بقلم: د. برهان غليون

تبخرت جميع الآمال التي راهنت على الضغوط الشعبية والإعلامية القوية التي برزت في السنوات الماضية من أجل تفعيل الإرادة الرسمية العربية في مواجهة الحرب الإسرائيلية المعلنة التي لا تزال إسرائيل تخوضها منذ سنتين متواصلتين لتدمير مقاومة الشعب الفلسطيني ودفعه إلى الهجرة والارتحال. وبدل الخروج من حالة الشلل التقليدية نحو مبادرات جماعية عربية مشتركة زاد الارتماء الفردي لكل دولة ونظمه على الولايات المتحدة وتكرس الالتحاق بالإستراتيجيات الدولية.


لم يعد يبدو أن لدى العالم العربي إستراتيجيات ولا خططا ولا مشاريع وطنية أو إقليمية ولا مقترحات ولا حتى جدول أعمال فرديا أو جماعيا خاصا به، أي لم يعد يبدو أن فيه سياسة ولا تنظيما للحياة العمومية خارج التأطير القائم على الصهر المؤلم لجميع الأفراد والقوى والاتجاهات في أتون السلطة الأمنية البغيضة التي تراهن على تعقيم الأفراد والمجتمعات ومنعهم من التفكير والتنظيم والمبادرة والعمل ومن باب أولى من الإبداع

فلم يعد يبدو أن لدى العالم العربي إستراتيجيات ولا خططا ولا مشاريع وطنية أو إقليمية ولا مقترحات ولا حتى جدول أعمال فرديا أو جماعيا خاصا به. أي لم يعد يبدو أن فيه سياسة ولا تنظيما للحياة العمومية خارج إطار التأطير القائم على الصهر المؤلم لجميع الأفراد والقوى والاتجاهات في أتون السلطة الأمنية البغيضة التي تراهن على تعقيم الأفراد والمجتمعات ومنعهم من التفكير والتنظيم والمبادرة والعمل ومن باب أولى من الإبداع. وما يستولي على المراقب السياسي للأوضاع العربية اليوم هو الشعور المؤلم بانعدام الرؤية والافتقار للإرادة ومن ثم بغياب القيادة والاستسلام إلى المصير القدري.

حتى الآن ورغم كل التجاوزات التي بدأت بتوقيع اتفاقيات كامب ديفد الانفرادية، حافظت النظم العربية على حد أدنى من التواصل مع أطروحات وقيم وأفكار وآمال الحركة الوطنية العربية التي تمت وتصاعد نفوذها في الخمسينيات من هذا القرن وتمحورت حول قيم رئيسية ثلاث، الدفاع عن مفهوم قوي للاستقلال الوطني والسيادة, والحفاظ على التضامن العربي كموجه رئيسي في السياسات الوطنية والإقليمية, والتمسك بمفهوم شعبي أو شعبوي للشرعية حتى في الحالات التي كان فيها الشعب سجين آلة القهر البيروقراطية

هذه هي القيم التي يتوجب على النظم العربية التخلي عنها اليوم والتي هي في طريقها لقطع الصلة تماما بها. وهذا هو ثمن بقائها في الخدمة والشرط الضروري أيضا لاندماجها في إستراتيجية الولايات المتحدة الأميركية الدولية والإقليمية التي تسيطر اليوم على مقاليد الأمور في المنطقة الشرق أوسطية.

سيشهد المستقبل القريب تنامي خيارين رئيسيين وتزايد نفوذهما في عموم المنطقة العربية:

  • الخيار الأول تطوير سياسات الشل الكامل للمجتمع كوعي مستقل وإرادة حرة وبالتالي تحييد المجتمع وإبعاده عن أي قرار أو احتمال التأثير في قرار, ومن ثم قتله وتجميده.
  • والخيار الثاني الالتحاق السريع والشامل لجميع النظم العربية بالسياسة الأميركية والانخراط الحماسي في الحرب ضد الإرهاب مع الميل إلى إثارة الفتن الداخلية لتحويل الساحات السياسية العربية الداخلية إلى مسارح مستقلة وإضافية للحرب ضد الإرهاب ترضي غرور النخبة الأميركية التي تعتقد أو أصبحت تعتقد أن العرب كمجتمعات, لا النظم السياسية, هم مصدر التفريخ الرئيسي للإرهاب العالمي بسبب ثقافتهم القرسطوية ودينهم التعصبي وأعرافهم البربرية.


السنوات القادمة ستكون مطبوعة ببناء سياسات الالتحاق العملية والنظرية بالسياسات الأميركية وبحث كل نظام لنفسه عن دور في هذه السياسات أو في تحقيق السيطرة الإمبراطورية الأميركية وتحول الجامعة العربية نفسها وجميع المنظمات العربية الفرعية إلى أدوات طيعة لخدمة الأهداف الأميركية الإقليمية والعالمية, وفي مقدمها ضبط الشعوب العربية وتقييدها
فالالتحاق بالإستراتيجيات الدولية الأميركية, وفي سياق ذلك القبول بالتضحية بفلسطين والشعب الفلسطيني, هو الأمل الوحيد المتبقي عند النظم العربية التي تواجه أزمة داخلية طاحنة في علاقاتها الداخلية مع مجتمعاتها وفي علاقاتها الخارجية مع الدول الصناعية وفي مقدمها الولايات المتحدة, لإعطاء نفسها دورا وبالتالي مبرر وجود يسمح لها بالهرب بجلدها.

والسنوات القادمة ستكون مطبوعة ببناء سياسات الالتحاق العملية والنظرية بالسياسات الأميركية وبحث كل نظام لنفسه عن دور في هذه السياسات أو في تحقيق السيطرة الإمبراطورية الأميركية وتحول الجامعة العربية نفسها وجميع المنظمات العربية الفرعية إلى أدوات طيعة لخدمة الأهداف الأميركية الإقليمية والعالمية, وفي مقدمها ضبط الشعوب العربية وتقييدها. وسيكون جوهر السياسات المحلية لنظم الحكم القائمة هو مقايضة التعاون الشامل مع واشنطن بالبقاء في الحكم وغض نظر الأخيرة عن ممارساتها الداخلية.

ولدينا منذ الآن مؤشر مهم على الأسلوب الذي سيتم من خلاله تطويع النظم وتحقيق استسلامها, وهو التحول الهائل في موقف الدول العربية من الإرهاب. فبعد أن كان مطلبها الرئيسي تحديد الإرهاب وتعريفه والدعوة إلى مؤتمر دولي لتحقيق هذا الهدف كشرط للتعاون في أي سياسات ترمي إلى محاربة الإرهاب اختفت فكرة المؤتمر الدولي لتعريف الإرهاب تماما من جدول أعمال الدول العربية، وأصبحت هذه الدول تتنافس في ما بينها على انتزاع لقب الدولة العربية الأكثر تعاونا مع واشنطن في ضرب الارهاب وصارت تتبارى في ما بينها لتقديم أقصى ما تستطيعه لمساعدة المخابرات الأميركية على القبض على مواطنين عرب قد يكون لهم وقد لا يكون لهم ضلع في أي إرهاب.

بل إن النظم العربية لن تتردد في المستقبل في تقديم قوائم كاذبة عن إرهابيين محتملين إلى المخابرات الأميركية والأوروبية في سبيل إظهار أهمية مساهمتها في الحفاظ على الأمن والاستقرار داخل هذه الدول الكبرى وعلى الصعيد العالمي. إننا نسير نحو حالة تتحول فيها النظم المحلية إلى مليشيات تعمل لصالح الدول الكبرى وتستبيح لذلك, من دون خوف من العقاب, جميع الحقوق المدنية والسياسية لشعوبها.

لكن, بعكس ما يعتقد أصحاب هذه الإستراتيجية, لن تكون النتيجة بالضرورة تفتيت الشعوب والجماعة العربية وتكسير إرادتها وتركيعها, أي استمرار أو تعميق المصير الشرق أوسطي الذي أسست له اتفاقات سايكس بيكو ولكن, ربما بحظ أكبر, العودة إلى مناخات شبيهة بمناخات الخمسينيات التي شهدت نمو الحركات الشعبية القوية وتعاونها على مستوى العالم العربي في مواجهة أنظمة ونخب حاكمة جمعت هي أيضا في ذلك الوقت بين انعدام الكفاءة القيادية وغياب الشعور بالمسؤولية الوطنية والخنوع المذل والمهين لإرادات ومخططات الدول الأجنبية.


إننا نسير نحو حالة تتحول فيها النظم المحلية إلى مليشيات تعمل لصالح الدول الكبرى وتستبيح لذلك -من دون خوف من العقاب- جميع الحقوق المدنية والسياسية لشعوبها
سيقع على كاهل الحركة الديمقراطية في المرحلة القادمة وحدها أو بشكل رئيسي قيادة الحركة الشعبية والوطنية الجديدة نحو النصر وبلورة الخطط والإستراتيجيات العملية التي تساعد على تحقيق الأهداف الشعبية والوطنية، تماما كما قادت الحركة القومية في الخمسينيات حركات الاحتجاج الشعبية والوطنية لمقاومة النخب المنحلة والفاسدة ومواجهة المخططات والمشاريع الاستعمارية التي كانت ترمي إلى إخضاع المجتمعات العربية لمصالح الدول الكبرى واستغلال مواردها بما يخدم أهدافها.

وتعني القيادة تحقيق مهام نظرية, أي بناء التصورات والرؤية الواضحة والإنسانية لطبيعة النظم المجتمعية التي سوف تخلف النظم القهرية الراهنة الرامية إلى تأمين مصالح النخب السائدة فحسب على حساب المجتمع بأكمله وضده. كما تعني تحقيق مهام عملية ترتبط بقدرة النخب الديمقراطية الجديدة على صوغ إستراتيجيات واضحة واتباع سياسات عقلانية وجريئة لا ترتعد أمام القوى الكبرى والأكبر ولا تهن أمامها ولا تهون من قدراتها أيضا, وعلى تبني أساليب عمل فعالة وناجعة, أي تأخذ بالاعتبار المعطيات المحلية والإقليمية والدولية ولا تستسلم لإغواء الخطابات والمواقف الغوغائية والانتصارات الكاذبة.

وهذا يعني أن المهمة الرئيسية التي ستواجه النخب الوطنية في السنوات القادمة هي بناء هذه الحركة الديمقراطية فكريا وعمليا. ولا يمكن بناؤها لتكون حركة شعبية ووطنية فاعلة ونشيطة إلا بالنجاح في تجاوز التناقضات العدائية التي خلفتها الحقبة السابقة بين التيارات الإيديولوجية المختلفة اليسارية والليبرالية والإسلامية. كما لا يمكن بناؤها ما لم تنجح النخب والقيادات الجديدة في تجاوز الروح والنزعات الشعبوية وعدم تكرار أخطاء الخمسينيات التي ضيعت الكثير من الفرص وهدرت طاقات هائلة من دون طائل لتحقيق الانتصارات الوهمية والرمزية وطورت قيما سلبية مضرة ومفقرة قائمة على الحماسية الشعاراتية الفارغة وغياب الحسابات العقلانية وإحلال الطليعة أو بالأحرى مفهوم الطليعة القائدة محل مفهوم الشعب لتجنب طرح مسألة بناء الوحدة الشعبية بناء حقيقيا يأخذ بالاعتبار الشعب من حيث هو مجموعة من المصالح المتميزة والإرادات الفردية المستقلة والتناقضات التي يحتاج تجاوزها وإفراز إرادة موحدة وطنية إلى بناء أطر قانونية وبلورة وسائل سياسية للقيادة والسلطة ديمقراطية وحية وفعالة.

بالتأكيد لن تكون الحركة الديمقراطية العربية وحيدة في الميدان، فدمقرطة الحياة الدولية والوطنية سوف تشكل المحرك الرئيسي لجميع حركات الاحتجاج العالمية المتصاعدة في مواجهة الدمار المتزايد والفوضى الشاملة التي تنتجها سياسات وإستراتيجيات السيطرة الأميركية العالمية وأزمة الرأسمالية المعولمة التي تفتقد للأدوات القانونية والحدود السياسية التي تضبط جنوحها نحو التراكم البدائي والتوسع الوحشي واستخدام وسائل الغش والمضاربة والتلاعب بالأسعار والبيانات الكاذبة لتحقيق أقصى الأرباح أو الحد من تقلص معدل الربح كما أظهرت ذلك الفضائح الأخيرة للعديد من الشركات الأميركية الكبرى.

وفي ما يتعلق بإمكانية التحالف مع حركات ديمقراطية دولية, من الواضح أننا مازلنا في بداية الطريق. لكن منذ الآن لا نستطيع أن ننفي الفرص الكبيرة التي يفتحها التعاون مع منظمات حقوق الإنسان والحركات الديمقراطية المناهضة للعولمة النيوليبرالية وحركات الاحتجاج الدولية على السياسات البيئية والاقتصادية والعسكرية للدول الكبرى.

لكن من المؤكد أن النظم العربية, بالتعاون مع النظم الصناعية المتقدمة, سوف تصنع المستحيل أيضا في سبيل الحد من احتمال تطور مثل هذه التحالفات وقطع طريق التواصل بين القوى الديمقراطية العالمية. وهذا يعني أن على هذه القوى والحركات أن تفكر منذ الآن في بناء أطر التضامن العالمي الجديدة وتزويدها بالإمكانيات والوسائل الكفيلة بتحويلها إلى أطر فاعلة وناجعة. وهو ما يشكل اليوم في نظري أكبر تحد تواجهه حركة التحويل الديمقراطي العالمية وعلى حله سيتوقف نجاحنا في التحقيق السريع للإصلاح العالمي.

_______________
*أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

المصدر : غير معروف