بقلم/ ظافر العاني

في التاسع من أبريل/ نيسان 2003 أوحت مظاهر الابتهاج الشعبي -الحقيقية منها والمفتعلة- بأن الأمور ستكون ميسورة أمام الإدارة الأميركية في تحقيق سياساتها في العراق دونما عوائق. لكن تتابع الأحداث ما لبث أن أفصح عن صحة الرأي القائل بأن القوة العسكرية الطاغية قد تستطيع أن تحتل لكنها لا تستطيع بالضرورة أن تسيطر.

ذلك أن المقاومة العراقية للاحتلال قد ظهرت من بين ركام الحرب ومخلفات الدمار بشكل سريع وعلى نحو غير متوقع. وهي إن بدأت متفرقة هنا وهناك فإنها تنامت بشكل مطرد أفقياً وعمودياً. فالمقاومة التي اتقدت شرارتها في مناطق محددة بما يعرف بالمثلث السني، راحت تمتد إلى مناطق مختلفة أخرى من العراق. صحيح أنها قد تبدو محدودة في المحافظات الجنوبية التي تقطنها أغلبية شيعة، إلا أن ذلك على الأغلب مرهون بالوقت لا أكثر.

وفضلا عن الامتداد الأفقي للمقاومة العراقية فإن أساليبها أصبحت ذات نوعية عالية ليس من السهل على قوات الاحتلال السيطرة عليها أو حتى توقعها، خصوصاً أنها أصبحت تستخدم فنيات العمليات الاستشهادية. ولا أدل على ذلك من تصريح قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال سانشيز الذي اضطر مؤخراً للاعتراف بأن المعلومات المتوفرة تؤكد وجود قيادة مركزية منظمة للمقاومة العراقية وبأنها تستخدم أسلوبا حرفيا عالي المستوى.


أصبحت أساليب المقاومة العراقية ذات نوعية عالية يصعب على الاحتلال السيطرة عليها أو حتى توقعها خصوصاً أنها أصبحت تستخدم فنيات العمليات الاستشهادية
وهذا يعني اعترافا ضمنياً بأن ما كانت تطلق عليها أميركا وأعضاء مجلس الحكم بأنها مجرد فلول أو لصوص أو أعمال فردية انتقامية لبعثيين محبطين، لم يعد وصفا دقيقاً ومقنعاً.

ولا شك في أن المقاومة أصبحت العامل الأكثر حسماً في مراجعة أميركا لسياساتها في العراق من خلال الاضطرار لتقديم تنازلات لم تكن مدرجة على جدول أولوياتها، بينها تأسيس مجلس الحكم العراقي الانتقالي وتشكيل الوزارات. لكن وسم المجلس والوزارة بالصبغة الطائفية والإثنية وحجب قوى سياسية مهمة عنها والصلاحيات المحدودة الممنوحة للمسؤولين العراقيين، جعل من هذه الترتيبات موضع انتقادات واسعة.

وبإزاء ضغط ما يحدث في العراق قدمت أميركا تنازلات أبعد من ذلك، إذ بعدما كان مسؤولوها يتحدثون بثقة مبالغ فيها عن خمس أو عشر سنوات من الاحتلال العسكري المباشر، أصبحوا الآن يستعجلون إنهاء هذا الوضع كالطلب من مجلس الحكم الانتهاء من وضع الدستور خلال ستة أشهر تجري بعدها انتخابات ليتسلم العراقيون السلطة ولو صورياً.

وبينما كانت أميركا تظهر حرصاً على عدم مشاركة دول أخرى في عراق ما بعد صدام واستئثارها "بالكعكة" لوحدها، ها هي الآن تطلب من الدول الأخرى بل وتضغط عليها لتقديم مساعداتها العسكرية بغية التخفيف عن جنودها، ولم تمانع حتى من تقديم الوعد لها بالحصول على عقود في حملة إعادة إعمار العراق. وهذا كله يوحي بأن أميركا لم تعد تريد أن تقدم وحدها فاتورة ما بعد الحرب بعد أن بدا لها أنها ستكون فاتورة مكلفة.

أميركا اليوم باتت تبحث عمن يقاسمها الأعباء ويلقي لها بطوق النجاة للخروج من مأزق لم تقدر عواقبه جيدا. ولو أردنا أن نجمل الأسباب التي تحدو بأميركا للتشبث بأطراف تقاسمها فاتورة الحرب لحددناها بالآتي:

أولا- موجة الاستياء الشعبي داخل أميركا ذاتها من الخسائر البشرية التي يتكبدها جنودها في العراق ويصفونها بأنها "خسائر غير مقبولة"، بحيث تتصاعد اليوم مطالبات أصبحت شبه منظمة وهي تدعو إلى عودة الجنود الأميركان إلى وطنهم.

ثانيا- التكلفة المالية الباهظة للاحتلال والتي أصبحت تربو على الأربعة مليارات دولار شهرياً، بل إن الرئيس بوش طالب الكونغرس بميزانية إضافية قوامها 87 مليار دولار لإدامة الاحتلال مما جعل خصوم الجمهوريين ينحون باللائمة على الإدارة الأميركية بأنها تهدر أموال دافعي الضرائب على غايات لا طائل منها في حين يعاني الاقتصاد الأميركي من أزمات صعبة.

ثالثا- فداحة التدمير الذي تعرض له الاقتصاد العراقي وبنيته التحتية إضافة إلى الديون الطائلة عليه، فبينما كانت الإدارة الأميركية تعلل الحرب لشعبها بأن موارد العراق كافية لتمويل الحرب والاحتلال، اكتشفت اليوم بأن عليها أن تبذل أموالاً باهظة كي تحقق الصورة التي تنادي بها في جعل العراق بلداً "مزدهرا"، خصوصاً أن المقاومة الوطنية تستهدف أنابيب البترول مما يصعًب عملية التمويل. ولعل هذا ما دفع الكونغرس إلى تقليص ملياري دولار عن أصل المبلغ الذي طلبه بوش واعتبار نصف المبالغ المخصصة لإعمار العراق والبالغة 20 مليار دولار قروضاً لا منحة كما طالب بوش.

رابعاً- الدرس الذي أرادت أميركا أن يكون عظة لمن تسميها "الدول المارقة" قد انهار تقريباً، حيث أصبحت هذه الدول تنتهز المأزق الأميركي في العراق لاتخاذ مواقف أكثر تشدداً في عدم الانصياع للمطالب الأميركية. وعلى العكس من ذلك فإن مقاومة الاحتلال قد أصبحت هي الأمثولة وعنصر إلهام لتهييج المشاعر الوطنية المعادية لأميركا في العالمين العربي والإسلامي.

خامسا- توسع جبهة المقاومة في العراق إذ لم تعد تقتصر على العراقيين وحدهم، وإنما يصطف إلى جانبها طيف من العرب القوميين والحركات الإسلامية المتشددة الذين آثر أعضاؤها تصفية خصوماتهم السياسية مع أميركا في العراق، وبلغ الأمر حدا جعل بوش يصف العراق بأنه "الجبهة الأولى لمكافحة الإرهاب" مما يعقد حل المشكلة الأمنية على أميركا.

سادسا- انخفاض الروح المعنوية لدى الجنود الأميركان، ومن مظاهر ذلك انتشار ظاهرة الانتحار والهروب في صفوفهم والحمل القصدي عند المجندات للفرار من ساحة المعركة، فضلاً عن مطالبات الجنود وبعبارات نابية وزير الدفاع بإعادتهم إلى وطنهم، الأمر الذي ينذر بتفشي ذلك وهو ما يدعو إلى ضرورة استبدال هؤلاء الجنود بآخرين.


أميركا تريد من يقاسمها الأعباء الأمنية والمالية بما يخفف عن كاهلها ما تعانيه، لكنها لا تبدو مستعدة للتنازل عن قيادة التحولات أو حتى القبول بتقاسم المصالح
لكن ما فاقم إحساس الحرج فعلاً هو تهاوي الذرائع التي أطلقتها أميركا في شن الحرب على العراق، فأسلحة الدمار الشامل لم يعثر عليها مفتشوها رغم مضي كل هذه المدة، كما أنها لم تستطع أن تبرهن بدليل مقنع أن ثمة علاقة بين حكومة صدام حسين وتنظيم القاعدة، في حين اضطر بوش إلى الاعتراف بأن لا دخل للعراق بأحداث 11 سبتمبر/ أيلول 2001. إضافة إلى كل ذلك تأكيد العديد من الخبراء المعنيين بأن العراق لم يكن يشكل -تحت أي ظرف كان- خطراً أكيداً ووشيكاً على الأمن الدولي أو الأمن القومي الأميركي.

هذه الأجواء جعلت الإدارة الأميركية تشعر جدياً بضرورة الانتهاء من هذه المسألة على نحو لا يخل بمصالحها الجوهرية. بيد أن مطلبها هذا وقع أسير مفارقة ليس من اليسير حلها، فهي من جهة تريد من يقاسمها الأعباء الأمنية والمالية بما يخفف عن كاهلها ما تعانيه من صعوبات، لكنها من جهة أخرى لا تبدو مستعدة للتنازل عن قيادة التحولات أو حتى القبول بتقاسم المصالح على نحو متكافئ ولو نسبيا، ومن هنا راحت تمارس ضغوطاً على الآخرين على أمل المساعدة في المساهمة بدفع فاتورة الحرب باتجاهين:

الأول- الطلب من الحلفاء والأصدقاء إرسال جيوشهم إلى العراق بهدف تقديم العون في كبح جماح المقاومة الوطنية بالقدر الذي يخفف عن الجنود الأميركان الخسائر ويقلص الانتقادات في الشارع الأميركي.

الثاني- الضغط على الدول ولاسيما الغنية منها للمساهمة مالياً في تمويل نفقات الحرب وإعادة إعمار العراق بعد تصاعد أرقام النفقات بشكل فلكي.

لكن هذين المطلبين كانا ولا يزالان مشروطين بأن يكون الملف برمته تحت قيادة أميركية غير متنازع عليها ومغانم اقتصادية تستأثر هي وحدها بمعظمها، الأمر الذي لم تقابله الدول بالموافقة التامة.

فالقوى الكبرى (فرنسا وروسيا وألمانيا أو ما يسمى أوروبا العجوز) ما زالت تلح على أن إرسال قواتها إلى العراق ينبغي أن يكون تحت قيادة الأمم المتحدة لا سواها، وبأن يكون الجميع شركاء في المصالح. وقبل ذلك فإن الدول العربية والإسلامية أعلنت منذ وقت مبكر ذات الموقف الذي أفصحت فيه عن عدم استعدادها لإرسال قواتها إلى العراق في مهمة صعبة يقابلها الشارع العربي والإسلامي بالرفض التام لأنها تكرس الاحتلال أكثر مما تسهم في إنهائه.

وحتى بعد استصدار قرار من مجلس الأمن يوم 16 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي يقضي بجواز إرسال أعضاء الأمم المتحدة قوات حفظ سلام في العراق بعد مفاوضات صعبة وخمس تعديلات أجريت عليه منذ أغسطس/ آب الماضي، فإن من المستبعد أن تكون هذه المشاركة على نحو واسع، إذ تعتقد الدول الكبرى بأن الأفكار التي ضمنتها الإدارة الأميركية في القرار ما زالت تضع لها دوراً هامشياً وفيه ما يمس كبرياءها القومي لأنه ينطوي فقط على إلقاء طوق النجاة لأميركا من مأزقها، كما أن دورها السياسي والأمني يحمل معنى التبعية.

ومن المستبعد أن يزيد هذا القرار عدد الدول المستعدة للإسهام بقواتها العسكرية في العراق. وليس بأقل من ذلك المساهمات المالية التي تطلبها الإدارة الأميركية من الدول المانحة لحملة إعادة الإعمار. فما رشح حتى الآن من إعلانات يجعلها متواضعة جداً بالقياس لحجم ما يحتاجه الواقع فعلاً والذي يربو على 70 مليار دولار.


يبدو أن على أميركا أن تدفع معظم تكاليف الحرب والاحتلال، أو أن تتنازل عن دور القيادة لصالح مبدأ الشراكة الإستراتيجية
فالاتحاد الأوروبي –على سبيل المثال- أعلن أنه سيقدم 200 مليون يورو لا أكثر وهو رقم قليل للغاية بالقياس لما هو منتظر منه، فضلاً عن أن عددا من الدول المانحة تطالب بتأجيل مساهماتها لحين الحصول على ضمانات سياسية فيما يخص الاستقرار الأمني في العراق ووضع جدول زمني لتسلم العراقيين السلطة بشكل فعلي.

فضلا عن ذلك فإن دعوة أميركا للدول الدائنة بإسقاط ديونها عن العراق وأن تأخذ بنظر الاعتبار احتياجاته التنموية الملحة لم تقابل بالرضا، وأقصى ما قالته هو إلغاء نسبة من الديون وجدولة الأخرى. وقد كان غريبا بالفعل أن تكون الكويت الدولة الأكثر امتعاضا من تصريحات بريمر التي نادى فيها كلا من السعودية والكويت لإسقاط ديونها ومبالغ التعويضات عن العراق. وكان هذا هو ذات الموقف الذي اتخذته إيران التي تطالب العراق بدفع تعويضات مالية كبيرة عن الأضرار البيئية لحرب الخليج الثانية.

وهكذا ربما تجد أميركا نفسها ثانية أمام المأزق من جديد، إذ يبدو أن عليها وحدها دفع معظم تكاليف فاتورة الحرب والاحتلال من دماء جنودها وأموال ميزانيتها، وإلا فليس أمامها سوى التنازل عن دور القيادة لصالح مبدأ "الشراكة الإستراتيجية" وهو ما لا يلوح في الأفق القريب.
__________________
كاتب عراقي

المصدر : غير معروف