بقلم/ توجان فيصل

لدى العالم العربي الكثير من الشكوك حول جدية ومصداقية المبادرة الأميركية لدمقرطة الشرق الوسط, وهي شكوك مبررة بحكم ممارسات أميركا الأخيرة في الشرق الأوسط والعالم ككل.


الإصلاح الداخلي متاح بإحدى وسيلتين لا ثالثة لهما: التصدي للعسف الداخلي بالقوة, أو التعاون سياسيا مع القوى الدولية الراغبة فعلا في ذلك الإصلاح, والقادرة على تحقيقه
ولكن التعميم إلى حد إدراج كل ما يأتي من أميركا على أنه وبال علينا هو نوع من سوء الفهم للسياسة يخرجها من منظومتها النسبية المتغيرة بأسرع من أي تغير في أي حقل آخر (لكون السياسة تتأثر بكل وبمجمل التغيرات الأخرى) ويسقطها قسرا في منظومة الفكر الشرقي (ومنه العربي) القائم على المثالية والمطلق.

ويهمنا إيضاح هذا لأن نتائج سوء الفهم, وبالتالي إضاعة الفرص, ستضر بالعالم العربي أكثر مما تضر بالغرب وبأميركا, لكون الطرف الأضعف هو الذي يدفع الثمن الأعلى في أي صدام, بغض النظر عن نتائجه أو عمن يملك الحق أو الشرعية الأخلاقية.

فمثلا, في حروب التحرير الطويلة التي خضناها ضد المستعمر الأوروبي, حصلنا على الاستقلال, ولكن الثمن كان باهظا إنسانيا. ورغم ذلك كان على الشعوب العربية, وحتى على جيل ضحايا الاحتلال المباشرين منهم, وليس على أبنائهم وأحفادهم فقط, أن يلعقوا جراحهم ويتعاملوا مع المحتل السابق, وأحيانا مع الجندي والضابط الذي كان يحتل أوطانهم "بصداقة", حقيقية أو مزعومة, باعتبار ذلك من متطلبات السياسة التي ليس فيها أعداء دائمون ولا أصدقاء دائمون, وإنما تقوم على المصلحة التي تتحدد من موازنة الخسائر بالمكاسب.. هذا للمحظوظين الذين أتيح لهم أن يستقلوا, وليس لمن وقع تحت حكم عملاء الاستعمار!!

ولكن قبل الدخول في حسابات المصالح السياسية للأوطان وسط تعقيدات عديدة خلفها الاستعمار وراءه عامدا أو مستهترا, لابد أن نتوقف قليلا عند ما أشرنا إليه من نمط التفكير الشرقي لتبيان الصورة ومواقع الأقدام.

فالشرقيون في أغلبهم مثاليون. وحتى الغربيون الذين جاؤوا بفلسفات مثالية, كانوا متأثرين بالشرق. والمثالية تنزع بالإنسان إلى الكمال والمطلق, وبالتالي هي أبعد ما تكون عن "النسبية".

وقد يفسر هذا ازدهار الشرق وسيطرة حضارته في عهد الفلسفات والأديان والفكر التأسيسي للعلوم "الخالصة" أو العلوم الإنسانية, وبالمقابل, ازدهار الغرب وسيطرته في عهد العلوم التطبيقية و"التكنولوجيا" بالذات. وهو ما يبشر, لو وقف الشرقيون على أقدامهم ثانية واستعادوا إرادتهم وكينونتهم, أن يعود بندول الحضارة إلى الشرق (حسب نظرية باركنسون) بحثا عن الفحوى الروحي والمثالي المطلوب لعلاج مرض (بتشخيص فلاسفة عديدين منهم أشبنغلر) الحضارة الغربية المتمثل في الإغراق في المادية. ولكن هذا لا يعني صلاحية الفلسفات الشرقية القديمة للتطبيق بمجرد سحبها من خزائن التاريخ. فالحضارات تتلاقح وتنتج كائنات جديدة قادرة على العيش في البيئة الجديدة.

وأهم ما ينقص الفكر الشرقي الآن هو" النسبية". والإنسان, عند الخيارات الأهم -كالخيارات السياسية- ينزع إلى تحكيم الموروث الفكري والعقائدي. ويفعل هذا بصورة أكثر تصلبا إذا كانت خياراته تلك تتعلق بعلاقة طغى عليها الصراع مع آخر يحمل موروثا مختلفا, حتى لو لم يكن الصراع بين الموروثين بالضرورة, بل بين مصالح آنية متغيرة. لهذا يميل الإنسان الشرقي إلى إسقاط القيم المثالية المطلقة المتجسدة في الفكر الشرقي على أحكامه السياسية. ومن هنا تعمم أحكام الخير والشر على أمور هي في طبيعتها نسبية, وتحتمل الخطأ والصواب بالمفهوم التجريبي, ولكن حتما ليس بالمفهوم المثالي, رضينا أم أبينا.

وإذا كان العدوان على العالم العربي واستغلاله, بكل أشكاله, يقع في إطار الشر حتما, فإن الشر ذاته يتحقق من أي عدوان من فئة على فئة, أو استغلال لها, ولو داخل جسم الأمة ذاتها. بل إن الخطر الذي دخل البيت أولى بالدرء, والجرثومة التي دخلت الجسم أولى بالمقاومة من تلك التي لا تزال تحوم في البيئة الخارجية. ومن مأثور القول عند العرب (والمأثور لا يغدو كذلك ما لم يصب وترا جمعيا حساسا): "وظلم ذوي القربى أشد مضاضة".

ومن هنا لابد من دراسة المتاح من رفع الضيم لتبيان مدى ضرورته ومدى مصداقيته. والضرورة يقرها الجميع ولا جدال فيها, سواء لتوفير متطلبات الأمن والعيش الكريم للمواطن داخل وطنه, أو لتوفير متطلبات الأمن والتعايش السلمي بكرامة مع الخارج الدولي.

فلو كنا نملك ذلك الجزء من إرادتنا السياسية المتحقق من الديمقراطية, ونملك ثرواتنا التي تنهب أو تحول إلى الخارج بفعل فساد حكامنا المالي والسياسي, فإن مردود الإصلاح الداخلي على الأمة يفوق مردود الجهد ذاته في مقارعة العدو الخارجي. هذا على اعتبار أن التصدي للعدو الخارجي بمقدرات الأمة (ولا نتحدث هنا عن تصدي أفراد أو مجموعات مطاردة في الداخل والخارج) متاح الآن, وهو ليس كذلك.

ولكن الإصلاح الداخلي متاح بإحدى وسيلتين لا ثالثة لهما: التصدي للعسف الداخلي بالقوة, إذ لا يمكن إقناع الديكتاتوريات الفاسدة بالتخلي طوعا عن مكتسباتها غير المشروعة المتضخمة والمضخمة "لذوات" هؤلاء.. أو التعاون سياسيا مع القوى الدولية الراغبة فعلا في ذلك الإصلاح, والقادرة على تحقيقه. وغني عن القول إن الخيار الثاني هو الأقل كلفة للشعوب وللحكام لو امتلكوا بقية من منطق لم تأت عليه الذات المتضخمة.

ولكن يبقى السؤال المشروع عن مدى جدية التوجه الدولي, متمثلا في القوى الكبرى: أميركا وأوروبا, ومن بقي خارجهما من الثمانية الكبار.


إن كانت القوى الكبرى صادقة في إصلاح حالنا وتعاونا معهم, فسيعينونا على الإصلاح, وإن لم نتعاون معهم, فسيوغلوا في إعانة حكامنا علينا, لأن وجود مصالح لهم تحتم وجود علاقة بحجم المصالح
هنا لابد أن نأتي لحسابات "المصالح" لقياس "المصداقية". فإذا كانت لهؤلاء مصالح حقيقية في صلاح حالنا الداخلي فهم صادقون, وإن لم تكن فهم كاذبون!! وإن كانوا صادقين وتعاونا معهم, فسيعينونا على الإصلاح, وإن لم نتعاون معهم, فسيوغلوا في إعانة حكامنا علينا, لأن وجود مصالح لهم تحتم وجود علاقة بحجم المصالح, بغض النظر عن ماهيتها ومع أي طرف تقوم.

ففي لقاء تعارف ضيق جدا (ولهذا اتسم بالصراحة) مع وزير خارجية بريطانيا مع إدوارد هيث في أوائل التسعينيات, سألته إن كان الغرب يدرك المخاطر التي ستنتج عن التعاطي الغربي المفرط مع الحكومات التي لا تمثل شعوبها, فكانت إجابته "نحن في الوقت الحالي نريد يدا ترتفع بالتأييد في الأمم المتحدة لو عرضنا قرارا هناك, والشعوب لا تقدر أن تفعل ذلك"! والآن, وبعد عقد واحد من ذلك الحديث, اضطر الغرب للاستجابة للأيدي الشعبية التي ارتفعت بأكثر من طريقة, وبفاعلية أكثر مما في الأمم المتحدة.

تمثل السقوط النهائي للأمم المتحدة في غزو العراق. ولكن ذلك الغزو أسقط معه أيضا ماهو أهم, ألا وهو الخيار الإستراتيجي الأول الذي كان الغرب يستند إليه في التطاول على العالم الثالث, وهو خيار القوة الذي كان يفترض أن يكون حاسما لصالح من يملك التكنولوجيا الحربية المتفوقة.

فبعد أسابيع قليلة من بدء غزو العراق, أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش للعالم من ظهر حاملة طائرات أميركية, انتهاء العمليات القتالية الرئيسية في العراق. ولكنه بعدها بستة أشهر, اضطر إلى أن يتسلل تحت إجراءات أمنية وتكتم شديد لم يسبق أن رافقا تحرك أي رئيس للولايات المتحدة منذ قيامها, إلى قاعدة عسكرية أميركية في العراق, وفر منها فورا بعد أداء الحد الأدنى من مراسم الاحتفال بعيد الفصح مع جنوده.

كانت تلك مجازفة اضطر لها الرئيس لمحاولة رفع معنويات جنوده, ولاسترداد شيء من شعبيته التي بدأت تتراجع. فالمعركة الحقيقية بين "الشعب" العراقي وجيش الاحتلال الأميركي كانت قد بدأت في مايو/ أيار, بعد إعلان الرئيس الأميركي انتصاره, وقتل فيها حتى الآن ما يزيد على ستمائة جندي أميركي, وانتحر 22, وجرح آلاف كما أصيب آلاف بإعاقات نفسية, حسب ما ورد في الصحف الأميركية. ويرتفع عدد القتلى عن هذا بكثير في تقارير المراسلين وشهود عيان، أي أن خسائر أميركا البشرية نتيجة الاحتلال حتى الآن وفي أقل من عام تزيد على خمس خسائرها في ضربات 11 سبتمبر/ أيلول, ودونما ضمانة لعدم تكرار تلك الضربات!!

والحال ليس أفضل في أفغانستان. فالمعارك هناك ما زالت مستمرة باستثناء أن الخسائر قد تصيب أعوان أميركا ومرتزقتها أكثر مما تصيبها. وإذا كان الرئيس صدام قد أسر, فإن دائرة عمل زعيم القاعدة أسامة بن لادن, سواء اعتمدنا ما يقوله الغربيون أو ما يقوله العرب والمسلمون, توسعت لتشمل العراق والدول المحيطة به, وامتدت بعد نيويورك وواشنطن لتشمل العواصم والمدن الأوروبية. هذا إضافة إلى المعارضة والمقاومة, بل والكراهية الشعبية الدولية لأميركا وبريطانيا, التي تصاعدت بشكل لم يسبق له مثيل, وامتدت لتشمل كافة الأطر السياسية والاقتصادية التي توجد فيها الدولتان, من مثل مجلس الأمن وكافة هيئات الأمم المتحدة, ومجموعة الثمانية الكبار والاتحاد الأوروبي والمؤتمرات الاقتصادية والسياسية الدولية الدورية, وصندوق النقد والبنك الدوليين.

وتجاوز العداء الشعبي مؤسسات الحكم في العالم الغربي, إلى الفلسفة والنهج السياسي الاقتصادي الذي قام عليه ذلك المعسكر, إلى حد يمكن فيه القول إن روحا جديدة بثت في النهج الاشتراكي نتيجة السياسات الأميركية البريطانية الأخيرة, وإنه لأول مرة نجد تقاطعات لهذا النهج, برامجيا وبحكم أن العدو واحد, إن لم يكن أيديولوجيا, مع التيار الإسلامي الأممي هو أيضا, أي العابر للدول والمعد للتصدير وليس فقط للاستهلاك المحلي.

وهكذا, بعد أن ظن الغربيون انهم انفردوا بحكم العالم بعد انهيار المعسكر الشرقي, وجدوا أنفسهم ليس فقط في حالة عداء, بل وفي صدام مسلح آخذ في التصاعد, مع غالبية شعوب العالم وجزء لا بأس به من شعوبهم.

ولعل أدل شيء على فشل الخيار العسكري في "مكافحة الإرهاب", أن إعلانات بوش الانتخابية تركز على هجمات 11 سبتمبر/ أيلول, ولكنها تتحاشى تماما الحديث عن حملته العسكرية على العراق, مع أن العنوان والإجراء الرئيسي, الأهم والأخطر والأعلى كلفة من كل الإجراءات الأخرى التي ابتدعتها واتخذتها إدارته لمنع تكرار ما حدث و"لمكافحة الإرهاب", هو "الضربات الاستباقية".

فإذا كان هذا ما أسفرت عنه وآلت إليه أكبر وأهم حملتين على "إرهاب الدول المارقة", المتهمة بامتلاك أسلحة الدمار الشامل, أو باعتناقها أيديولوجية معادية للغرب, فإن جدوى محاربة ما أسمي "بإرهاب الدول المارقة" تضاءلت (خاصة بعد ثبوت المبالغة وحتى الكذب والتزوير بشأن وجود تلك الأسلحة أو خطرها) مقابل خطر ما يسمى "بالتنظيمات والجماعات الإرهابية" التي بدأت جميعها كأفراد وحركات معارضة داخل أوطانها لأنظمة قمعية فاسدة, أو لحالات احتلال. وكلها, الأنظمة والاحتلال, كانت مدعومة من أميركا خاصة, ومن الغرب عامة.

ومن هنا امتد عداء هذه الجماعات إلى "المنابع" التي تغذي القمع والفساد والاحتلال, وتمول بعضه بالسلاح أو المال أو بكليهما, وتمول معظمه بتوظيف الفساد الرسمي لتسمين شركاتها وبنوكها التي تؤوي أرصدة الحكام المهربة أو تبيضها.

فهل نستغرب بعد هذا أن تصدق الدول الغربية في محاولاتها "تجفيف منابع الإرهاب" الحقيقية هذه المرة, والمتمثلة في القمع والفساد, الذي أسماه الكاتب السياسي البريطاني باتريك سيل "بالاستغلال البشع" للشعوب العربية؟؟ في وجه الارتفاع الجنوني لفاتورة "مكافحة الإرهاب", المادية والبشرية وصولا إلى أمن وحرية -ما يسمونه "نمط معيشة "- الإنسان الغربي, هل نستبعد أن يقوم الغرب بخصم عمولة الحكام العرب التي باتت تمثل الجزء الأكبر من تلك الفاتورة؟! أيهما التنازل عنه أجدى وأسهل للعالم الغربي, نمط معيشته أم نمط معيشة الحكام العرب؟!
ــــــــــــــــــ
كاتبة أردنية

المصدر : الجزيرة