بقلم: د. برهان غليون*

فجر زوال الحرب الباردة الآمال الكبيرة لدى العديد من الاوساط الدولية في تعميق توجهات إيجابية لدى المجموعة الدولية بأكملها والتوصل إلى سلام شامل في جميع أنحاء الكرة الأرضية، واعتقد العديد من الأوساط السياسية والاقتصادية أن نهاية النزاع الدولي قد خلقت وضعا ملائما لتحقيق تنمية إنسانية شاملة وللقضاء على الفقر في العالم استنادا إلى توفير الأموال التي كانت تنفق في الحروب والاستعدادات لها.

كما زاد الاعتقاد لدى العديد من السياسيين والدبلوماسيين بأن انتهاء المواجهة بين الشرق والغرب سوف يتيح فرصة أكبر كي تلعب الأمم المتحدة دورا أكثر قوة وموضوعية في حل النزاعات الدولية وبالتالي أن تزيد من فرص الاستقرار الدولي, حتى إن البعض قد طمح إلى تأسيس نظام دولي جديد قائم على تأكيد الشرعية الدولية وتدخل الأمم المتحدة لإحقاق الحقوق ومنع الأقوياء من استغلال قوتهم للسيطرة على الضعفاء أو المس بحقوقهم ومصالحهم.


تبدو إعادة خلق مناخ الحرب البادرة الطريق الأفضل للحفاظ على موقع التفوق الذي تحتله الولايات المتحدة اليوم في الساحة الدولية وما يتطلبه ذلك من الاحتفاظ بالأمر الواقع كما هو وتكريس قيادة واشنطن باسم المعسكر الحضاري الغربي بأكمله للعالم أجمع
ونشأ عند المفكرين والمثقفين في العالم أجمع اعتقاد قوي بأن الإيديولوجيات الراسخة والمغلقة التي كانت تشرع لمناخ الحرب وتغذيها في الوقت نفسه قد ماتت أو أنها سوف تموت سريعا وتنتهي لتفتح الطريق أمام تفاعل ثقافي إنساني أعظم يلغي التعصب والتمييز العنصري والتهميش الفكري ويضاعف من إمكانية الاعتراف بالتعددية الثقافية واحترام الآخر ويخلق ما اصطلح على تسميته بثقافة السلام والإخاء والتفاهم العالمي.

بيد أن ما بدا فرصة كبيرة لتجاوز الشرخ العالمي الذي أحدثته الحرب الباردة بين المعسكرين الشيوعي والرأسمالي وبالتالي ما ظهر من إمكانية تأسيس مناخ عالمي جديد يعزز الخيارات الإيجابية لدى الجميع ويؤكد وحدة الإنسانية بدا هو نفسه خطرا كبيرا على كتل المصالح الكبيرة التي انتعشت ونمت وتطورت في مناخ الحرب الباردة وكانت لها مصلحة أيضا في استمرار هذه الحرب، ومن تلك الكتل ولكن ليس وحدها كتلة ما يسمى بالمركب الصناعي العسكري في الولايات المتحدة بشكل خاص.

وقد التقت مصالح هذا المركب مع أفكار التيارات القومية والدينية المتطرفة في الولايات المتحدة نفسها كما التقت مع التيارات المتطرفة القومية والدينية الإسرائيلية المندمجة معها في واشنطن من خلال اللوبي الإسرائيلي في سبيل قطع الطريق على التطورات الإيجابية التي كان يحملها زوال الحرب الباردة وإعادة خلق مناخ المواجهة الدولية على أسس جديدة وبمنطق جديد.

فبعكس القوى الديمقراطية الأميركية والعالمية السلمية ذات النزعة الإنسانية المنتشرة في الولايات المتحدة وأوروبا وفي العالم أجمع، تعتقد هذه القوى المتطرفة المنغلقة والجاهلة وذات الأفق الضيق معا، أي الظلامية بامتياز, أن الانفراج الدولي والتعاون الإنساني والتفاهم الديمقراطي الذي نما على إثر زوال الحرب الباردة يهدد مواقع الدول الكبرى والولايات المتحدة بشكل خاص بما يعممه من قيم المساواة والتكافؤ والندية على صعيد العلاقات الدولية وبما يتضمنه من ضرورة التعاون والتضامن والتكافل الدولي في سبيل القضاء على الفقر وحل المشاكل الكبيرة العالقة من حقبة الحرب الباردة السابقة.

وبالعكس, تبدو إعادة خلق مناخ هذه الحرب بل وتحويلها إذا أمكن إلى حرب ساخنة, وهو ما يحصل اليوم بالفعل, هو الطريق الأفضل للحفاظ على موقع التفوق الذي تحتله الولايات المتحدة اليوم في الساحة الدولية وما يتطلبه ذلك من الاحتفاظ بالأمر الواقع كما هو وتكريس قيادة واشنطن باسم المعسكر الحضاري الغربي بأكمله للعالم أجمع.

ولو دققنا النظر في مفهوم الحرب الحضارية الذي يستند إليه هذا التيار الذي يسيطر اليوم على أكبر قوة عسكرية واقتصادية عالمية لاكتشفنا الطروحات والنظريات نفسها التي كانت تشكل أساس مفهوم الحرب الباردة ضد الشيوعية، فالإسلام في نظر دعاة الحرب الجدد كالشيوعية عقيدة رجعية مغلقة وجماعية ترفض الديمقراطية والاقتصاد الحر والانفتاح أو العولمة ولا تقبل بأي حوار أو تفاهم عالمي، والمسلمون أو من يمثلهم أناس منحطون أخلاقيا لا يفهمون معنى الحرية الفردية وليس لديهم ضمير ولا قول ولا أمان، وهم طغاة متجبرون وقساة لا يعرفون معنى للقضاء العادل أو للحقوق الإنسانية أو للغايات النبيلة الأخلاقية ولا يهمهم سوى مراكمة الثروات وتلبية الشهوات، أما العامة من الشعوب فهم تابعون وأميون متخلفون يتعلقون بقادتهم الطغاة ويتعبدونهم ليتقوا شرهم ولا يمكن أن يرتقوا في تفكيرهم أو سلوكهم إلى مستوى أي مبدأ إنساني أو أخلاقي، وهم لا يقلون قساوة وطغيانا إزاء نسائهم وأطفالهم عن زعمائهم وأولياء نعمتهم.

وكما أن الشيوعية لم تكن مسألة أفكار وقيم ومبادئ ولكن مسألة نظم اجتماعية, فإن الإسلام يبدو هنا أيضا كمؤسس لنظم اجتماعية تختلف ولا بد أن تختلف في الأسس التي تقوم عليها والقيم التي تحركها والغايات التي تلهمها عن النظم الديمقراطية الغربية، فبقدر ما تؤكد الأخيرة على الحرية والحق والجمال وتعمل على تعميمها وتعميقها تعزز النظم الإسلامية العبودية والعداء للآخر والعرف العشائري والقبلي والعائلي وتتماهى مع كل ما هو قبيح ومكروه عند الإنسان.

من هنا يبدو الصراع بين المجتمعات الغربية الديمقراطية والمجتمعات الإسلامية العبودية التي يشكل صدام حسين الآن رمزها الساطع صراعا حتميا لا مفر منه, وتصبح الحرب الاستباقية التي تهدف إلى إحباط جهد العدو ومنعه من مراكمة القوة أو التقدم التقني الذي يمكنه من تحقيق مكاسب أو الفوز في السباق, شرطا لصون الحضارة وحصار البربرية والقضاء عليها في عقر دارها.


لو دققنا النظر في مفهوم الحرب الحضارية الذي يستند إليه التيار الذي يسيطر اليوم على أكبر قوة عسكرية واقتصادية عالمية لاكتشفنا الطروحات والنظريات نفسها التي كانت تشكل أساس مفهوم الحرب الباردة ضد الشيوعية
هكذا لم تدفع الإدارة اليمينية في الولايات المتحدة وحلفاؤها الموضوعيون في كل مكان, وبشكل خاص في إسرائيل التي لم تكن تحلم بوضع أفضل من ذلك تعيد تثمين نفسها ودورها الإقليمي فيه, إلى إعادة العالم إلى مناخ الحرب الباردة فحسب ولكنها تسير به جاهدة وعن سابق تصميم نحو قطيعة داخلية عميقة تبرر المواجهة المنظمة العسكرية والسياسية والثقافية والدينية التي تخوضها ضد ما تريد أن يكون البديل الموضوعي والذاتي الطبيعي والحتمي للخطر الشيوعي, أعني العالم الاسلامي.

فمن خلال هذه المواجهة وباسمها سوف تعيد فرض توازنات جديدة داخل المجتمع الأميركي نفسه لصالح التكتل الصناعي العسكري والتيارات اليمينية القومية والدينية المرتبطة به. ومن خلالها أيضا تريد أن تفرض قيادتها الأحادية التي لا تناقش على التكتل الغربي الذي طمع في أن يكون زوال الحرب الباردة مقدمة لتكوين عالم متعدد الأقطاب لا يقتصر فيه إقرار جدول أعمال السياسة الدولية على دولة عظمى واحدة ولا يتجاهل فيه رأي وموقف الدول الصناعية الكبيرة الأخرى.

ومن خلال هذه المواجهة التاريخية التي يفرضها اليمين القومي والديني الأميركي على العالم أجمع في الواقع باسم عقيدة الحرب الحضارية - بدل الحرب العقائدية السابقة والمضمون والمعنى واحد- تأمل الإدارة الأميركية في فرض إرادتها الخاصة وإضفاء الشرعية على الممارسات الانفرادية واللاقانونية واللاإنسانية الضرورية للحفاظ على الوضع القائم ومنع نمو أي حركة إنسانية في اتجاه مساواة أكبر بين المجتمعات والدول والشعوب في شروط الحياة الدولية والاقتصادية والسياسية والثقافية.

وتشكل هنا الحرب المفروضة بالقوة, أي في الواقع النزعة الفاشية الجديدة الأميركية, الوسيلة الوحيدة لمقاومة النزعة الإنسانية المتجددة العالمية التي يغذيها لا محالة الانفتاح والتداول والتبادل المتزايد والمكثف بين الشعوب والمجتمعات، وبقدر ما فقد وسيفقد التمييز العنصري وانعدام المساواة في شروط الحياة المادية والمعنوية مبرر وجودهما على ضوء هذه النزعة الإنسانية الجديدة, وبموازاة تقدم هذه النزعة الحتمي أيضا, وهو ما تعبر عنه التظاهرات الكبيرة التي سارت وتسير في الغرب الرأسمالي نفسه ضد السياسة العدوانية الأميركية, سوف يزداد النزوع لدى القوى اليمينية المتطرفة والرافضة للتحول وتغيير الوضع القائم إلى اتباع الطرق غير القانونية وغير الأخلاقية وبالتالي العنيفة والهمجية لفرض التمييز وعدم المساواة اللذين يشكلان القاعدة الضرورية لتحقيق السيطرة وضمان التفوق وفرض أسبقية مصالح المتفوق, أي لإعادة إنتاج نظام السيطرة والإنتاج القائم.


الإسلام في نظر دعاة الحرب الجدد كالشيوعية عقيدة رجعية مغلقة وجماعية ترفض الديمقراطية والاقتصاد الحر والانفتاح أو العولمة ولا تقبل بأي حوار أو تفاهم عالمي
وكما كان عليه الحال بالنسبة لنشوء النازية والفاشية في منتصف القرن العشرين, لا تعبر الفاشية الأميركية الجديدة, وهي أميركية المركز لكن ليست مقتصرة عليه, إلا عن الانهيار التاريخي لنمط السيطرة التقليدية الأميركية الأوروبية معا, والسعي إلى ابقائها بالطرق الأكثر عنفا وغير الأخلاقية، فعوامل التقدم التقني والفكري والسياسي في العالم أجمع تقضي بتعديل نمط هذه السيطرة الاستعمارية المتخلفة المشتقة من الحرب الباردة التي فات زمنها وتدفع -بعكس ما تظهره الأحداث اليوم- إلى الاعتقاد بأن المستقبل ليس لصالح التيارات الفاشية والعنصرية الأميركية والأوروبية وإنما بالعكس لصالح تيار تجديد العقيدة الإنسانوية الديمقراطية والمساواتية على مستوى المجموعة الدولية كلها, وأن الأوساط الأوسع من الجمهور العالمي, في المجتمعات الغربية وفي الولايات المتحدة أيضا, سوف تكون ميالة أكثر إلى استلهام هذه العقيدة الإنسانية ومبادئها من الغرق في نزعات العنصرية المريضة والتمييز العرقي والحضاري.

لكن, كما بينت ذلك تجربة الفاشية الأوروبية للقرن العشرين, والتي كانت هي أيضا ثمرة المأزق الذي وجد نفسه فيه نظام السيطرة الاستعمارية التقليدية من جميع الوجوه, لن تنهار الفاشية الأميركية من تلقاء نفسها ولن تترك مكانها لنظم ديمقراطية إنسانية جديد قبل أن تحدث من الدمار العالمي ما تحدثه الفاشية الإسرائيلية في فلسطين من دمار مادي ومعنوي بالنسبة للشعب الفلسطيني لكن بالنسبة للمجتمع الإسرائيلي نفسه أيضا. ولن يكون من الممكن الخلاص منها من دون تطوير الجبهة العالمية المعادية للفاشية وتمييز القوى الديمقراطية نفسها داخل الولايات المتحدة وخارجها بشكل واضح وخوض معركة مواجهة داخلية سياسية وفكرية واسعة وطويلة مع المواقف والطروحات النظرية لكن أيضا مع التحالفات الوطنية والتكتلات الإقليمية والدولية التي تسهم في تدعيمها وإدامة قوتها.

_______________
* أستاذ علم الاجتماع السياسي ومدير مركز دراسات الشرق المعاصر في جامعة السوربون بباريس

المصدر : غير معروف