بقلم غراهام فولر

تسببت زيارة وزير الخارجية الأميركي كولن باول لمنطقة الشرق الأوسط هذا الأسبوع بهزيمة للولايات المتحدة بعد أن تلقت خطط باول وبوش ضربات قوية، إذ من المرجح أن تنتهي مهمة باول بالفشل.

فقد فقدت جولة باول كلها مصداقيتها في العالم العربي بعد أن استغرق الأمر منه أسبوعا كاملا ليصل إلى القدس منذ أعلن بوش عن تلك الزيارة أول مرة. فمع الأوضاع البائسة في الضفة الغربية والمواجهات العسكرية والمعاناة الإنسانية التي يتكبدها الفلسطينيون هناك كان على باول أن يذهب إلى القدس على الفور بدل أن يعطي شارون أسبوعا كاملا ليقوم بمزيد من الدمار بحق الفلسطينيين، فتأخيره موعد الزيارة يبطل أي ادعاء بأن واشنطن تعتبر الأزمة ملحة. والواقع أن باول شعر بالحرج عندما سأله ملك المغرب محمد السادس علنا عن سبب قدومه إلى المغرب أولا بدلا من ذهابه إلى القدس مباشرة.


كان على باول أن يذهب إلى القدس على الفور بدل أن يعطي شارون أسبوعا كاملا ليقوم بمزيد من الدمار بحق الفلسطينيين، فتأخيره موعد الزيارة يبطل أي ادعاء بأن واشنطن تعتبر الأزمة ملحة
الأمر الثاني أن باول فقد مصداقيته وجديته عندما تردد في لقاء ياسر عرفات. فقد ظل باول عدة أيام الأسبوع الماضي وهو يقول إن لقاءه مع عرفات لم يكن أكيدا وإن ذلك "سيعتمد على الظروف". وربما كان يأمل أن يتمكن من لقاء قادة فلسطينيين آخرين لكي يضغط أكثر على عرفات، لكن ذلك الأسلوب لم يكن حكيما. فلماذا لا يلتقي باول مع أحد الطرفين إذا كان يريد أن يتصرف كوسيط نزيه؟ ولماذا يقول بطريقة غير مباشرة إن أحد الطرفين لا يستحق اللقاء معه إلا في ظروف معينة؟ فهل كان باول يريد أن يتفاوض مع شارون وحده؟ لقد كان واضحا أن جميع القادة العرب أخبروا باول أن ليس لديه أي خيار سوى اللقاء مع عرفات. ومع نهاية الأسبوع بدأ باول يقول إنه "سيلتقي عرفات بالطبع". لقد مثل ذلك تراجعا في موقف الإدارة الأميركية.

ثم بعد أن صرح بوش أكثر من مرة بأنه "يتوقع من شارون وعرفات تنفيذ ما طلبه منهما"، رفض شارون بوضوح ووقاحة احترام دعوة بوش له بسحب قواته ووقف عملياته العسكرية. وهكذا تجاهل شارون حتى الآن دعوتين علنيتين على الأقل من بوش، وهو ما أوقع إدارة بوش بالحرج. إنه من المهم ملاحظة أن بوش لم يعد يطالب إسرائيل علنا بعمل شيء وذلك حفظا لماء وجهه أمام الناس. لقد لاحظ العالم كيف أن إسرائيل تتحدى الرئيس الأميركي عامدة، فشارون يعتقد أن بوش لن يجرؤ على مخاصمته أو الضغط على إسرائيل كثيرا.

إن بوش أصلا في وضع غير مريح مع الكونغرس الذي يضغط عليه كالعادة لكي يقدم دعما أكبر لإسرائيل بدلا من تخفيضه. كما أن المحافظين الجدد في إدارة بوش وخارجها يلحون على بوش بأن "لا يساوم أو يقدم تنازلات في مسألة الإرهاب". ولا أعتقد أن هذه المسألة مهمة لحزب الرئيس بوش في انتخابات الكونغرس القادمة، لأنه من المؤكد أن الجمهوريين سيحصلون في كل الأحوال على أصوات غالبية اليهود المحافظين. كما أن المسيحيين من الجناح اليميني يضغطون عليه بقوة لكي يدعم إسرائيل، أضف إلى ذلك أن الرئيس بوش لم يكن على اطلاع كبير على رأي الشارع الأميركي بشأن قضية الشرق الأوسط خلال الأسبوع الماضي.

عرفات أيضا لم يكن متعاونا بالدرجة التي كان بوش يتوقعها، فلكي يحافظ باول على ماء وجهه ألحّ على ضرورة أن يقوم عرفات "بإعلان بيان يدين الإرهاب" كشرط مسبق لعقد اللقاء معه، وهو طلب لم يكن جادا ولا معنى له، لأن عرفات أصدر مثل تلك البيانات من قبل، كما أن عرفات لا يقدر على وقف العمليات الانتحارية التي تقوم بها حماس أو حتى تلك التي تقوم بها كتائب الأقصى. ومن ناحية أخرى فإن بيان عرفات الذي أدان فيه العملية الانتحارية الأخيرة (في القدس الغربية)، كان يدين في الوقت نفسه العنف والإرهاب الإسرائيلي ضد المدنيين الفلسطينيين. وقد ادعت واشنطن أن البيان كان "مشجعا" لكنه في الواقع لم يكن فيه شيء جديد على الرغم من أنه "مكّن" باول من لقاء عرفات. وبدلا من أن يكون عرفات شخصا ضعيفا ومعزولا حصل الآن على شعبية بين الفلسطينيين وفي العالم العربي بسبب التعامل السيئ معه في رام الله.

ثم إن إدارة بوش تتوقع من الدول العربية الضغط على عرفات لكي يتخلى عن "الإرهاب" ولدفعه إلى طاولة المفاوضات. ومن غير المرجح أن تقوم مصر أو الأردن أو السعودية بممارسة ضغط كبير على عرفات لأنها تعرف أن الصفقة التي سيقدمها شارون ستكون غير مقبولة على الإطلاق لأنها ستكون أقل حتى من الذي عرضه باراك قبل عام. إن هذه الدول العربية واقعة تحت ضغط شعبي غير عادي لكيلا تخذل الفلسطينيين. وربما شعر بوش وباول أن الدول العربية "لا تقوم بما فيه الكفاية لمساعدة عملية السلام" وهو ما سيجعل موقف بوش من الزعماء العرب سلبيا أكثر، وبالتالي فإن ذلك يعتبر فشلا آخر لبوش.


خصوم باول في واشنطن، خصوصا في البنتاغون وربما أيضا نائب الرئيس تشيني، سيستخدمون فشل باول في القدس ذريعة أمام بوش للتدليل على خطأ سياسة التعامل مع عرفات، وسيحثون بوش على تقديم مزيد من الدعم لشارون في "حربه على الإرهاب"
في غضون ذلك يراقب خصوم باول في واشنطن، خصوصا في البنتاغون وربما أيضا نائب الرئيس تشيني، يراقبون فشل باول في القدس وسيستخدمونه ذريعة أمام بوش للتدليل على خطأ سياسة التعامل مع عرفات، وسيحثون بوش على تقديم مزيد من الدعم لشارون في "حربه على الإرهاب". ولذلك سيضعف موقف باول أكثر داخل الإدارة الأميركية وهو تطور مؤسف جدا.

وسيواجه باول مزيدا من الهزائم في الأسابيع القادمة، فشارون سيواصل حملته العنيفة في الضفة الغربية وربما سيمتد ذلك إلى غزة. ولو كان شارون جادا في رغبته باعتقال المجاهدين الفلسطينيين ومصادرة أسلحتهم ومتفجراتهم وفي منع حرية حركتهم، فإنه لن يتوقف الآن كما طلب بوش منه ذلك، بل سيكمل مهمته التي ستشمل غزة وهي منطقة مهمة جدا. إن شارون يستطيع تدمير القدرة الفلسطينية على المقاومة على المدى القصير، لكن على المدى الأبعد سينجح الفلسطينيون في إعادة تشكيل قوتهم المقاومة وستتواصل عملياتهم الانتحارية، وهذه المرة سيزداد الغضب على إسرائيل أكثر من قبل، ولذلك لن يكتب النجاح لإستراتيجية شارون. وستخسر واشنطن إذا تركته يواصل عملياته العسكرية، وسيخسر شارون عندما يتضح أنه غير قادر على وقف "الإرهاب".

من ناحية أخرى فإن عرفات هو الآخر قد لا يوافق على محاولة وقف العمليات الانتحارية ما لم يسحب شارون قواته من المناطق التي احتلها، وهو ما سيعتبر هزيمة لشارون في حال انسحابه فعلا. وحتى لو انسحب شارون فإن الفلسطينيين قد لا يكونون راغبين في دخول مباحثات السلام التي ثبت أنها لا تنتهي وأنها غير مثمرة. إن الإعلان الفوري عن دولة فلسطينية عاصمتها القدس الشرقية وذات سيادة وصلاحيات، وانسحاب إسرائيل من جميع الأراضي المحتلة ووقف المستوطنات اليهودية وتقديم الدعم المالي للفلسطينيين هو وحده الذي سيبدأ في إحداث تغيير في عقول الفلسطينيين، وهو أمر من غير المتوقع أن يحدث.

أخشى أن مزيدا من الدماء ستراق في فلسطين وإسرائيل. وأرى أنه لا يوجد حل لوقف المواجهات بين شارون وعرفات، ولا أعتقد أن باول قادر على إحداث تغيير مهم في الموقف الإسرائيلي لأن الليكود لا يمكن أن يوافق على متطلبات التسوية السلمية، وهكذا ستفقد الإدارة الأميركية مزيدا من نفوذها في المنطقة بينما يواصل الوضع فيها تدهوره.

المصدر : غير معروف