السرية الذي صمم ضد المشتبه بهم من المسلمين حيث يحاكمون من دون أن يعرفوا أو يعرف محاموهم تفاصيل الأدلة التي تجرمهم. ثم أخيراً وقبل أيام من هجمات الطائرات تعرضت المؤسسات الإسلامية الأميركية لحلقة جديدة من التحريض شملت هذه المرة مئات المواقع لجمعيات إسلامية وعربية وفلسطينية على الإنترنت حيث أغلقت تلك المواقع من قبل مكتب التحقيقات الفدرالية. والآن من المتوقع أن يزداد الضغط على الجالية المسلمة سواء ثبت أن الجناة مسلمون أم غير مسلمين, على الصعيدين:

  • الأول, التشوية التعميمي عبر تحريض الرأي العام الذي حصل ومازال يحصل بربط الحادث من لحظة وقوعه بـ "الإرهاب الإسلامي".
  • الثاني الإجراءات القانونية التي تقيد عمل وحركة جمعيات ومؤسسات تلك الجالية.

الأثر الخامس: المتوقع هو زيادة التطرف المسيحي وتطرف الجماعات الانعزالية واليمينية. فهناك عشرات الجمعيات والمنظمات الأميركية المعادية -أو على الأقل المناهضة- لطبيعة النظام الأميركي, إما لأسباب دينية أو بيئية أو مناطقية أو عنصرية إلخ. والكثير من هذه الجماعات تكره الأجانب وخاصة المسلمين, وتطالب إما بطردهم أو الحد من وجودهم. وإذا ما ثبت أن الهجمات المذكورة قام بها عرب ومسلمون فإن ذلك سوف يصب الزيت على نار تطرف هذه الجماعات بشكل أكيد, وسوف يزداد العداء للمسلمين بشكل كبير.

ثانياً: التأثيرات الخارجية

سوف تترك تداعيات الهجمات بصمات واضحة على نمط وتوجهات السياسة الأميركية الخارجية ونظرتها إلى العالم وترتيب الأولويات وكذا تصنيف قوائم الحلفاء والأعداء.

مركز التجارة العالمي لحظة انهياره

الأثر الأول: أول قضية سوف تخضع للنقاش, وإلى درجة سجالية عالية كما هو المتوقع, هي مدى الانخراط أو الانسحاب من قضايا وشؤون ومناطق العالم وأي من هذين النمطين يحقق المصلحة الأميركية القومية بدرجة أعمق وأدق. وهناك على الدوام مدرستان في السياسة الأميركية الخارجية, واحدة تتبنى نظرية التدخل والانخراط التام في شؤون العالم وقضاياه باعتبار أن موقع ومكانة الولايات المتحدة ومصالحها القومية تنتشر في طول وعرض العالم, وهذا الأمر لا يوفر لها ترف الانسحاب من مواقع النفوذ وعدم التأثير في مسارات السياسة الإقليمية في مناطق العالم المختلفة. وتنتشر هذه الرؤية في أوساط الديمقراطيين. في المقابل هناك مدرسة الانسحاب والتوقع الداخلي التي تقول إن تدخل الولايات المتحدة في مناطق العالم المختلفة جر ويجر عليها عداء كثير من الشعوب, ولا يحقق مصالح للولايات المتحدة تتناسب مع الثمن الذي تدفعه من جراء ذلك. وبالتالي فإن الدعوة التي يتبناها أصحاب هذا الرأي تقول بأنه على الولايات المتحدة خفض مستوى انخراطها في شؤون العالم الإقليمية إلى أقل حد ممكن. وتنتشر هذه الرؤية بشكل عام في أوساط الجمهوريين, وهي تسيطر على الإدارة الأميركية الحالية بقيادة جورج بوش الابن.

وقد يقفز البعض إلى الاستنتاج السريع بأن أثر هذه الهجمات سوف يكون مباشراً لصالح التيار الانعزالي ويدعم رؤيته. لكن قليلا من التأمل يشير إلى أنه ليس من السهولة بمكان على الإدارة الحالية أن تتبنى هذه السياسة لأقصى حد, بل ربما كان العكس هو الصحيح, أي أن أثر هذه الهجمات سوف يكون في اتجاه يدفع إدارة بوش لمزيد من الانخراط غير الطوعي في مناطق لم تكن راغبة بأن تنخرط فيها في حقبة ما قبل الهجمات. ومبرر هذا هو أن "مكانة قوة الولايات المتحدة"
(Power Prestige) تعرضت لضربة تاريخية لم تشهد لها مثيل من قبل حيث هوجمت في عقر دارها وتم توجيه ضربات إلى رموز القوة فيها الدفاعية والسياسية والاقتصادية، وأن كرامة الولايات المتحدة وصورتها قد اهتزتا حيث اختفى الرئيس "في مكان آمن" وارتبكت الأجهزة وفشلت وكالة الاستخبارات الأميركية ومكتب التحقيقات الفدرالية في توقع ومنع الهجمات.

كل ذلك سوف يفرض على الولايات المتحدة محاولة طويلة لإصلاح الأضرار الجسيمة التي حدثت في صورتها –الدولة العظمى القاهرة في عالم اليوم- وهي أضرار أكبر بكثير من الأضرار المادية. وإصلاح هذه الصورة يفترض تدخلاً وانخراطاً في العالم وليس مزيداً من الانعزال لأن الانعزال قد يفهم على أنه انسحاب من الميدان وهزيمة معنوية وسياسية أخرى. ويفيدنا منطق السياسة الذي تتبناه الإمبراطوريات والدول الكبرى بأن مهمة "المحافظة على مكانة القوة" تأخذ أولوية قصوى في المنعطفات التاريخية التي تمر بها تلك الدول, وخاصة عندما تشعر بأن مكانتها صارت محط شك واختبار.

إضافة إلى ذلك فإن هناك دوافع عملية من المرجح أن تدفع الولايات المتحدة لاستبعاد خيار الانعزال، ومن هذه الدوافع أن السنوات القادمة سوف تشهد بالتأكيد تطور منظومات استخباراتية معولمة تهدف إلى مكافحة "الإرهاب المعولم", وهذا يتطلب بالتالي تعزيز التعاون والتنسيق بين الولايات المتحدة التي سوف تكون المعنية الأولى بهذا الشأن, وبقية دول العالم سواء على شكل منفرد أم تجمعات إقليمية أم منظمات دولية. لكن يبقى أن الولايات المتحدة قد تنجح في فصل مسارات سياستها الخارجية عن بعضها البعض, فتكون "تدخلية/ تعاونية" مع بقية دول ومنظمات العالم في المجال الأمني والاستخباراتي, لكنها تكون "انعزالية/ انسحابية" في مجالات السياسة والاقتصاد والقانون الدولي. ويعتمد نجاحها في تبني سياسة مسارات منفصلة كهذه على مدى قبول المجتمع الدولي والدول الكبرى الأخرى وكذا التجمعات الإقليمية لهذه السياسة التي هي بمعنى ما تفرض على العالم التعاون مع الولايات المتحدة أو عدم التعاون معها بحسب الرغبة والمصلحة الأميركية الصرفة, وهو أمر من الصعب تصوره خاصة في ضوء التوترات الحاصلة أصلاً في السياسة الدولية (بين الولايات المتحدة من جهة, والصين وروسيا وإلى حد ما الاتحاد الأوروبي) بسبب سياسة جورج بوش الانفرادية في شؤون عديدة مثل الدرع الصاروخي والانسحاب من معاهدات البيئة وحظر الأسلحة البيولوجية وغيرها.

الاثر الثاني: وهو أثر مباشر للهجمات حيث ستؤدي إلى تدعيم التعاون الاستخباراتي بين دول العالم الكبرى, وإخضاع كثير من مفاصل الحركة الدولية -خاصة في مجالات التنقل والسفر وتأشيرات المرور والإقامة والشحن والاتصالات- لموجة إضافية من المراقبة اللصيقة. وهذا سوف تكون له انعكاسات عديدة على مستوى إضافة أعباء جديدة على الميزانيات الأمنية, أو إعاقة المبادلات التجارية, أو إضفاء أجواء أمنية في الدول الغربية.

الأثر الثالث: ويتعلق بالجاليات العربية والمسلمة في أوروبا تحديداً، إذ من المؤكد أن وضع هذه الجاليات سوف يتعرض إلى مضايقات وقيود جديدة بسبب زيادة نظرة العداء إلى هذه الجاليات واعتبارها مصدر تهديد أمني. ويرى كثير من الغربيين أن الوجود الإسلامي الكثيف في أوروبا الغربية -حيث تشير بعض التقديرات إلى أن عدد المسلمين يصل إلى 15 مليوناً- هو مجرد قنبلة موقوته في قلب أوروبا وأشبه بحصان طروادة. ونظراً لوجود العديد من الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تتبنى خطابا عدائيا وعنيفا إزاء الغرب الذي تعيش بين ظهرانيه فإن الإعلام الغربي يركز عليها ويساهم في إيجاد صورة نمطية تؤثر في الرأي العام الغربي الذي يعتقد أن هذه الجماعات باعتبارها الأكثر ضجيجاً هي التي تمثل ملايين المسلمين في الغرب.

الأثر الرابع: هو أن هذه الهجمات سوف توفر غطاء دبلوماسياً للولايات المتحدة -قد يمتد لفترة من خمس إلى عشر سنوات- لتبني سياسات متطرفة والقيام بعمليات أو إجراءات إقليمية ودولية لم يكن بالإمكان قبولها في حقبة ما قبل الهجمات. وإذا تذكرنا أن السياسة الأميركية, خاصة في السنوات الأخيرة, لم تكن تتردد في انتهاج أي سياسة انفرادية أو متطرفة من دون أن يكون هناك مبرر تسوقه للعالم كما يوفر لها مبرر الهجمات الآن, فإنه بإمكاننا أن نتوقع سياسة أميركية استعلائية وصارمة ولا تأبه ببقية دول العالم.

خلاصة ذلك كله هو القول بأن أميركا ما بعد هجمات الطائرات ضد نيويورك وواشنطن في سبتمبر/ أيلول 2001 سوف تكون مختلفة تماماً عن أميركا ما قبل الهجمات. إنه حادث سوف يؤرخ به كمفصل زمني بين مرحلتين، ليس في طبيعة سياسة ونهج الولايات المتحدة وحسب, بل وربما في طبيعة ونمط العلاقات الدولية, وتحديداً علاقات الغرب بالعالم الإسلامي.
________
كاتب عربي مقيم في بريطانيا

عودة إلى الصفحة الرئيسية لحرب الإرهاب

المصدر : غير معروف