بقلم/ محمد فال ولد المجتبى

- العولمة كواقع.. وإستراتيجية للهيمنة
- إيديولوجيا الغبن وقوانينه
- عصر عولمة الخوف

يذهب البعض إلى تأكيد أن ظاهرة العولمة تمثل حتمية تاريخية لا دخل للإنسان في مساراتها ولا سبيل له إلى تصحيح اختلالاتها، وهو تأكيد يجانب الصواب وإن حاول أن يستند إلى مقدمات صحيحة إلى حد ما، ذلك أنه يغيب عن هؤلاء -أو يتجاهلون- أن هذه العولمة التي يتحدث عنها الجميع ويهلل لها الكثيرون ويحاول البعض أن يحاربها في هذا الميدان أو ذاك ليست ظاهرة تاريخية عادية بقدر ما هي إستراتيجية للسيطرة على مواقع النفوذ والتأثير في العالم.

صحيح أن كوكبنا عرف خلال العقود الأخيرة حالة غير مسبوقة من الترابط والقدرة على التواصل، حيث تضاءلت المسافات بفعل تطور وسائل المواصلات ولم تعد الحواجز الجغرافية ذات اعتبار كبير بفضل القفزة الهائلة التي حصلت في مجال تكنولوجيا الاتصالات، هذه العوامل يمكن اعتبارها إيجابية ومفيدة، لاسيما وأنها أنتجت وضعا جديدا يتيح إمكانات فائقة لحركة الأفكار ورؤوس الأموال -وبعض المحظوظين من الأشخاص- بكل حرية ويسر. وقد شجع هذا الوضع فئات معينة تمثل المتحمسين والمنتفعين من العولمة في طبعتها الليبرالية الجديدة على التبشير بها كخير خالص وتقديمها كما لو كانت أمرا جديدا تماما وقدرا محتوما لا فكاك منه.

العولمة كواقع وإستراتيجية للهيمنة


إذا كان لخطاب العولمة من خصوصية تميزه فهي أنه يندرج في إطار إستراتيجية للهيمنة أكثر مما يمثل وصفا مجردا لظاهرة تاريخية
ومن الواضح أن ظاهرة العولمة تتميز بسرعة وكثافة وعمق تأثيرها في جوانب عديدة من الحياة الاجتماعية، كما تمتاز بأنها ذات أبعاد متشعبة تمتد من الاقتصاد والاتصالات إلى السياسة والحقوق. لكن المؤكد أيضا أن العولمة مهما بدت متميزة بسياقها وبنتائجها وبالخطاب الذي تنتجه إلا أنها لا تعدو أن تكون امتدادا لظواهر تاريخية مشابهة سبقتها، وكان من آثارها الواضحة التي لا تزال ماثلة إلى اليوم وجود ديانات ذات امتداد عالمي

وإذا كان لخطاب العولمة من خصوصية تميزه فهي أنه يندرج في إطار إستراتيجية للهيمنة أكثر مما يمثل وصفا مجردا لظاهرة تاريخية. وقد عبر عن هذه الحقيقة الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن عندما أكد أن "العولمة ليست حالة للعالم وإنما هي فعل فيه". فخطاب العولمة ليس وصفا محايدا للحالة التي يعيشها العالم وإنما هو أداة أيديولوجية لفرض ثقافة معينة والتمكين لمصالح من يمثلونها، وفى سبيل ذلك لا بأس أن يتم تهميش الثقافات المغايرة وإقصاء الخصوصيات المنافسة.

ليس من المبالغة القول إن ظاهرة العولمة تبدو مسارا انتقائيا بامتياز، وذلك ما يتجلى من ملاحظة التناقض الجوهري بين منطلقاتها الذي يكشفه تنافر ركائز النظام الذي تسعى إلى إقامته، وهي:
الحرية المطلقة لحركة رؤوس الأموال.
الحرية النسبية لحركة السلع والخدمات التي تقيدها فقط العوائق التي تضعها البلدان الغنية في وجه منتجات الدول الفقيرة.
القيود المتزايدة على حركة الأشخاص، وهي قيود تتضاعف اطرادا مع تزايد أسباب الهجرة من البلدان الفقيرة إلى العالم الغني.

هذا التنافر بين مرتكزات العولمة يضاف إليه تناقض في أولوياتها، فهناك اهتمام مبالغ فيه بالتمكين للطبقة الرأسمالية وترويج النزعة الاستهلاكية وثقافة السوق، مع تشجيع ممارسات ديمقراطية شكلية وتسويق شعارات خادعة حول حقوق "الإنسان" وحرياته الفردية، كل ذلك في سياق الترويج لقيم ثقافية مخصوصة تنتمي إلى نموذج حضاري معين يدعى العالمية ويسعى إلى إلغاء حق الاختلاف لكنه لا يعنى بتحقيق المساواة.

في المقابل لا نجد أي عناية بقضايا أكثر أهمية مثل الدور الاجتماعي للدولة والحقوق الاقتصادية والاجتماعية للأفراد، كما يتم تجاهل واقع الاختلاف والتعددية الثقافية وقيم الحوار التي تتطلبها أجواء الانفتاح والتواصل بين الثقافات.

وقد دفع هذا التناقض في سياسات العولمة وتفاوت فرص الاستفادة من مزاياها الاقتصادي الإسباني خواكين استفانيا إلى القول بأن الموجة الحالية من العولمة خرقاء لأنها "تعمل بذراعين متفاوتي الطول، وهي أيضا عرجاء لأنها تمشى على رجل واحدة".

لكن هذا التشوه لم يحل دون توظيف أبرز السمات المميزة لظاهرة العولمة وهي القدرة على تطويع مفهومي الزمان والمكان بما يتيحه ذلك من توسيع مدى تأثير التوجهات الخاطئة والسياسات المدمرة المنتهجة في إطار العولمة، وفى مقدمتها سياسات الاستغلال الاقتصادي القائمة على تعميم الغبن وتسويغه وإستراتيجيات الهيمنة السياسية التي تعتمد على صناعة الرعب وعولمة الخوف.

فضلا عن نشأة وتوسع الإمبراطوريات وظهور عصر الاكتشافات.


تتمثل المهمة الأولى لإستراتيجية عولمة الغبن في تصفية دولة الرفاه حيث توجد وقطع الطريق على كل ما من شأنه الإسهام في إحياء فكرتها

إيديولوجيا الغبن وقوانينه
لعل أبرز خصوصيات عولمة الغبن تتمثل في طبيعة العلاقة التي تقيمها بين السوق والمجتمع، فآلية السوق التي تعتمد عليها سياسات العولمة تقر تقسيما اجتماعيا جديدا يقوم على التمييز بين القادرين على الاندماج في السوق والعاجزين عن ذلك.

ومن النتائج الخطيرة لهذا التوجه حصول تغير في علاقة المواطن بالدولة في اتجاه جعل المواطن مجرد زبون، حيث يتحول الأمر من بيروقراطيات عمومية يرتبط المواطن معها بجملة من الحقوق والواجبات إلى مجموعة من الممولين لا تربط المواطن بها سوى بعض العلاقات التجارية.

ذلك أن المهمة الأولى لإستراتيجية عولمة الغبن تتمثل في تصفية دولة الرفاه حيث توجد وقطع الطريق على كل ما من شأنه الإسهام في إحياء فكرتها. وتتجلى هذه النزعة بوضوح في الموقف من السياسات الاجتماعية، حيث لم تعد توضع حدود دنيا يتعين الالتزام بها في أنظمة الحماية الاجتماعية، وإنما بالعكس أصبحت تحدد سقوفا لا تتجاوزها هذه الحماية إذا كانت الدولة لا ترغب في تعريض نفسها للوم أو حتى للعقوبات الاقتصادية.

على مستوى العلاقات بين الدول يمثل الخطاب الإيديولوجي للعولمة إستراتيجية للاستغلال أكثر مما يعكس قناعة صادقة، فالدول الغنية تتشبث بالحق في فتح أسواق العالم أمام منتجاتها وتحرص عبر المؤسسات النقدية الدولية على دفع الدول النامية إلى اعتماد سياسات منفتحة بل وتلزمها بذلك أحيانا، لكنها في نفس الوقت لا تتردد في الاعتصام باعتبارات السيادة ومقتضيات المصلحة القومية لحماية أسواقها أو لتبرير دعم منتجاتها.

لقد كشف مؤتمر منظمة التجارة العالمية في كانكون عمق الهوة بين الخطاب والواقع وأظهر حجم التناقض بين الشعارات الليبرالية المعلنة والسياسات الانتقائية المعتمدة التي تكرس مصالح البلدان الغنية على حساب الأطراف الأكثر فقرا. وحكومات بلدان الشمال التي لا تفتأ تعظ العالم أجمع حول مزايا المنافسة الحرة هي نفسها من يضاعف سياسات حماية ودعم اقتصادياتها.

هذا الدعم السخي لاقتصاديات البلدان الغنية يحد من قدرة الدول النامية على المنافسة حتى في أسواقها المحلية، وفى نفس الوقت تحول الرسوم الجمركية المرتفعة بينها وبين الوصول إلى أسواق البلدان الغنية.

وأصبح الكلام عن عولمة القانون ينصرف تلقائيا إلى جملة القواعد والتقنيات التي تحكم تعامل المؤسسات الاقتصادية الناشطة على المستوى فوق الوطني، وهي مجموعات من الشركات العابرة للقوميات ذات رأسمال خصوصي بالدرجة الأولى.

ويتعلق الأمر تحديدا بآليات التفاوض والتعاقد بين هذه الشركات وهي تقنيات تنتمي إلى مجال القانون التجاري، وعادة ما يتم الحرص على نفي أي صفة سياسية عنها في مسعى غير خاف للتنصل من أي مسؤولية اجتماعية وأي التزام إزاء التوازنات الاقتصادية للبلدان التي تنشط فيها.

هذا المنحى في فهم البعد القانوني للعولمة -وهو للأسف منحى تعضده معطيات الواقع- يؤدى إلى اختزال القانون إلى مجرد تابع لتوجهات الشركات العابرة للقوميات وترجمة لنزعاتها التوسعية والنفعية. وفعلا، أنشأ تصرف هذه الشركات -بحكم نفوذها السياسي المستتر غالبا والسافر أحيانا وغير المسؤول في كل الأحوال- نوعا من النظام القانوني الدولي خاصا بخدمة مصالحها، وهو بالطبع نظام قانوني شاذ، حيث الإفلات من ضوابط الشرعية يعد السمة الأساسية وحيث لا معيار يعتبر إلا ما يقتضيه تحقيق متطلبات النجاعة الاقتصادية وتعظيم الربح.

عصر عولمة الخوف
مثلت أحداث 11 سبتمبر/ أيلول نقطة تحول فاصلة، فالانقلاب الذي أحدثته في مزاج المجتمع الأميركي والأجواء التي نتجت عنها على المستوى الدولي جعلت منها ذريعة مناسبة للمضي في تحقيق أهداف المجمع الصناعي العسكري المهيمن على صياغة السياسات الأميركية، وهي أهداف تصادف هوى في نفوس فريق الإدارة الأميركية الحالي ذي التوجهات المحافظة الجديدة والطموح الإمبراطوري الواضح والمدفوع بالمواقف الدينية المتعصبة والرؤية الكارثية الشائعة في أوساط قطاع متنفذ من ناخبيه من الأصوليين المسيحيين.

هكذا وجدت الولايات المتحدة الأميركية الفرصة سانحة لإدخال العالم في طور جديد ومختلف يمكن تسميته بعصر عولمة الخوف. فقد حرصت الإدارة الأميركية -وتحقق لها ذلك إلى حد كبير- على إظهار ما تسميه "الإرهاب الدولي" باعتباره مشكلة عالمية، في حين كان الأمر في البداية يتعلق بمسألة تخص أميركا بالأساس، وهي ذات صلة وثيقة بسياساتها في منطقة محددة.


إذا كان من غير المعروف إن كانت أميركا ستنجح، في القضاء على ما تصفه بالإرهاب الدولي فإن الواضح الآن أن الإرهاب لا يبدو أول ضحايا هذه السياسات التي تمتد على نطاق عالمي ولا تكاد توفر أحدا
وبدلا من اعتماد سياسات مناسبة لتعقب فلول الإرهاب والاهتمام باجتثاث الظاهرة من جذورها عبر الالتفات إلى معالجة أسبابها انتهزت إدارة بوش الفرصة وباشرت تنفيذ إستراتيجية توسعية تعتمد على تعميم الخوف واستخدامه لتحقيق أهدافها السياسية. وهكذا كان، فقد نجحت الولايات المتحدة -أو تكاد- في فرض أجندتها الخاصة على العالم، بمساعدة بعض حلفائها الغربيين، وحملت بذلك معظم الدول على اللهاث خلف سياساتها -رغبا أحيانا ورهبا في الغالب- مستعينة بجو الهلع الذي روجت له وأسهمت باستمرار في تغذيته بشكل مباشر أو غير مباشر.

وإذا كان من غير المعروف إن كانت الولايات المتحدة ستنجح، عبر سياساتها الحالية، في القضاء على ما تصفه بالإرهاب الدولي فإن الواضح الآن أن الإرهاب لا يبدو أول ضحايا هذه السياسات التي خلقت حالة غير مسبوقة من الخوف تمتد على نطاق عالمي ولا تكاد توفر أحدا فردا أم دولة, شعبا أم أمة.

تلك بعض ملامح عصر عولمة الخوف الذي بلغ ذروته مع تقدم الإستراتيجية الأميركية الراهنة، التي ربما تمكن إدارة بوش من تحقيق بعض الأهداف السياسية التي توختها، لكن المؤكد حتى الآن أن هذه الإستراتيجية أدت إلى نشر الرعب أكثر مما نجحت في القضاء على الإرهاب. ومن حسن الحظ أن الأمور لا تسير وفق إرادة بوش وعصبته وإلا لكان العالم يعيش اليوم وضعا آخر.

إن الغبن والخوف يمثلان وجهين لعملة واحدة، وبهما معا يتم السعي إلى تحقيق هدف مزدوج هو السيطرة على مقدرات العالم والتحكم في مقدرات شعوبه. لكن سياسات الاستغلال الاقتصادي والهيمنة السياسية ليست الوجه الوحيد الممكن للعولمة، ولأن الأمل في عالم أفضل يبقى أمرا مشروعا فقد بات من المطلوب البحث عن عولمة بديلة.
ــــــــــــــــــ
باحث موريتاني مقيم بإسبانيا

المصدر : الجزيرة